مشاهدة النسخة كاملة : نعم لوحدة قابلة للاستمرار


ابو نسيبة
11-08-2010, 03:23 PM
نعم لوحدة قابلة للاستمرار

ردا على المستقلة
أتابع بإهتمام برنامج نداء المحبة بين الجزائر والمغرب الذي تبثه قناة المستقلة من لندن على حلقات متتالية، وأثارت لدي إحدى حلقاته حتى قبل اكتمال الأخرى، جملة ملاحظات أرسلتها ألى مقدم الحلقات الدكتور محمد الهاشمي الحامدي، ونظرا لحساسيتها وأهميتها سأوجزها هنا على النحو التالي تعميما للفائدة:
أولا: أستاذي العزيز، موريتانيا لم تكن يوما من الأيام جزءا مما يعرف اليوم بالمغرب أوالملكة المغربية، مع تقديرنا واحترامنا لهذا البلد وحبنا له، وكلما حدث بالعودة الى التاريخ قبل نصف قرن فقط، هو مطالبة بالسيادة على موريتاينا، لكنها مطالبة لم تكلل بالنجاح وأصبحت اليوم نسيا منسيا.
ولعلمكم فلم يكن الأمر سهلا كما قد تتصورون، فالمغرب ألقى بكل ثقله، وثقل العالم العربي كله تقريبا، ومعه حلفاء كثيرون، للحيلولة دون إعلان قيام موريتاينا، التي نجحت رغم الكثير من الصعوبات، في الاحتفاظ باستقلالها، مدعومة هي الاخرى بقوى عديدة دون شك.
وللإستزادة من التفاصيل بشان هذه المرحلة عليك ان ترجع الى يوميات كل من عايشوا تلك المرحلة من السياسيين الموريتانيين والفرنسيين وحتى العرب والمغاربة الذين تعاملوا بشيئ من التوازن مع هذا الملف.
ثانيا:
لم يعد المغرب يطرح رسميا ولا بأي صيغة أخرى مسألة ضم موريتانيا منذ أكثر من أربعين سنة ... وبالتالي فلا مجال للحديث عنها اليوم.
أما الحديث من منظور تاريخي، فشيئ آخر،إلا أن أهم وأكبر وأوسع دولة قامت في المغرب العربي، هي دولة المرابطين، وانطلقت من جزيرة قرب العاصمة الموريتاننة نواكشوط تسمى "تيدرة" بحسب أكثر الروايات التاريخية تواترا أومن جزيرة في المحيط الأطلسي قرب مدينة سينلوي السنغالية حسب روايات أخرى وهي جزيرة كانت يوما ولفترة طويلة خاضعة لسيطرة امارة اترارزة الموريتانية.
وقد انطلقت اذا تلك الدولة من موريتانيا، وبأبناء قبائل ما زال أحفادها يعيشون في هذه البلاد، حفظا لعهد الأجداد، وبسطت سيطرتها على أراضي ومناطق واسعة، تتماهي مع المغرب الاسلامي بمفهومه الشامل، أي شمال افريقيا وأجزاء من غربها والأندلس، بالاضافة إلى بعض مناطق البرتغال وحتى جنوب فرنسا.
فاذا أردنا الركون الى هذا المنطق فموريتاينا اذا هي من يحق له ضم المغرب بل ضم الاراضي التي تحدثت عنها سلفا، وفيها البعض الخاضع اليوم لدول مكينة قوية لا تسلم شيئا منه لاي كان ولا تحت اي ذرائع.
ثم ان قولكم دكتور إن ثلاثة دول هي التي كانت معروفة تاريخيا في المغرب العربي، مكتفيا بتونس والجزائر والمغرب، واستثنيت موريتانيا، فهذا لا يغير في الامر شيئا، فالولايات المتحدة الامريكية أكبر دول العالم بدون منازع، لم تكن شيئا قبل أربعمائة عام، وحتى لا أتهم بالافتتان بالغرب او العمالة للأعداء، فقطر والسعودية والكويت وليبيا والسودان، ودول عربية وغير عربية كثيرة أخرى، لم تكن موجودة قبل مائة عام في شكل دول، ومع ذلك هي قائمة اليوم كاملة السيادة، يعترف بها الجميع، لا ينقص ذلك الماضي من حقوقها وواجباتها كدول مستقلة.
ثم إن موريتاينا قبل الاستقلال، وقبل وصول الاوربيين، كانت تتقاسم الحكم فيها إمارات ومشايخ، تتعامل فيما بينها، وتتعامل مع العالم الخارجي بندية، فبعض الأمراء الموريتانيين، عقدوا اتفاقات مع دول أوربية كبيرة، منذ القرن الخامس عشر، كهولندا وفرنسا وبريطانيا والبرتغال، في مجالات التجارة والخفارة في السواحل الموريتانية، وكانت بين بعض هؤلاء الامراء مع ملوك المغرب علاقات لا تشوبها شائبة التبعية باي حال من الاحوال.
ولو لم يكن هؤلاء الأمراء يملكون مجالا يمارسون عليه بعض السيادة، لما تعامل معهم الاوربيون و..... المغاربة، ثم إن السيادة بمفهومها الحديث وليدة التحولات التي عرفتها البشرية بعد الثورة الفرنسية وانتشار المفاهيم الدستورية والقانونية المعاصرة في مجال الدولة والسيادة والسلطة، وهي أمور لم تكن مطبقة مائة بالمائة في الدول الثلاثة التي أشرت إليها على أنها كانت الدول الوحيدة قائمة في المنطقة المغاربية في الماضي.
ثالثا:
إذا أردنا الحديث من منطق وحدوي فأهلا وسهلا، ولكن ذلك لايتم بالقوة ولا بالإكراه، وإلا لكان يمكن لكل دولة أن تضم دولة أخرى متى شاءت، ويسكت الآخرون. وتجربة ضم العراق للكويتن ما زالت ماثلة في الأذهان بكل تداعياتها السلبية والخطيرة، لأنها تمت بالقوة رغم أن الشعبين العراقي والكويتي شعب واحد يوحدهما الكثير ... وتفرقهما الحدود المصطنعة .... كما يحلو للبعض أن يقول!
رابعا:
أحد ضيوفكم الكرام تحدث في الحلقة ذاتها عن ما سماه الوحدة التاريخية التي كانت قائمة تحت إسم المغرب في المنطقة، وذهبت به الحماسة إلى أن قال إن شنقيط كانت لهم ( أي للمغاربة) - هكذا بالحرف - ثم أضاف إنهم من أوصل الطريقة التيجانية إلى غرب إفريقيا ضاربا مثلا بالسنغال.
وهذه أمور تستحق مني وقفة سريعة، فما المقصود بالتبعية وما المقصود بشنقيط؟
ومن الذي أوصل التيجانية إلى السنغال تحديدا؟
بداية أنا لا أعتقد أن بإمكان الضيف أن يثبت ما عجزت عنه المملكة المغربية، وهي الدولة التي جندت كامل طاقاتها الدبلوماسية والدينية والحربية وغيرها قبل نصف قرن، من أجل حسم قضية ضم موريتاينا، وإثبات تبعيتها للأراضي المخزنية منذ سالف العهود.
ولذلك فالأولى بالضيف الكريم أن ينأى بنفسه عن قضية لا يملك عليها الدليل ..... فرب كلمة يقولها احدكم لا يلقيها لها بالا تهوي به أربعين خريفا بعيدا عما أراد!
أما بخصوص مدلول شنقيط فاذا كان يقصد موريتانيا، فكلامه مردود جملة وتفصيلا، للأسباب الكثيرة الآنفة، أما إذا كان يقصد المدينة التي تحمل الاسم ذاته فتلك أدهى وأمر!
وفي شان إدخال التيجانية الى غرب افريقيا فالكل يعلم أن الشيخ محمد الحافظ العلوي هو من مر في طريقه قافلا من الحج بالزاوية التيجانية وأخذ الأوراد من هناك، ونقلها معه الى موريتانيا، وكان ذلك أول عهد للناس في هذه البلاد، وفي ما يليها من البلدان الفريقية السوداء، بالطريقة التي تأسست بواحة عين ماضي في الجزائر ولكنها توسعت وتطورت في باقي افريقيا السوداء بفضل الموريتانيين على مر قرون متتالية.
وقد يكون ضروريا أن أعرف قليلا بالشيخ محمد الحافظ العلوي مع أني لست أفضل من يتحدث عنه، فهو موريتاني، ومن مؤسسي فر ع قبيلة "إدوعلي" الموجود في منطقة اركيز جنوب غربي موريتانيا، أي أنه ليس بأي حال من الاحوال مغربيا، ولا يمكن أن يعتبر كذلك، حتى أنه ليس من المنحدرين من المناطق الشمالية الموريتانية، التي تتداخل بعض امتداداتها القبلية مع أخرى تعيش اليوم في الصحراء الغربية.
خامسا
أعتقد شخصيا، ومن أعماق قلبي أن اتحاد المغرب العربي، يمكن أن يكون إطارا مناسبا لتنمية هذه المنطقة، واستغلال ثرواتها بما يخدم رفاهية وحياة الشعوب، التي تعيش فيها، والتي يمكن أن تتوحد دون شك بالفعل، ولكن بشكل تلقائي وطوعي وعفوي، وعلى أسس أولها وأهمها، الإحترام المتبادل والندية في التعامل.
ولا أتصور أن تسميم الأجواء بادعاءات لا أساس لها، يمكن أن يكون مقدمة لذلك، خاصة أن الأنظمة السياسية في المنطقة، خاصة النظامين المغربي والموريتاني، يتعاملان على قاعدة مثلى من الإحترام والتقدير والتفاهم والتعاون، وتجاوزا - أقولها للأمانة بكل صدق - مسألة التبعية والضم والإلحاق وغيرها من الصيغ التي عفا عليها الزمن.
وعلينا نحن، من نضع أنفسنا في خانة القوى الحية الواعية والمثقفة، أن ندفع باتجاه تعزيز ذلك وتوطيده، لا أن نتعمد الصيد في المياه العكرة أوتحريكها عبثا على الأصح، لأنها لا تحوي ما يصطاد أصلا حتى نمارس فيها الصيد.
وأعتقد أن مسارا من هذا القبيل، هو الكفيل بتحقيق الوحدة الصلبة القابلة للاستمرار والبقاء والديمومة- ربما على طريقة الإتحاد الأوربي - العزيزة على الدكتور الهاشمي الحامدي، أوالتي ما زالت تستهويه على ما يبدو لأنها وحدت شعوبا ما يفرقها أكثر مما يجمعها كما يقول!
وهذه حقيقة، ولكن هناك حقيقة أخرى، لم يفطن إليها الهاشمي، أو لم يبرزها على الأصح، وهي أن الوحدة الأوربية تمت سلميا واختيارا وتدريجيا وطوعيا دون أن تستعلي فيها فرنسا العريقة على لتوانيا المغمورة، ولم تسخر فيها المانيا الغنية من اليونان الفقيرة، ولم يتكبر فيها الايطاليون المرفهون المخمليون على البلغار الذين يعيشون - بالمعايير الأوربية لا المغاربية والا الاوربية طبعا - شظف عيش لا يرحم!
محمد ولد حمدو
صحافي موريتاني مقيم في ايران

نقلا عن السراج الإخباري