مشاهدة النسخة كاملة : تركيا وامتحان الدرع الصاروخية


أبو فاطمة
11-07-2010, 05:24 PM
تركية وامتحان الدرع الصاروخية

محمد نور الدين

وضعت تركية في السنوات الأخيرة شعار "تعدد البعد" عنواناً لسياستها الخارجية، وعملت بكل قوة وثقة على تطبيقها في كل المجالات، ولم تستثن أنقرة من هذا التوجه حلفاءها على امتداد الحرب الباردة من الولايات المتحدة وأوروبا و"إسرائيل".
استمرت علاقات تركية مع حلف شمال الأطلسي، ومن ذلك مشاركة قواتها في أفغانستان، وإن في مناطق غير قتالية. وتعاظم الدور التركي الأطلسي مع تعيين تركي نائباً للأمين العام للحلف.
ومع أوروبا سرّعت تركية مسارها الإصلاحي، ونجحت في بدء مفاوضات مباشرة حول عضويتها، وتركية تؤكد دائماً أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هدف استراتيجي لها.
أما العنوان الأكبر على سياسة "تعدد البعد" فكان مع "إسرائيل"، حيث عملت تركية جاهدة على خلق دور وسيط بين "إسرائيل" والعرب، ومنهم السوريون والفلسطينيون، ولم يتردد قادتها في استضافة قمة فلسطينية "إسرائيلية" في عام 2007. واستمرت العلاقات جيدة على الصعد الاقتصادية والعسكرية والمدنية.
سياسة "تعدد البعد" لفتت الأنظار كونها فتحت باب التعاون للمرة الأولى بين تركية ودول وقوى كانت تتسم العلاقات معها تاريخياً بالتوتر والحساسيات، ومنها روسيا وإيران وسورية والعالم العربي والإسلامي عموماً.
نظر الكثيرون إلى سياسة "تعدد البعد" على أنها محاولة مستحيلة للجمع بين متناقضات، مثل أن تخلط الزيت بالماء. وراهن المتشائمون على أن المواقف التركية يمكن أن تستمر رمادية، لكن عليها في لحظة ما من قضية معينة أن تختار بين الأسود والأبيض.
الحرص التركي على أن تكون مع الجميع وليس ضد أحد ترجم حتى في العلاقات مع أرمينيا، حيث كاد الموقف التركي المنفتح على أرمينيا أن يهزّ العلاقات "الأخوية" مع أذربيجان.
ترجمت تركية أيضاً سياسة "تعدد البعد" على الصعيد النظري، عندما أخرجت من كتابها الأحمر أو وثيقة الأمن القومي الاستراتيجي، دولاً لا يهددونها مثل إيران، وسورية، وروسيا، واليونان، والعراق، ولم تبق إلا على حزب العمال الكردستاني عنصر تهديد لتركية. أما "إسرائيل" فقد أشارت الوثيقة إلى أن سياساتها تسهم في تهديد الاستقرار في المنطقة، وعدم الاستقرار يهدد دولها ومنها تركية.
تعرضت سياسة "تعدد البعد" إلى امتحانات وتحديات كثيرة خلال السنوات الماضية. وكانت تركية تعود لحبك الخيوط مع الأطراف المتضررة من بعض سياستها.
لكن التحدي الأكبر كان الاعتداء على "أسطول الحرية" من جانب "إسرائيل"، وقتل تسعة ناشطين أتراك كانوا على متنه.
للمرة الأولى يراق الدم التركي على يد "الإسرائيلي" من دون أن تقدّم "إسرائيل" أي اعتذار أو تعويض رغم مرور خمسة أشهر على الحادثة، وحتى الآن العلاقات السياسية شبه مقطوعة وقد تتفاقم.
العدوان "الإسرائيلي" على تركية لم يأت في إطار ثنائي فقط، صحيفة "ميللييت" كشفت أن "إسرائيل" والولايات المتحدة كانتا على علم قبل ثلاثة أيام من الاعتداء أن الأسطول سيغيّر سيره وسيتجه إلى العريش في مصر وليس إلى غزة، ورغم ذلك حصل العدوان.
العدوان لم يكن "إسرائيلياً" فقط بل دولياً أيضاً، كان يستهدف بالتحديد سياسة "تعدد البعد" التركية التي شعر الغرب بأنه لا يستفيد منها وحده، بل هناك مستفيدون آخرون مثل روسيا، وإيران، وسورية، والفلسطينيون، وهو لا يريد لهم أن يستفيدوا منها.
لم تنفع التهديدات الأمريكية مع "أسطول الحرية"، إذ إن تركية سارعت بعد الحادثة إلى التصويت بـ"لا" على قرار فرض العقوبات على إيران.
اليوم يتقدم الغرب وواشنطن تحديداً، من أجل الضغط على تركية مجدداً، ومحاولة خلق أسباب جديدة للصراع بين تركية وأشقائها في العالم العربي والإسلامي وفق سياسة بث الفرقة بين الأشقاء.
الامتحان الذي يريد الغرب أن يخضع تركية له اليوم، هو الرغبة في نشر الدرع الصاروخية على الأراضي التركية.
الدرع في الأساس كانت واشنطن تريد نشرها في تشيكيا وبولونيا لتواجه الصواريخ الروسية، مع إدارة أوباما الجديدة تغيّرت الخطة وأصبحت المواجهة مع إيران والعرب، من دون إخراج روسيا من دائرة الاستهداف، هي الأولوية للغرب وحوّلوها إلى مواجهة أطلسية-إسلامية.
ليس هناك أفضل من هذا المشروع لامتحان تركية في توجهاتها المتعددة البعد. تركية في موقف حرج. حتى الآن تبدي أنقرة استعدادها للتعاون، لكن بشرطين: ألا يذكر حلف شمال الأطلسي اسم إيران أو سورية كتهديد للحلف، وألا تذهب معلومات الدرع الصاروخية إلى "إسرائيل".
إذا افترضنا صحة هذه المعلومات تكون تركية عملياً قد انحازت إلى الأطلسي، إذ إن عدم ذكر إيران وسورية وكل بلد عربي بالاسم لا يغيّر من أن منظومة الدفاع الصاروخي وراداراته موجّهة في اتجاه تلك الدول، وهي المعنية بالتالي بهذا النظام.
أمّا عدم استفادة "إسرائيل" من المعلومات التي يوفّرها نظام الدرع الصاروخية فهو سذاجة كاملة، لا أعتقد أن الأتراك يثقون بوعود الأطلسي حولها، والكل يعرف أن "إسرائيل" هي أمريكا، وأمريكا هي "إسرائيل".
كيفما نظرنا، تركية تواجه امتحاناً صعباً وكل ما نأمله، نحن العرب والمسلمين، أن تخرج منه سالمة وفي اتجاه تعزيز علاقتها المشرقية، لأن العكس سيحمل الكثير من العواقب على سياسة "تعدد البعد".

نقلا عن المركز الفلسطيني