مشاهدة النسخة كاملة : ولكن حمزة لا بواكي له


أبو فاطمة
11-08-2010, 06:08 PM
ولكن حمزة لا بواكي له

النائب محمود الخطيب
كان ذلك حينما رجع الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم - من غزوة أُحد، ووجد النساء يبكين قتلاهن. فليس أحد أحق بأن يبكى من حمزة، ولكن هل يبكي على حمزة نائحة مستأجرة؟
ولمثلي الحق أن يتكلم في هذا الموضوع ذلك أنني عايشت تجربة مماثلة في الدفاع عن شرعيتي التي منحني إياها الشعب، وإن كانت تجربتهم أغلى ثمناً، ذلك أنها تتعلق بلب الصراع في المشرق الإسلامي.
والحديث في مثل هذه الحالات هو حديث عن مواقف تبرز في زمن تشح فيه التضحيات فضلاً عن تقديم مواقف. و الحديث لا يدور عن حلال أو حرام، بل يدور عن دور يؤديه هؤلاء يدفعون بذلك الضريبة عن الأمة؛ أي هي ضريبة عن الجماعة تؤدى، وهذه الضريبة يجب أن تؤدى... أو يأخذها التاريخ مستوفاة وبفوائد، ويجب أن يبرز لها رجال؛ إذ لا بد في كل مرحلة من مراحل التاريخ من يقوم لله بالحجة، ويعز الدين.
ولتلك المواقف والتي يقفها الرجال في زمن الفتن والاضطراب والجبن والهلع والتنازل والهرولة السياسية أثر كبير وبذر يؤتى أكله قريباً. فقد وقف الرسول العظيم وحيدا يجاهر: "لو وضعوا الشمس ..." فصلى يوم حجة الوداع بمئة وعشرين ألفا من الصحابة. والموقف الذي أبداه الصحابة في غزوة العسرة كان من مكافأة القدر أن لم تحدث حرب أصلا ونصروا يومها بالرعب في موقف فريد. ولا بد لهذا الموقف من ثبات ومرونة فربما تقطع شوطا ثم تقف في منتصف الطريق ترتع. فليس مهما التجربة بمقدار ما هو مهم استثمارها وغنمها السياسي فقد أثبتت التجارب أن الغنيمة السياسية لمنظمة التحرير لم ترتق الى مستوى التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني.
بينما كان لثبات المبعدين في مرج الزهورأن أغلق ملف الابعاد، وكان لثبات الإخوة في قيادة الجبهة في عام 1985 أن كانت الصفقة بنتائجها الايجابية، بينما كانت صفقة مشابهة في نفس الوقت ليست على شيء.وكان للثبات أمام الهجمة السياسية التنازلية أن عرت هذا الخيار وأثبتت فشله.
وللتجربة التي يمر بها الإخوة المهددون بالإبعاد النائب محمد أبو طير {أبو مصعب} ذلك الجبل الراسخ والذي أمضى أكثر من ربع قرن في السجون، والذي شاء القدر أن تجمعني به قاعات المحاكمات وما أطولها! لأقف معه توجه لي نفس التهمة التي وجهت له، وقد رأيت فيه شمماً عجيباً وجلداً غريباً واحتراماً حتى من قبل أعدائه الذين يعاجلونه بالسؤال عن حاله وبالكاميرات التي ترصد خطواته الواثقة ولحيته المميزة.
كثير من الناس هم أبو مصعب... لكن ليس أحد {أبا طير} يقول لي هامسا: تجربة السجن (وهي الأولى) أفضل لك من تجربة الجامعة... فهو جامعة كبرى.. فأقول في نفسي: أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟ والنائب أحمد عطون ذلك الذي أعتز بنسبه – ونسب هؤلاء لا يقطع – فهو من سلالة مجاهدين وقد أمضى الآخر أكثر من عشر سنين ذاق خلالها من ويلات التحقيق الشيء الكثير ...
والمهندس الأستاذ خالد أبو عرفة والذي كتب – يهنئ في أول عيد فطر في سجن السبع قائلا بيتا من الشعر:
قد هيؤوك لأمر لو فطنت له فاربأ لنفسك أن ترعى مع الهمل
وكلما اتصلت به كان الجواب: المعنويات فيها تخمة... وهو دائم القول: يا لجمالات السجون... أي رجل هذا؟ والنائب الكريم محمد طوطح الذي أحسبه من الذين يدفعون بغير حساب.. وفي عينيه إصرار عجيب وثقة بنفسه، ولم ألتق به في السجن إلا مرة واحدة أثناء نزولنا إلى المحكمة فقد كان قافلاً من الأردن ليوضع في سجن الرملة وكان عنيداً في التحقيق. لتلك التجربة طابع خاص فهي تتعلق بالقدس، وتتعلق ببدايات تطبيق عملي لمشروع صهيوني تهجيري (يقف هؤلاء على أول أبوابه) وبعض العظماء أبواب إذا كسروا فتح الباب أو كسر.
حيث ترحيل الناس واقتلاعهم من الأرض والشجر والماء، وفرض سياسة الأمر الواقع – والتهويد بالقوانين والإجراءات على الأرض، وتكثيف الإستيطان ومشروع قوانين جديدة تتعلق بالولاء للدولة، فبعد أن كانت القوانين تتعلق بالسلوك أصبحت تتعلق بالعقيدة والنوايا. وتأتي وسط يأس من المجتمع الدولي أن يفعل شيئاً واليأس منه كما يئس الكفار من أصحاب القبور، إلا من وفود تضامنية تحمل في ثناياها بعض ضمير حي لكنها لا تملك من أمرها شيئاً. وأمر هذه القضية يبدو مرهقاً إذ مثل هذه القضايا جديدة في عنوانها لا قانون يحكمها، ويحكمها الطابع السياسي. فهي مرهقة لهم ولذويهم ومن يتابعهم ذلك أن غيبها مجهول – وأصعب القضايا ما تقول عنه غداً أو بعد غد تكل ذلك لمجريات لا ضابط لها في عالم السياسة
صبرنا إلى أن مل عن صبرنا الصبر وقلنا غداً أو بعده ينجلي الأمر
وهي فريدة لم يتجرعها سواهم فهي ذات طابع خاص والعرب تقول: (إن البلايا إذا عمت طابت) فقد تجرع السجن الأف، وكذلك الفصل الوظيفي، والاعتقال السياسي... وكلما كان للتجربة قياس كان وقعها أهون. لا سيما أن تلك القضية غير مرتبطة بالوضع السياسي الفلسطيني ولا أفق لها حتى بالمصالحة، وأن المصالحة لن تقدم شيئاً هذا إن حدثت وربما تزيد الأمر تعقيداً. وهي كذلك حقل تجارب لتعميم التجربة فيما بعد على قانون الولاء الإسرائيلي عمليا. ناهيك عن أنها جاءت بعد اعتقال طويل استمر لسنين لم يذوقوا الراحة بعد، وأصعب الجرح ما كان على الجرح.
والذي يثير الاستغراب أن الأستاذ خالد أبو عرفة هو وزير سابق في حكومة سابقة ولكن كأن القديم على قدمه، أو يحاسبونه على نية مستأنفة ينوي بها لصلاة لم يؤذن لها بعد. وبطريقة غير تقليدية، ولا عسكرية، ولا قانونية، ولا سياسية تحل مثل هذه القضايا.
فأقرب القضايا الى الحل أكثرها عمقاً في التمويه إذ الذي يتولى كلمة الفصل فيها رب العالمين, فقد كنا في قضيتنا حين اختطافنا نتمنى أن يظل ملفنا مرتبطاً بملف جلعاد ذلك أننا كنا نتوقع ان شأن جلعاد سهل ميسور، ولم نتمكن أن تعطى قضيتنا الصبغة القانونية.
وشاء القدر أن يحكم أول النواب (بالقانون) الحكم النهائي والبالغ (ثلاث سنين ونصف) ودق القلب. أنحكم مثل هذه المدة الطويلة؟ لقد خرج آخر النواب من السجن وهو {النائب علي رومانين} والمحكوم (أربعة وخمسين شهرا) وبقيت قضية جلعاد تراوح مكانها.
وكان الوضع غاية في التمويه أثناء اختطافنا ووضعنا عدة احتمالات، إلا أن شيئاً لم نكن نراهن عليه كثيراً جاء من خلاله الحل. ليأت أحدٌ بعد ذلك يتهم النواب بأنهم يعيشون في أبراج عاجية؟ وهل عرف التاريخ نواباً دفعوا ضريبة بالجملة لم يشذ منهم أحد؟! ثم أننا صحيح أننا نعيش في أبراج لكنها أقفاص حديدية فرضت علينا فنحن نعيش مع الناس ولكنهم يفرون منا كما يفرون من العدوى ومخافة التقارير. ويقولون لنا: إن عندكم حصانة، ولا يعلم هؤلاء أنك إن نجوت من سعد لم تنج من سعيد وما الدكتور حاتم قفيشة منكم ببعيد.
ثم هل همّ هؤلاء أن يبقى النواب في السجن؟ ثم ليقولوا لنا من هم..؟ ثم ّهب أن هنالك تقصيراً أليس في شرعنا أن يوهب المقصر للمحسن وفي شرعنا كذلك هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم. ألا ما اكثر ما يوجه لنا من سهام! فلو كان سهماً واحداً لاتقيته، ولكنه سهم وثان وثالث غفر الله للجميع وهؤلاء الإخوة النواب... لو وضعوا ألف احتمال واحتمال كالربط بقضية جلعاد أو كقضية سياسية أو كموقف قانوني مثلا فهنالك معادلة للقدر يريد أن يثبت من خلالها أن كلمته هي العليا لا ما يقولون.
ثم إن فلسطين بكم فخورة، وإن كل شيء يصلي من أجلكم, وإن كل شيء ليبكي عليكم. إن شوارع القدس وأزقتها وحاراتها القديمة والأبواب التي كنتم تدخلون من خلالها الى المسجد الأقصى والمنابر التي وقفتم عليها لتبكي عليكم، ويبكي عليكم "والتين والزيتون" ولو قدر لهذا البكاء أن يترجم لقالت القدس وناحت:
أ حــرام على بلابله الـدوح حـلال للطـير مــــن كل جنس
وقالت:
حمصٌ الجنة قالت لغلامي لا رجــــوعا رحـــم الله غلامي مات في الجنة جوعا
وتمر حول تلك المعالم شخوص لا تبكيها القدس، ولا تتحرك لها، ولا تأبه لها الأشجار، ولا الحيطان ويزورها رسميون لا تهتز لهم، ويزورها كذلك من يدعون تمثيلها فلا تنظرهم ولا تتحرك لاستقبالهم إذ أن الولاء موكل بالابتلاء حتى لا يسهل الادعاء ولأنها أصيلة تعرف الأصلاء وتحتضنهم وبلغ من أصالتها أنها ستلعن يوماً من الأيام أعداء الله في أخر حقب الزمان.
سلام عليكم في سجل الخالدين ذلك أن التاريخ لا يعترف الا بالعظماء والتاريخ أستاذٌ لا يحفظ من طلابه إلا المميزين, ولا يعلق على لوحة الشرف إلا الاوائل. أراد القدر أن يظهر أثر العطاء فيكم وقد ظهر ذلك أنكم وقفتم موقفاً, والموقف في شرعنا هو سلطان التقييم. وأنتم كذلك واحدة في الطريق إلى القدس.

نقلا عن المركز الفلسطيني