مشاهدة النسخة كاملة : يوبيل التقهقر : تحليل تاريخي { أبو العباس ابرهام }


ابن تيارت
11-06-2010, 11:00 AM
يوبيل التقهقر: تحليل تاريخي
أبو العباس ابرهام


تحتفل موريتانيا في هذا الشهر بخمسين عاما على استقلالها. لقد كانت هذه الخمسينية الماضية أكثر خمسينية تقدمية و سرعة في تاريخ الإنسان، وإذا أضفنا إليها الخمسينية السابقة لها، التي شهدت تكون الدولة الموريتانية في رحم الإستعمار، فإن هذه المئوية كانت أهم مئوية في عمر الإنسان على الإطلاق. و لقد شهدت من الأحداث و التطورات و التغيرات مالم يحدث في الخمسين مليون عام التي سبقتها.
الواقع:
رغم هذه التقدمية و السرعة التي طبعت عصرنا إلا أن حصيلة البلد منها في خمسينيته هذه كانت ضنكا. بعد خمسين عاما على الإستقلال من فرنسا مازالت مشكلة السيادة مطروحة. وتشهد البلاد في خمسينيتها نقاشا سياسيا محتدما حول نوعية العلاقة مع فرنسا. بعد خمسين عاما على الحكم المدني الأول- الذي تم بـ"التوافق" عن طريق دمج الأحزاب القائمة- هاهي البلاد في حكم نظام وصل للحكم بقوته العسكرية و ضربا للتوافق الديمقراطي في 2007. بعد خمسين عاما على الحاكم المدني الحكيم ها هو الحاكم العسكري في السلطة معتمدا على عضلته وفوهة بندقيته. أما الطبقة المسيطرة في كل المجالات فهي طبقة نفاقية ريعية متمكنة بفعل قدرتها على التمجيد و إبقاء الأمر على ما هو عليه، وليس على الكفاءة والإرتقاء المهني. بعد خمسين عام من إرساء أواصر اقتصاد الدولة "الإجتماعية" هاهي الدولة تتخلص من التزاماتها الإجتماعية عبر التخلي عن مكتسبات الخمسين-عام من الضمانات السكنية و الأجرية للموظفين الذين شاخ أغلبهم في نهاية هذه الخمسينية، أما أغلب العمال و الفلاحين فإما تم التخلي عن دعمهم كما هو حال ما حدث في المواسم الزراعية 2009و 2010 أو تم قهرهم لصالح رأس المال المستأسد كما حدث للعمال (الذين تم فرض قانون شغل في 2009 يقضى على حريتهم في الإضرابات) و الحمالين و الباعة المتجولين.
بعد خمسين عاما من الدولة الإجتماعية ها هي الدولة رهينة رأس المال المتحكم بشكل مطلق في خيارات الدولة بحيث يفشل و ينجح الحكومات و يتلقى أرباحا رهيبة لقاء بذله الأموال الإنتخابية و يواصل احتكاره المدوي و بيع خدماته المضرة بالمستهلك. بعد خمسين عاما من الحكم المدني ما زالت الوضعية الحقوقية في غاية السوء بحيث أن موت نيف من السجناء في أسبوع واحد أو موت العمال بفعل خروقات الشركات المنجمية ورأس المال لم يعد موضوع احتجاج بفعل عادة القمع المتواصلة من ضيم الشرط وقتلها للمواطنين و حظر التجول و احتقار ثقافة النقد.
مشاريع كان يمكن أن تتحقق:
من المهم الإشارة إلى أن هذه الصورة وليدة تراكمات تاريخية أضعفت القدرة على النقد وفعالية المصالح المعارضة للوضع القائم. وقبل التعرض لهذه التراكمات من المهم الحديث عن مشاريع بديلة لدولة الخمسين هذه طرحت –ولكنها لم تتحقق بشكل حاكم على الأقل- في الخمسين عاما الماضية.
1-كان أول مشروع دولتي تم تقديمه قبيل الإستقلال هو مشروع الدولة القومية العربية الإجتماعية، المتحالفة –و ربما المتحدة- مع الشمال (المغرب) و الماضية في خيارات "الإشتراكية العربية". لقد تم الكشف عن هذا المشروع لأول مرة في 1946. كان هذا حزب "الوفاق الوطني"، و لقد تمت تسميته جزافا بالإشتراكي. وقبل أن تظهر شحنته الشمالية فإنه قد تم تبنيه من قبل مناضلين إقليميين اشتراكيين: لمين غاي و سنغور في السنغال إضافة إلى الحزب الإشتراكي الفرنسي (الذي كان أكثر يسارية من الآن وأكثر معارضة لفرنسا الإستعمارية). لقد بدأ هذا المشروع مجرد حلم لمثقفين أممين غير أنه سرعان ما تحول إلى مشروع اجتماعي بعد انتصار بطله، أحمدو ولد حرمة، في معركة واي-نو الإنتخابية. من الواضح اليوم أن هذا لم يكن مشروعا اشتراكيا بقدر ما كان رومانسية عروبية متعبئة في اشتراكية لم تُقَدم و لم يُسأل عنها. ومهما يكن فقد هزم هذ المشروع لأن قيادييه ركزوا على الخارج الإقليمي، و لأنه ابتداء من 1950 بدأ يقارب المسألة الوطنية في سياق إقليمي فتحالف مع علال الفاسي (الإستقلال) وآمن بمشروع المغرب العربي الكبير، وأصبح يتحدث عن أشياء لا يعرفها الكثيرون كالموحدين والزيريديين و المرينيين و الأغالبة... و انصرف عنه الجميع.
2-في الحقيقة كان سبب من الإنصراف عنه عجزه عن دمج الأقليات الزنجية والخيارات القومية غيرالعربية. خاف الزنوج والتحقوا بنواة جديدة من مجتمع الزوايا البيظاني، الأكثر عددا و ثقافة و الأكثر قدرة على التأثير في القطاعات المحايدة بفعل تاريخ عريق من المشيخيات و المرجعيات الروحية والعلاقات الثقافية غير العسكرية. كان هذا المشروع هو مشروع التوافقات الزاوية لفترة ما قبل الإستعمار و قد وجد نفسه في إطار "الإتحاد التقدمي الموريتاني" الذي قدم نفسه على أنه معاد للإشتراكية. في نفمبر من عام 1948 تم مخاض هذا المشروع في مهرجان كبير في روصو، أكبر المدن الموريتانية في حينه بعد العاصمة السنغالية-الموريتانية المشتركة، سان لويس. لقد تم تقديم شخصية جامعة عرقيا كقيادة لهذا المشروع التحالفي هي سيدي المختار انجاي.
في 1951 في كيفا تم تقديم استراتيجة هذا المشروع. في 1952 انتصر هذا المشروع في الإنتخابات النيابية على حزب الوفاق. في هذه الفترة بدأ هذا الحزب في مداهنة الإستعمار بغرض وراثة السلطة ولم يعد غير حزب خاضع لفرنسا مما سبب بداية الشرخ فيه.
3- تم تأسيس مشروع مواز قابل للتحالف العرقي و لكن الحريص –في البداية فقط- على أن تكون نواة ذلك رفض الوصاية الفرنسية. لقد عرف هذا بحزب "الشباب الموريتاني" والتحق به الزنوج السنغاليون و الأمميون الإقليميون. كان إعادة مأسسة للسلطة الإجتماعية القائمة و المتحالفة مع الفرنسيين و جرها خلف قيادة شبابية تكنوقراطية جديدة. في مارس من عام 1957 حقق هذا المشروع فوزا صارخا في انتخابات مشكوك فيها بقيادة محام شاب يدعى المختار ولد داداه. غير أن الحزب لم يصل إلى هذا الفوز إلا بعد أن صار أكثر صداقة لفرنسا من حزب انجاي و رهطه ولقد تم الإقتناع بأنه حزب السلطة القادم، إذ سيكون الإستقلال مسألة توريثية و ليس ثورية.
4-لقد ولد انتصار الزوايا الأول هذا مشروعا أرستقراطيا مضادا. كانت الأرستقراطية الحربية المعروفة بحسان قد بدأت في التراجع منذ ما قبل الإستعمار بفعل نفوذ المشيخيات الزاوية المؤثرة التي بدأت في تأسيس ممالك عابرة للتراب على غرار إمارات حسان، و بفعل انتصار المدن التجارية الزاوية في القرن التاسع عشر و بفعل الحروب الحسانية المحتدمة التي قضت على إمارات أولاد امبارك وأضعفت لبراكنة و أدت إلى شبه تفكك لترارزة بعيد اغتيال الأمير محمد لحبيب 1860. ولكن التراجع الحقيقي للمحاربين لم يحدث في الحقيقة إلا بقدوم المستعمر الذي ألغي نظام المحارم والمغارم و أدخل نظام المحاصصة الذي ألغي قيمة القوة العسكرية لصالح الكثافة السكانية والرصيد العلمي، التي هي خصائص الزويا و الطبقات الملحقة.
حدثت آخر انتفاضة قوية لهذا المشروع من خلال الرومانسية الحسانية الحالمة في مشروع "الحزب الإشتراكي للمسلمين الموريتانيين". (من المفارقة الآن أن الأرستقراطية المحاربة هي صاحبة أول مشروع إسلامي في تاريخ البلاد كما أنها تاريخيا هي صاحبة أول مشاريع تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال عبد الله بن ياسين منذ ما قبل مقدم حسان و امحمد ولد عيدة فيما بعد هذ المقدم لاحقا في القرن التاسع عشر، في فترة "عافية امحمد" الشهيرة). قاد هذا الحزب شاب مغفري هو أحمد ولد كركوب وكانت نقاطه البارزة رفض الفيدرالية مع مالي (التي قدمها الزنوج من خلال وجودهم في الإتحاد التقدمي) والدعوة لمزيد من الإرتباط بفرنسا. لقد تم امتصاص هذا المشروع في الكثافة السكانية و علاقات القوى الجديدة. وفي 1961 بعد هزيمة المشاريع المناقضة لحزب الشباب انضم الحزب الإشتراكي الإسلامي إلى حزب الشعب وانتهت أحلام عودة الأرستقراطية إلى الأبد.
في 1978 عندما أتيحيت لهذا المشروع العودة من خلال انقلاب عسكري قاده أبناء المحاربين كان النفوذ الزاوي البيظاني المتغلغل في نسيج الدولة قد حسم تاريخيا عملية السيطرة على الدولة الحديثة لخمسين عاما قادمة.
لقد انتهت كل هذه المشاريع مع الدمج القسري للأحزاب في الحزب الواحد و بدأت صفحة جديدة في 1961.
مع انطلاق مسيرة الدولة قدمت مشاريع بديلة من المهم معاينتها أيضا.
5- في بداية الإستقلال كانت الدولة الموريتانية مشروعا اشتراكيا جيدا. من بين 15000 عامل و موظف كانت البروليتاريا تشكل نسبة 80 في المائة، التي كانت مصالحها متناقضة مع الإحتكار الفرنسي للموارد و فرض التبعية الإقتصادية و استغلال العمال. من العجيب الآن أن الثورة لم تنتصر في موريتانيا في شروط طبقية كهذه. في المقابل ظهرت برجوازية صغيرة غير مالكة، ومعتمدة على رأس المال الثقافي، وقامت بقيادة العمال في مواجهاتهم مع الدولة. بتاريخ 1973 استطاعت فرض تنازلات تاريخية على النظام تتعلق بالتأميم والإستقلال الإقتصادي في إنشاء عملة مستقلة و تأسيس "الإشتراكية الموريتانية". و مباشرة حدثت انتكاسة هذا المشروع فقد باعت الإنتهازية المشروع لصالح التعيين و المكاسب المالية، وذهبت لتبريد جسمها في ظل النظام.
6- كان لا بد من إعادة إنتاج المشروع بعد هذا الإنقسام المعروف بانقسام الكادحين و الميثاقيين. و قد تم ذلك تاريخيا من خلال تغيير الإستراتيجية النضالية لدى الحركة الوطنية الديمقراطية التي عادت إلى الأرياف، خاصة في مثلث الفقر، والمصانع و الشركات من أجل بناء تحالف مستديم لا يعتمد على البرجوازية الصغيرة -الإنتهازية بطبيعتها- مع المحافظة على المد الطلابي و الشعبي. كان هذا المشروع هو نواة المعارضة التاريخية الموريتانية و سيبقى وسيحقق بتحالفاته المتشعبة أهم هزائم الإرادة السلطوية في الإنتخابات العمالية في 1982 و البلدية 1989 (التي تحالف فيها النظام مع البرجوازية القومية العربية) و الرئاسية 1992. سيتم الإعتراف بالنجاح الأول مع إلغاء قيمته العملية في العهد الهيدالي. أما الإنتصاران الثانيان فسيتم تزويرهما نهائيا لصالح بقاء النظام. سيذبل المشروع مع ظهور مشاريع شعبية جديدة كالأصولية و العرقية وسيذوي في وسطيته المتزايدة مع الأيام وسيقع في الخطأ المؤقت النتمثل في الدخول في السلطة النيوليبرالية في 2008، هذا قبل أن يعود للعب دور تاريخي آخر في 2008 في مجابهة انقلاب مأساوي ضد التوافق الديمقراطي التاريخي في 2010.
7- في هذه الخمسينية أيضا ظهر المشروع القومي العروبي. بدأ هذا المشروع يتشكل في أصل الحركة الطلابية الأولى في الخمسينيات. كان السؤال الأساسي لهذا المشروع ليس نوعية الدولة بل من يسيطر عليها. كان القضية بالنسبة له هي صهر الجميع في الهوية و الثقافة العربية. بدأ هذا المشروع بالمعارضة الناصرية القوية جدا، ولكنها ستتراجع في الثمانينيات لصالح نفس المشروع بوجهه البعثي -القوي عربيا في حينه- والذي يسيحاول القيام بانقلاب بعثي بالنموذج العراقي لدى تسليح أقسام البعث في انواكشوط 1982. لقد وجدت هذه القوى في حادثة الإنقلاب الزنجي 1987 فرصة للصعود، وإلى 1993 فإنها حافظت على تغلغل مهم في مفاصل الدولة وذهنها الإستراتيجي. وعكسا لنخبة الميثاقيين في 1973 فإن هذه النخبة حكمت بشكل استراتيجي و أيدلوجي و ليس بمجرد شكل شخصي. ولقد قامت بتمرير نقاط تاريخية لخطها الفكري ومشروعها الإجتماعي.
8- في مقابل هذا المشروع ظهر المشروع الزنجي القومي المرتكز على دعاوي "السكان الأصليين" و النفوذ الغاني-السونينكي. كان هذا في داخله مشروعا سونينكيا بوحدوية "ملغاشية". غير أنه بدأ متذبذبا بين الإندماج أو الإنفصال بالجنوب. بدأ أولا في شكل إحيائية أدبية لملحمة سونجاتا وأغاني سيرير حول العلو السونينكي في العصر الوسيط. و في 1966-1967 ولدى حوادث دامية بين القوميتين المتعصببتين قامت قيادة هذا المشروع بالإندماج في خيار المواطنة الذي قدمه اليسار الموريتاني من خلال كاريزمية السميدع. سوف لن يستيقظ المشروع الزنجي القومي إلا في الثمانينيات مع ظهور اليمين الزنجي المتطرف الذي سيتم قمعه بقسوة في 1987. وسيؤدي هذا القمع إلى ظهور انفصالية زنجية ترفض علم الوطن و وحدته الترابية. سوف لن يتم تصحيح هذا الخطأ التاريخي إلا مع مغادرة الطايع2005 و إتاحة الحرية الإنتخابية والمراجعة السياسية وفق هذه الحرية. غير أن المشروع التحالفي هذه المرة ظل يمينا هوياتيا إلى الآن، ومازال يطالب بتقسيم الثروة على أساس عرقي و بتبديل الرموز الوطنية (النظام القائم ايضا طرح هذه الأخيرة في مؤتمر الحكامة 2010) كما أنه مازال يتبنى شعارا عرقيا متمثلا في البقرة البيضاء (هنالك أيضا شعارات عرقية أخرى كالجمل).
لقد ظهرت مشاريع عدة في هذه الفترة كمشروع التصحيح الإجتماعي المتمثل في حركة الحر و مشروع النهضة الشبابية (حركة الديمقراطيين المستقلين ثم ضمير و مقاومة) ثم مشاريع تجمعات المثقفين من الإتحادات العمالية النقابية و أنشطة العلماء و الأئمة إلى مبادرة حراس المستقبل.
9- غير أن المشروع الأبرز الذي بدأ في الصعود منذ أواخر الثمانينيات كان المشروع الديني-السياسي. مع اختلال التركيبة السكانية منذ بداية التسعينيات بدأت المدينة في الخضوع لتحولات جديدة: غيرت الهجرات إلى المدينة -المتمثلة في هزيمة الإنتجاعية البدوية بسنوات الجفاف- من شكل المدينة التي استقبلت التحولات الإنتاجية في شكل الريفيين المهاجرين. لقد أنتجت هذه الهجرة الريفية نظاما قيميا يعادي التحولات الإجتماعية الحداثية في قالب ديني حان للماضي البدوي. ومع فشل الدولة في الإرتقاء بالمواطنين صار هذا النقد الوعظي نواة مشروع سياسي تم تقديمه من مدخلين: الأول كومبرودارية دينية سرعان ما ارتقت و أصبحت جزءا من المشروع البرجوازي العريض بتفرعاته الحزبية العديدة. تم هذا الإرتقاء من خلال مرحلتين: المرحلة الأولى التي بايع فيها جيل من الإسلاميين النظام في بداية التسعينيات والمرحلة الثانية التي تم فيها تأسيس خيار وسطي-إسلامي برجوازي مداهن فيما بعد سقوط ولد الطايع.
أما التفرع الثاني فقد توجه بعيدا إلى الحنين للماضي و الأصولية المتطرفة. لقد حمل لواء هذا المشروع المحظريون الثوريون في نهاية الثمانينيات حيث تحولوا إلى مجاهدين في أفغانستان ثم الشيشان، أما بداية التسعينيات فسيتم حمل المشروع القتالي بعيدا إلى طموحات سلطوية بفعل جهود التائبين من أبناء الطبقات المحرومة في الضواحي والذين عبروا سابقا عن ثوريتهم الطبقية من خلال أعمال انحرافية إجرامية الطابع. بمرور الزمن سيصبح هذا مشروعا قتاليا يهدد بنية الدولة نفسها. وابتداء من 2005 سيصبح الخطر الأهم لأمن البلاد بدون منافس قريب و الخطر الأهم على النظام القائم بعد منافس آخر هو الجيش.
خمسون عاما من التقهقر
جاء طريق دولة الخمسينية من خلال مسيرة تاريخية طويلة. بدأت هذه المسيرة بتدمير الخيارات التقدمية وقدرة الجماهير على التغيير. لقد بدأ هذه مع بداية الخمسينية بالتقهقر الأول: هزيمة الدمقرطة: لقد تم هذا من خلال تقوية الحزب الحاكم و نظام الثلة على حساب نظام التشاور و التعدد. في ديسمبر 1961 في مهرجان الوحدة في نواكشوط تم التخلص من التعدد الحزبي في لصالح ما سمي بالتكاتف الوطني. إن فكرة رفض الدمقرطة بحجة التفريق لهي فكرة أصولية قديمة، ولكن نتائجها التاريخية في الممارسات السلطوية الموريتاتية ستتشعب طويلا، و ستسمح لاحقا بممارسة قتل مصلحة البلاد على حساب مصلحة السلطة. سيصبح هذا أكثر العناصر ثباتا في سياسات الأنظمة المتعاقبة.
رغم هذا حاولت الأحزاب المندمجة في حزب الشعب التعبير عن اختلاف مصالحها من داخل الحزب العريض، ولكن تم سريعا القضاء على ديمقراطية الحزب الواحد في مؤتمر كيهدي في يناير 1964 عندما تم اختزال جميع الصلاحيات الحزبية في المكتب السياسي، الذي يعينه –عمليا- رئيس الجمهورية. كانت هنالك جمعية وطنية من المفترض فيها التعبير عن النقد و لكنها كانت مقطعة الأطراف و مرمية في قمامة السياسة. لقد عنى هذا التراجع الأول أن جهدا واحدا- بدلا من عدة جهود- سيقود البلاد. غير أن عمق التقهقر لم يأت من هذا، بل من أن الأصوات الباحثة عن الدمقرطة و المشاركة حولت جهودها الآن إلى سيئة السياسة الموريتانية: البحث عن مكان تحت الشمس من خلال إرضاء الحاكم الوحيد وشكره و تملقه. كانت تلك بداية موت النقد على مذبح الشكر و المدح.
جاء التقهقر الثاني من عجز الدولة عن القيام بخطوات توحيدية في مجال التعليم. رغم احتدام المواجهات الطلابية و الأهلية ذات الطابع العرقي في 1966 و 1967 إلا أن النظام لم يدفع باتجاه تربية وطنية موحدة. ظلت الكتب الدراسية تستورد من العراق و المغرب و السنغال وفرنسا و لا تعكس أي إشارة وطنية، أما النشيد الوطني والعلم الوطني فلم يتم تعميقهما تربويا في مجتمع متعدد الأعراق. سيتسع هذا الشرخ في السنوات القادمة: سوف لن يصبح الإصلاح الهيدالي 1983 غير تكريس للتفرق التربوي، أما الإصلاح الطايعي 1999 فكان قرارا أحادي الجانب لقضية وطنية كبيرة. في خمسينية الدولة كان الإنقسام التربوي قد سمح بإيجاد ثقافتين مستقلتين وبتداعيات و هويات وممارسات مختلفة. وكان ذلك إعلان لفشل دولة الحداثة في صهر العصبويات في هوية أو حتى خلفية موحدة.
جاءت نهاية التجربة المدنية مع التقهقر الثالث. جاء هذا مع حرب الصحراء. رغم أن الحزب الحاكم صار حزبا ستالينا احتكاريا للسلطة إلا أنه لم يتم تعميقه في البنية الشعبية. وهكذا عجز عن تقديم تبرير شعبي للحرب. بدا قرار المطالبة بالمستعمرة الإسبانية كما لو أنه قرار علوي. و باستثناء ديماغوجيا التضامن مع الجيش المألوفة في أوقات كهذه فإن القرار لم يكن قضية وطنية مصيرية للمواطن العادي. كان انفصال الصحراء عن بقية مجال البيضان قد تحقق فعليا في القرن السابع عشر بانقطاع النظام السلطوي المغفري من الصحراء و بانكماش تمدد الزوايا في المجال، ثم حدثت القطيعة الأخرى في القرن التاسع عشر منذ الحروب التكنية-التيدرارية ثم المواجهات الدليمية-الإسبانية في 1885، والتي حدثت كلها بمعزل عن إدراك بقية البيضان في المجال الموريتاني. باستثناء الدعاوي القوموية فإن العلاقة مع الصحراويين كان من الممكن أن تكون علاقة تعاون أكثر مما هي علاقة ارتباط. كانت مجرد حرب قومية-بيضانية و كلفت طاقة هائلة وأوقفت مسيرة التنمية لأكثر من عشر سنوات قادمة.
سيحاول العقيد بوسيف تكرار نفس الخطأ بالعودة إلى حرب غير إجماعية و غير شعبية ولكن القدر سيحول بينه و بين ذالك. سقطت الطائرة وسقط مشروع إلحاق الصحراء.
كان الإنقلاب على النظام المدني 1978 هو عين التقهقر الرابع في مسيرة الدولة. قفز لقيادة الدولة مجموعة من البدو، ضيقي الأفق، الذين قاموا بتعميق كل الأخطاء السابقة في الدمقرطة و التربية و التسيير. كان هؤلاء عسكريون متفانون، وقد قام أبرزهم، المقدم هيدالة، بتحقيق أهم الإنتصارات الموريتانية في حرب الصحراء، ولكنهم، كالعادة لم يكونوا بنفس المستوى في السياسة و التسيير. كان عصرهم عصر: 12 عاما بدون أي نشاط سياسي مدني وبدون أي دستور أو عرف، وأحكام بالمراسيم المتناقضة و صراعات المجالس الحاكمة و مآسي صعود و هبوط الأشخاص و ملاحم الإنتقام والغدر والتربص و الفساد و سوء التسيير. لم نصل إلى العام 1987 حتى كان الإقتصاد الوطني على حافة الإنهيار، وكان لا بد من إعادة انطلاقة الإقتصاد الوطني من جديد.
استمرت أوبرا التقهقر في العهد الطايعي رغم الآفاق الجديدة التي فتحتها الثروة السمكية و الإنفتاح على الزراعة و المعاملات المالية الدولية. و جاء التقهقر الخامس من انشراخ الجرح الوطني في انطلاقة الصراع العرقي 1987. كان هذا فشلا لديمقراطية العسكر فقبل عام من الأحداث تم تنظيم انتخابات بلدية منع تسييسها بمنع إنشاء الأحزاب أو التجمعات السياسية. كان من الواضح أن الممارسة السياسية لم تنجح في احتضان كل الخلافات في التعبير السياسي المسموح به. وهكذا كالعادة تفجرت تعابير التذمر في النخب العسكرية. هذه المرة حدث تذمر عرقي في الجيش. بدل من أن ترد اللجنة العسكرية للخلاص الوطني بفتح الباب أمام المجموعات المتذمرة شرعت في حرب عرقية واضحة المعالم. قامت بمذبحة ضد الزنوج، وفتحت الباب لحركة متطرفة لا تعترف بالوحدة الوطنية. وهكذا ما بين 1988-1993 حدث احتقان أهلي قوي. قامت حركة افلام بعمليات عسكرية ضد نظام ولد الطايع الذي تكتم على المواجهات العرقية و منع الحديث عنها بأي صيغة، وقام باعتقالات واسعة للناشطين حتى من غير الإفلاميين.
أدت هذه المواجهات و الإعدامات إلى تقهر سادس في بنية الدولة. قرر ولد الطايع تصعيد الصراع العرقي. داخليا، رمى بالقوى الوطنية من الأصوات اليسارية و يسار الوسط (في هذه الأثناء أصبحت الحركة الوطنية الديمقراطية حركة من يسار الوسط بفعل تغيرات في الخطاب والمقاربة الإجتماعية أما اليسار الراديكالي فقد أصبح حركة الديمقراطيين المستقلين) و المتدينين الوحدويين من أئمة المنابر و الأصوات الفردية الدينية-السياسية. أطلق ولد الطايع سراح المعتقلين القوميين و جعلهم واجهة سياسية. لقد أضر هذا بالرسالة التاريخية للتيار العروبي في أرض تم تعريبها بالحوار الثقافي و ليس بالإستقطاب العرقي. حَول اليمين العروبي العروبة إلى عرقية و صار رائد المواجهات الإستقطابية مصعبا قدرة الثقافة العربية على لعب دور وطني إذ أصبحت جزءا من خوف النخب الزنجية المضطهدة عسكريا وأصبح تشبثها باللغة الفرنسية خيارا استيراتيجيا وتعبيرا عن خوف من تذويب ثقافي.
أكثر من هذا تم ضرب القوى الأيدلوجية المناقضة و نفيها خارج البلاد. تم وقف خطط الدمقرطة التي بدأت من خلال وعود الحكم المدني في 1983 و انتخابات الحكم المحلي في 1986.
قام اليمين العروبي الحاكم استراتيجيا بالتحالف مع عسكرتاريا الطايع بالتنظير للسيطرة العقارية كمدخل لقهر الأقلية الزنجية و حلحلتها تاريخيا. ابتداءا من 1987 بدأت صراعات البقر الأحمر و البقر الأبيض و حروب ملكية المسارح على الحدود و شمامة التي دخلها رأس المال التجاري بقوة. في 1989 وصلت هذه الإحتدامات إلى صراع حدودي تفجر في شكل تقهقر سابع عندما اندلعت الأزمة مع السنغال في ابريل 1989. سببت هذه الأزمة القضاء على أهم قوة موريتانية خارج الحدود: المجتمع التجاري في السنغال و الذي تحول إلى مجتمع وافر منذ الهجرة الحاجية في أواخر القرن الثامن عشر وتأسيسها لمجتمع تجاري في الصمغ العربي، و منذ تحول السيطرة البيضانية على الوالو إلى نجاح تجاري بعد هزيمة البيضان من قبل فيدرب في منتصف القرن التاسع عشر. كونت هذه التجارة أهم رأسمال موريتاني و كانت مصدر قلق لرأس المال المتاجر المنافس في داخل موريتانيا ولليمين السنغالي الذي استغل الفرصة في الأزمة و أقصى النفوذ التجاري الموريتاني بضربة واحدة. كان هنالك متآمر آخر: رأس المال الآدراري الذي قفز إلى الواجهة منذ منتصف الثمانينيات. وهكذا في يونيو عاد أكثر من 200000 موريتاني مسفر من السنغال. كان مثيل هذه الكارثة الديمغرافية هو هجرة السبعينيات إلى المدن، غير أن نتيجة هذه الهجرة الأخيرة كانت هزيمة رأس المال المستقل عن الدولة و إركاع كل المال لإقطاعية الدولة، ولقد تماشى هذا مع انبطاحية البرجوازية الثقافية التي تحولت إلى طبقة ريعية منذ خيانة ميثاقيي الكادحين في السبعينيات.
مع سيطرة اليمين العربي تم الدفع بالبلاد في الصراعات الدولية حيث تخلت الدولة عن الحياد في وجه صراع دولي كبير متمثل في مواجهة الإمبريالية الأميركية مع عراق صدام حسين. حدث تقهقر آخر عندما زج اليمين العربي بالنظام في ورطة الدوران في فلك حسين وليس فقط مجرد التعبير عن رفض العدوان. و هكذا قررت عدوانية بوش الأب أن تدفع دولة صغيرة في غربي إفريقيا ثمن هذا التعاطف. منعت الولايات المتحدة مساعداتها لموريتانيا (بشكل أساسي القمح و الأعلاف و برامج المساعدة الغذائية)، وقامت بشطب البلاد من المعاملات التفضيلية لدى البنك الدولي و صندوق النقد إضافة إلى سياسة البرود الديبوماسي تجاهها.
بعد عامين من الخنق استسلم ولد الطايع لضغوط الغرب وبدأ في اللبرلة و الدمقرطة كما تخلى عن أصدقاءه العروبيين. كانت السنوات القادمة فرصة للكولونيل للقيام بآخر أربع تقهقرات في تاريخ البلاد في أيامه. التقهقر الثامن: قام بلبرلة الإقتصاد من خلال تهشيم الدولة الحامية و خصخصة مؤسساتها تماشيا مع الإصلاحات الهيكلية. قدم المواطن المسحوق على طبق من ذهب لطبقة رجال أعمال شرهين و يتمتعون بدعم الدولة وامتيازاتها لدواع سياسية واضحة. لم تعن لبرلة الطايع أبدا حرية السوق إذ ساد الإحتكار و تم تطبيق القانون الضريبي في حق المنافسين. كان نظام رأسماليين بدون رأسمالية ويتمتعون بتغطية الدولة المسيسة لمجال المال و الأعمال.
تلازم هذا مع تقهقر تاسع هو إفراغ الدمقرطة من محتواها عن طريق تزوير الإنتخابات و مصادرة الصحف و الأحزاب و قهر الأصوات المعارضة بالحرمان من الوظائف و الرقي. ستستمر هذه المسيرة من تزوير انتخابات 1992 و الإنتخابات النيابية و البلدية في 1994 و 1996 و توزيع الخروق الإنتخابية على العملية الإنتخابية في 2003، إلى عودة الإنتخابية التي لا تراقب دوليا و لا تضبط آلية لوائحها من قبل المشاركين في 2009 ثم عودة بذل المال في انتخابات مجلس الشيوخ 2010.
جاء التقهقر العاشر في شكل تطور اجتماعي للنظام السياسي الذي أصبح يحتاج إلى الدعم الإعلامي كمدخل للسيطرة. تم تحويل رأس المال الإجتماعي إلى قوة سياسية وتم شراءها من خلال ازدهار ثقافة التأييد السياسي بالمقابل. ولدت طبقة من المتملقين الذين يدعمون أنظمة لا يقتنعون بها، و يسخرون منها يوميا في مجالسهم الخاصة، طبقة من باعة الرصيد السياسي الذين ينامون على وسادة تحتها ورقتي بيعة للنظام القائم و النظام المحتمل. كان عصر العدمية السياسية. حدثت مذبحة كبيرة للقيم و المبادئ، وتحولت الطبقة التسييرية التي تكونت في بداية الستينيات إلى طبقة مسيسة بحسب معطيات الوضع القائم؛ و تحولت التعيينات إلى سياسة التقريب و التبعيد القبلي، التي كانت سائدة في النظام الأميري، ما قبل الإستعمار.
تمت صياغة هذه الأفكار من خلال أكبر حزب شعبية في تاريخ البلاد: الحزب الجمهوري الديمقراطي الإجتماعي. كانت فكرة هذا الحزب هي مأسسة المكافأة السياسية في البيعة للنظام. كانت الفكرة تشريعا للفساد إذ سمحت الممارسة السياسية وفق هذا المنوال بإقطاع المناصب الإدارية للقوى العصبوية من أجل استخدامها في كسب المد الشعبي، ولقد تم التغاضي عن عمليات الإختلاس كجزء من هذه التقوية السياسية. حققت قيم الحزب الجمهوري عملية الفصل النهائي بين السياسة و القيم. (سيكون وريث هذا الحزب ابتداء من 2009 هو "الإتحاد من أجل الجمهورية"، باستثناء أنه في الأخير لن تتم مأسسة المكافأة السياسية بل ستترك في يد "الرئيس"، وسوف يجرد الحزب من ديمقراطيته و جمهوريته ليتحول إلى موقع دعائي تمجيدي-هجائي مع المحافظة على فصله للسياسة عن القيم ورطها بالمصالح الشخصية).
ريعية النظام في العهد الطايعي أدت إلى تقهقر استلابي تمثل في الخضوع لشروط القوى الدولية والإرتهان لها و ذلك في تعبيدية الدَين. دُفع النظام إلى إقامة أغرب العلاقات الدبلوماسية مع أغرب الكيانات في العالم. ورغم الإجماع على رفض العلاقة، غير الأخلاقية إلا أن انعكاساتها الداخلية أيضا كانت إعطاء سبب سياسي لنمو الأصولية و القتالية. وجد الحراك الإجتماعي الطبقي فرصة في هذا السبب في تكفير بنية الدولة ومعاداتها. ووجد الحلم بالخلافة نفسه في الواقع "الكفري" في التحالف مع الذين هم "أشد عداوة للذين آمنوا".
تحالفت الأصولية بشقيها القتالي و البرجوازي المهادن ضد الطايع الذي استخدم ضدها الطبقة الريعية من رجال الدين التي تم امتصاصها في الروتين الإداري ولم تعد ذات قيمة أو مقنعة للعامي الذي أصبحت تستهويه نماذج التشدد السلفي أكثر. انهزم ولد الطايع في الشارع الإحتجاجي فقط ليزيد من شعبية المحتجين بالإلتفات على حقوقهم و سجنهم. في يوليو 2005 انتصر القتاليون السلفيون للمعارضة الدينية و دفعوا بولد الطايع في ورطة الإنتقال في مالي التي عجلت بنهايته.
نتائج التقهقر
مع مغادرة ولد الطايع في 2005 كانت كل هذه التقهقرات قد تحولت إلى تراكمات تاريخية وبدأت في التطور حثيثا باتجاه نظام 2008 الهجين. رغم أن السلطة العسكرية 2005-2007 كانت انتقالية وليست مضطرة لرشوة الطبقة الريعية إلا أنها زادت من المكافأة السياسية خالقة طبقة خاصة بها. في المرحلة لما بعد الإنتقالية 2007-2008 حافظ النظام المنتخب على سياسة الدولة المحايدة تجاه قضايا الإقتصاد. بدأ الرئيس الذي أشرف يوما على إنشاء الإقتصاد التأميمي في البلاد على سياسية استقالية من الخدمات العامة: قام بتخفيض الضرائب و شكى من حجم العمالة العمومية، داعيا إلى تحمل القطاع الخاص لكل قضايا الكفالة الإجتماعية. خفض الضرائب لصالح حركية المال و بدأ في التفكير في مرحلة ثانية من الخصخصة. سكت طويلا عن أكبر أزمة غلاء تجتاح القارة منذ عقود، ولم يطلق الخطة الإستعجالية (فبراير، 2008)، التي كانت هزيمة لنيوليبراليته، إلا بعد أن كاد يفوت الأوان.
كان الأوان قد فات بالفعل فقد تحالفت الريعية المتحرقة للكسب (وريثة الحزب الجمهوري) مع عسكري ظل إلى 2005 خارج المشهد السياسي، ومازال في طور تعلم أبسط الأشياء عن قانون السياسة وفن الحكم والتواصل العمومي. قام صاحب البندقية هذا بإحداث أسوا التقهقرات في تاريخ البلاد القريب. أعاد خسائر الطايع المالية في بداية التسعينيات عندما سبب أكبر خسارة لمداخيل الدولة في كل تاريخها وذلك عندما سحب المانحون ملاييرهم اعتراضا على الإنقلاب الذي يعني نكث العسكريين لتعهداتهم أمام العالم. أعاد تقوية الطبقة الريعية عندما قام بأكثر من 1000 تعيين سياسي و إداري كمكافأة سياسية و قام بتسريح أكثر من 900 موظف من معلمين وقضاة و عقدويين، كما أضعف الطبقة الوسطى من الموظفين العموميين بإسقاط حقها في الضمانة السكنية و التعويضات النقلية (حدث هذا في اللحظة التي وصل فيها حد التقاعد مداه بالنسبة للأكثرية من المعلمين و الأساتذة و الموظفين العموميين) وزيادة سن التقاعد وإيقاف القروض الصغيرة و مشاريع تشغيل الشباب و خطط دعم الإقتصاد، لصالح تشييد 60 كليومترا من القطران وازدهار الفصل التعسفي، ورفض التدخل لصالح الزيادة الأجرية وحقوق الباعة المتجولين وتدمير الأحياء العشوائية دون تعويض لساكنيها. و سمحت مكافآته لرأس المال بذبح المستهلك بحيث أن البلاد تمر بأكبر موجة ارتفاع أسعار في تاريخها مقابلة بأكثر مداخيل لرأسالمال التجاري و المصرفي. نقابيا أصدر قانون تقليص الحرية النقابية و منع التظاهر. أمنيا، أعاد عصر الخوف من خلال منع التجول بالليل و النكث بأمن السجناء و المعتقلين و الأمن الصحي المهدد باتشار الأوبئة بفعل الشركات التلويثية التي لا تسأل عن ما تفعل. قضائيا، أعاد المحكمة العليا لربقة الرئاسة وأعاد بقوة قضايا توجيه المحاكمات و السجن الإحتياطي.
لهذه الأسباب جاءت موريتاتيا من أهم الدول الأكثر فسادا في 2010 و من الدول الأكثر فشلا في العالم والمهددة بالتحلل و الذبول.
الخاتمة:
في الحملة الإنتخابية الرئاسية 2009 قامت حملة الجنرال بتقديم صورته وراء صورة الرئيس الأول، المختار ولد داداه. ورغم مافي التقديم من حيف قانوني (إذ كانت صورة أبي الأمة تعود في الملكية الفكرية لمصور فرنسي لم تراعي إدارة الحملة حقوقه) إلا أن المعانى كانت أبعد. كان التراجع واضحا في التحول من المدني إلى العسكري، وفي الإنتقال من هدوء أبي الأمة و اجتماعيته إلى تعسف الجيش و خصخصته الكارثية.
إن هذا الإنتقال الذي يبدو غير طبيعي و متناقض لهو وريث مسلسل تاريخي من التراكمات التي أضعفت الدمقرطة و قدرة الطبقة الوسطى على التمدد وعلى خلق قاعدة مستقلة عن الحكام و قادرة على صد الأطماع السلطوية للجيش و للمال السياسي. إن إعادة انطلاقة البلاد في خمسينيتها الجديدة هذه يجب أن تبدا بهذا الأسئلة الوطنية و محاولة حلحلتها. إن موريتانيا بحاجة بقوة –و أكثر من أي وقت مضى- إلى عودة التوافق الديمقراطي و التخلص من السياسة القسرية وإبعاد الجيش و ارتجالية ضيقي الأفق من الإنقلابيين و قطاع الطرق السياسيين و تقوية المعارضة المستقلة القادرة على القيام بمشروع الطبقة الوسطى و بناء دولة المؤسسات.

camel
11-20-2010, 06:37 PM
شكرا أخى ابن تيارت على المقال
إنه مقال تحليلي طويل لكنه مفيد
دمت متألقا