مشاهدة النسخة كاملة : عن أية امرأة يتحدثون؟


ام خديجة
11-10-2010, 01:14 PM
عن أية امرأة يتحدثون؟

http://www.alkhaleej.ae/Uploads/zone/279.jpg
علي محمد فخرو

إنه سؤال نضطرُّ بين الحين والآخر إلى طرحه على من يتنطّعون للإفتاء والاجتهاد بحق المرأة المسلمة في ساحة الفقه الإسلامي: عن أية امرأة يتحدثون؟ عن امرأة التاريخ الجاهلي الغابر، أم عن امرأة الواقع العربي الإسلامي الحاضر؟

دعنا أولاً، من أجل تبرئة دين الإسلام العظيم وفصله عن كثير ممن يتحدثون باسمه، أن نستعير الجملة التالية المعبِّرة للشيخ الطاهر الحداد، وهو أحد أهم رواد الإصلاح الإسلامي في تونس، يقول الشيخ الطاهر:”إنما الإسلام دين الواقع وبتطوره يتطور، وذلك سر خلوده، وليس في نصوص القرآن ما يمنع المرأة من تولي أي عمل في الدولة أو المجتمع مهما كان هذا العمل عظيماً، وهذا يدل على أن هذه المسائل (مسائل عملها) ليست من جوهر الإسلام، وإلا ما كان ليخلو القرآن من بيانها على الوجه المطلوب” .

نحن إذاً، أمام حقيقة واضحة إلى أبعد الحدود، وهي أن القرآن الذي تحدّث في تفاصيل شؤون نسائية كثيرة من مثل الزواج والطلاق والإرث والأمومة، بل وحتى اللباس، لم يدخل لا من قريب ولا بعيد في تفاصيل عملها، وأنه لحكمة إلهيّة تركه لمقتضيات التطور وتبدل الأحوال، فإذا كان الأمر كذلك فمن أين جاءت بدعة تصنيف الأعمال والنشاطات الحياتية المشروعة إلى أعمال ونشاطات تصلح للرجال من دون النساء أو العكس؟ نحن هنا معنيون على الأخص بالسيل المنهمر من مثل تلك الفتاوى التي تصدر في بعض مجتمعات دول مجلس التعاون التي بسبب ثرائها وقدرتها على تجييش ونشر الألوف المؤلفة من مروجي تلك الفتاوى في طول بلاد العرب والإسلام وعرضها، تسهم بقصد أو بغير قصد في إعاقة نهوض واستقلالية وحيوية وإبداع المرأة المسلمة .

لقد درس الكثيرون من الباحثين والمفكرين الإسلاميين المتّزنين الموضوعيين موضوع تعامل الإسلام مع المرأة، وأظهروا القفزة النوعية الحقوقية التي نقلت المرأة العربية الموءودة المحتقرة المهانة المشتراة والمباعة كالبضاعة قبل الإسلام، إلى المرأة المكرّمة التي لها الكثير من الحقوق الجديدة، ولقد أكد هؤلاء أن الإسلام مثلما تعامل مع كثير من المسائل بأسلوب التدرج والتطور، كما فعل في موضوعات الخمر والرق، وكثير من العادات القبلية الجاهلية المذمومة، فإنه فعل الأمر نفسه مع وضع المرأة الذي كان قبل مجيء الإسلام في الحضيض .

فالإسلام تعامل مع الواقع بعبقرية وتؤدة وروح تطوير، لكن كثيراً من علماء الإسلام وفقهائه لم يراعوا ذلك، وغلبتهم النفسية التاريخية الماقبل إسلامية الدونية تجاه المرأة .

هذا ما يقوله الإسلام، فماذا يقول الواقع الحالي للمرأة العربية المسلمة؟ إنه يقول بالإحصاءات الموثقة، كما تؤكدها الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي، بأن النساء يشغلن أربعين في المئة من المناصب العلمية والتقنية في إندونيسيا، وخمسة وأربعين في المئة في ماليزيا، وزهاء اثنين وثلاثين في المئة في المغرب العربي، وقريب من هذه النسب في كثير من بلاد العرب والإسلام .

فإذا علمنا أن المجالات التي تتحدث عنها تلك الإحصاءات، حسب اليونسكو تشمل الاختصاصيين والفنيين في العلوم الفيزيائية والهندسة والطب والرياضيات وعلوم البيولوجيا وعلوم السياسة والاقتصاد والمحاسبة والقانون والإعلام والصحافة والآداب وعلوم الطيران والبحار، أدركنا اتساع الرقعة وارتفاع المستوى اللذين وصلت إليهما القفزة النسوية الحضارية التي بدأ بها الإسلام، عندما أعطى المرأة حقوق التملك والميراث والاستقلالية في المال والزواج وغيرها، ثم طوّرتها الأزمنة وجهود المرأة وعبقريتها وطموحاتها، فإذا أضفنا إلى ذلك مئات المهن المتوسطة التي دخلتها المرأة بقوة وثبات، تبين لنا فقر وبلادة وظلم من يحاولون من الذكور تحديد مساحة العمل والإنتاج والإبداع التي تستطيع المرأة ولوجها، من هنا نسأل هؤلاء: هل يعيشون في كوكب زحل أم فوق هذه الأرض؟ وهل ينتمون إلى أصحاب الكهف وهم يغطون في نوم عميق خارج الزمان والمكان؟

لكن السؤال الأهم يجب أن يوجه إلى مسؤولي تلك المجتمعات التي تعشش فيها مثل هذه الثرثرات الفقهية: ألم تسمعوا أن الفقيه المبدع الإمام أبا حنيفة قد أجاز للمرأة أن تجلس على كرسي القضاء منذ أكثر من اثني عشر قرناً؟ إذاً، فهل ستسمعون إلى من يضنّ على المرأة العربية أن تعمل كمحاسبة في متجر تحت دعوى الحفاظ على شرفها؟ هل ستلتزمون روح المساواة والكرامة والحرية التي جاء بها الإسلام للرجل والمرأة على السواء، وتحترمون المواثيق الدولية التي تؤكد حق المرأة والرجل في شغل كل عمل شريف بحرية تامة وباستقلالية؟ أم أنكم ستسايرون القراءة المتخلفة البليدة الظالمة لدين الحق والميزان والقسطاس، دين الإسلام العظيم؟

وأخيراً، ألن تستطيع الدول الإسلامية حل إشكالية “الفتاوى القطرية” التي تجعل الإسلام وكأنه أديان مختلفة لدول مختلفة؟ وبهذا تزيد هذه الإشكالية في البلبلة الفقهية التي طال عليها الزمن وغدت معضلة إسلامية عصرية بامتياز . أيها الإسلام، كم من الجرائم ترتكب باسمك، أيتها المرأة المسلمة كم من العقد النفسية الذكورية لا تجد طريقها إلا إلى باب بيتك .

نقلا عن الخليج