مشاهدة النسخة كاملة : فرضيتان تحكمان قرار الحرب في المنطقة !


أبو فاطمة
11-06-2010, 10:50 AM
فرضيتان تحكمان قرار الحرب في المنطقة!

كمال جابر
أبوك سبع وإلا ضبع... هذه العبارة كانت المدخل لواحدة من ألعاب الفتيان المحببة مع انطلاقة كل ربيع مزهر بالخيرات وطافح بالحياة، فمصير الأب وما إذا كان سبعا أو ضبعا كان يتقرر تبعا لعدد الوريقات التي تتوج زهرة (الحَنْدَقوق ) البرية، ثنائية الخيار هنا تشبه إلى حد كبير ثنائية الخيار المتاح تجاه توقع وقوع الحرب في المنطقة أو لا، لكن إذا كانت لعبة الصبية تنتهي في بضع ثوان للوقوف على حقيقة الأمر المفترضة وفقا لقواعدها المقررة، فإن لعبة الكبار لن تنتهي بذات السرعة ولا يتحدد مصيرها (تحصل أو لا تحصل) على ذات الدرجة من البساطة والوضوح.
لأن الحرب في ذاتها لها أهداف محددة، يحرص مشعلوها على تحقيقها، كما أن إعلان العزم على خوض الحرب وقرب حدوثها أو تفويتها كخيار له أهداف أيضا وفي كل الحالات، ما يعني في المحصلة أن إدارة الموقف تجاهها وتجاه ما يقال حولها له علاقة أيضا بالأهداف المراد تحقيقها وتلك المراد إبطال مفعولها على حد سواء، وبين يدي هذا التقديم يتضح أن هناك فرضيات تلح على تحديد وقت الحرب، وطريقة لإدارة موضوعها.
من المعلوم أن الحرب في الوقت الراهن هي مطلب احتلالي لأسباب تتعلق برغبتة بمحو آثار عثراته في الحربين الأخيرتين على لبنان وغزة، وفي المجمل هو لا يريد للحالة التي يتربع على قمتها أن تتكسر قواعدها بفعل ما تؤسس له المقاومة هنا وهناك، فهو في سباق مع الزمن لتحقيق هذا الهدف، المقاومة من جهتها لا تستعجل حصول الحرب، لأنه كلما تأخر حدوثها كلما راكمت من قدراتها واستعداداتها، فعامل الوقت إذا يسير في صالحها بخلاف العدو، وهو يدرك ذلك جيدا، وهذا يشكل معطى حاسما في شكل التوجه للحرب، وما إذا كان آنيا أو في المستقبل المنظور أو ما بعده.
هذه واحدة من الفرضيات التي تؤثر في قرار توقيت الحرب، غير أن لهذه النظرية المرتبطة بعامل الوقت أبعادا تتجاوز الدائرة المحلية باتجاه تلك الإقليمية والدولية، والتي بات الحراك فيهما يخبر بوضوح عن حجم التحولات والتغييرات الحاصلة، والإنزياح في خارطة القوة وشكل التكتلات، لغير صالح الكيان بالطبع، الأمر الذي يفاقم من واقع الصعوبات التي تواجه إرادة الحرب الاحتلالية، عند اكتمال مسيرة التغيير المذكورة، من ذلك نستنتج أن التأخر في الحرب يفسح المجال للمقاومة مزيدا من الوقت لامتلاك أسباب القوة، وللتحولات في المنطقة أن تأخذ زخمها، الأمر الذي يصعب من تحقيق أهداف الحرب كلما تأخرت، يتضح أن فرضية الوقت تدفع باتجاه الإسراع في خوض الحرب لا إرجائها.
ثمة فرضية ثانية تسهم في تحديد الموقف من الحرب إسراعا بها أو إرجاء لها، تتعلق بالصورة السلبية التي لحقت بسمعة الكيان في العالم أجمع جراء أفعاله الشائنة، وجرائمه الواضحه، يظن البعض أن (إساءة الوجه) التي نتجت عن ارتكاب الكيان لجرائم كبيرة ومجازر فظيعة في حق شعوب المنطقة واسطول سفن الحرية، يمكن لها أن تغل يده عن ارتكاب المزيد من الجرائم،أو تبطئ من اندفاعته نحو الحرب، سيكون هذا الافتراض صحيحا في الحدود التي تناسب مقام البحث عن الصورة الإيجابية وبما يساويها من أثمان.
وما من شك أن الكيان الغاصب معني جدا بالإبقاء على صورته كما كانت عليه قبل عقد من الزمان من الآن , وهو مستعد لبذل الغالي والنفيس للإبقاء على هذه الصورة، لكنه في الوقت ذاته لن يضحي بما يراه مصلحة استراتيجية من أجل الإبقاء عليها، ولن يقبل بمجرد التفكير بمقايضتها بما يعتبره تهديدا وجوديا له، ولن يسمح لنفسه بأن يختار ما بين صورته الإيجابية (وهو يعلم أنها زائفة في حقيقة الأمر)، وبين السكوت على ما يعتبره خطرا محدقا بات يهدده مباشرة، وزيادة على ذلك فإن تأخر الحرب كثيرا يفسح المجال لتعاظم قوة المقاومة، الامر الذي يتطلب مزيدا من القوة لمواجهتها، والنتيجة مزيدا من الجرائم والفظائع، وما يلحق بها من سواد الوجه،، بمعنى أن فرضية ما يلحق بالكيان من سوء نتيجة سلوكه الحربي لن تكون ذات تأثير على صعيد اتخاذ قرار الحرب، خصوصا أن الحرب لم تعد الفاضح الوحيد لسلوكه المشين، والحصار المضروب على غزة، وطريقة مواجهة أسطول سفن الحرية مثالان يدلان على ذلك، ولأن مسألة وقوعه في مزيد من الفضائح واقترافه لمزيد من الجرائم تظل مسالة وقتية فقط، فإن فرصة هذه الفرضية في إملاء توقيت الحرب أضعف بكثير من فرصة فرضية عامل الوقت.
وعلى أية حال، فإن طريقة إدارة موضوع الحرب تساعد كل طرف من الأطراف المعنية على مفاجأة الخصم وإرباك حساباته، أو التأثير في توجهاته وقراراته، وإن من أهم أركان هذه الإدارة هي التصريحات للمسؤولين أوالتسريبات التي تصل للإعلام أو للجهات ذات العلاقة، وفي تقديري أن هذه الأدوات والأساليب هي جزء لا يتجزأ من الحرب المباشرة، فالتهديدات وزيادة وتيرة الحديث عن الحرب، وتضخيم أخبار تسلح المقاومة وإمكاناتها، كل ذلك يهدف لتهيئة الأجواء للدخول في حرب عبر تبرير دواعيها بشكل مسبق، أو إيهام الجهات التي تستهدفها الحرب بقرب حدوثها، لإرباكها وإبقائها تعمل تحت عامل الضغط والتهديد، وبالتالي التأثير في شكل خياراتها تجاه قضايا ومسائل قد تكون داخلية أو خارجية، ولكن تداعياتها لا تنفصل عن الجوهر العام للقضية، وإضفاء حالة من الخوف والرعب في قلوب الناس، وهو عامل ضغط نفسي إضافي يضاف للأعباء الملقاة على عاتق المقاومة.
كل ذلك يمثل المسار المتصاعد للحرب النفسية الذي يتقدم دائما منفردا أو بموازاة الحرب العسكرية، وإن الموقف الصحيح الصادر عن المقاومة تجاه هذه الحرب هو الكفيل بإبطال مفعولها وقبره في مهده، أعتقد أن موقف حركة حماس ورئيس الحكومة في غزة والذي يقول لا نتوقع حدوث حرب في المدى المنظور، هو موقف إداري صحيح تجاه سياسة التخويف والتهديد والإرباك، وبمعزل عن صحة هذه التقديرات أو خطأها، ولا ادري حقيقة إن كان هذا الموقف يعكس التقدير الحقيقي للحركة أو يمثل سياسة وفن إدارة ملف الحرب المتوقعة، والحرب خدعة كما يقال، والشاهد أن إعلان الموقف هذا يفرغ سياسة التهديد والوعيد من محتواها، ويبطل مفاعيل الحرب النفسية من أساساتها.
لأن التعاطي مع التهديدات كما لو كانت واقعا، والتجاوب مع مقتضى التسريبات التي تخرج من هنا وهناك، يساعد في اكتمال دائرة الهدف من ورائها ولن يتبقى سوى انتظار الثمار المرجوة، ولكن الإعلان بعدم توقع حدوث الحرب لا يسمح لدائرة الأهداف أن تكتمل أصلا، بل ويسهم في تشتيت العدو وإشعاره بأن تهديداته وتسريباته وكل أساليبه لن تجدي نفعا في النيل منا ولن تؤثر في تحديد خياراتنا وتوجهاتنا، وإذا كان العدو يكسب من وراء تخويف الناس كما تفعل الضباع، فإن على قيادة المقاومة أن تجد السبيل الصحيح لتطمينهم وتبديد المخاوف من نفوسهم، وهكذا تكون السباع.

نقلا عن المركز الفلسطيني