مشاهدة النسخة كاملة : رحلة الاستقلال في كرنفال الأعياد المتغيرة ... حصاد نصف قرن


ابن تيارت
11-05-2010, 02:51 PM
حصاد نصف قرن(1): رحلة الاستقلال.. في كرنفال الأعياد المتغيرة

محمد ولد حمدو
صحفي موريتاني يعمل في قناة"العالم" بطهران



تحضرني من وحي ذكرى الاستقلال صور كثيرة تتوالى أمام عيني كأنها شريط سينمائي، أولاها انغرست في ذاكرتي منذ الطفولة من مدينة المذرذرة، أراني فيها مع أترابي الصغار نتدافع بحيوية وبراءة، لنشارك في مسيرة حملة المشاعل، التي كانت تقام في الليلة التي تسبق يوم الاستقلال من كل عام، ونحضر بغبطة وسرور صبيحة اليوم التالي، احتفالات تنتهي بعد العصر، بمسابقات الرماية التي تقام خارج المدينة.

يومها كان الاستقلال، كلمة تقترن بالفرحة، وأوقات سعيدة نتقاسمها نحن الصغار، خارج الفصول، وفي حل تقريبا من سلطة المدرسة والبيت.

الصورة الثانية كان فيها لذكرى الاستقلال منافسون أقوياء، لم يكن يراد له أن يقوى على الصمود في وجههم، فما لبث أن توارى تاركا لهم الساحة، كنا نلعب ونلهو غير عابئين، حتى أن بعضنا كان يعتبر أن يوم الاستقلال قد تغير مثلا أولا ليكون يوم العاشر يوليو قبل أن يستقر مدة طويلة في رحلة التواريخ المتغيرة عند الثاني عشر ديسمبر من كل عام!

الصورة الثالثة كانت بعد الأولى بأكثر من عشرين سنة، أراني مع زملائي من الطلاب خارج ديار الوطن، تحل علينا الذكرى في غربة بعيدة، لاتصلنا منحنا الزهيدة والحيوية بالنسبة لنا، والسبب - بحسب ما قيل لنا حينها - العطل التي ترافق الذكرى السعيدة، وإذا بنا نتفاجأ بسعادة السفير، يقيم في أحد أفخر فنادق المكان حفل استقبال كبير بالمناسبة والأطرف أننا منعنا من الحضور على الأقل كما كان يسمح لنا عندما كنا صغارا!

الصورة الرابعة كانت بعد سابقتها بنحو عقد من الزمن، أطلت الذكرى الأربعون للاستقلال، وأعدت السلطات برنامج احتفالات يليق بالمناسبة كما قيل وقتها، كان من ضمنه عرض عسكري يحضره الرئيس والحكومة وكبار المسؤولين، ورأيت بأم عيني مواطنين بسطاء تجشموا عناء السفر ذلك اليوم، إلى ربوع تفرغ زينة المحروسة حتى يحضروا العرض، ولم يكن لهم من حظ في ذلك سوى أنهم عوملوا كأنهم جاءوا من كوكب آخر، لا يستحقون سوى الريبة والمعاملة الخشنة.

انقضى الحفل وأبناء المقاطعات الفقيرة السذج المخدوعون بوهم الوطن ورموزه لاهون في استعراض من نوع آخر، فرجال أمننا الأشاوس وجنودنا البواسل، يجربون فيهم كل ما عن لهم من أساليب الإهانة والاستحقار ودوس الكرامة!

وسأظل أذكر قوافلهم عائدة بعد الزوال في ذلك اليوم القائظ إلى قواعدها، بعد معارك مع الشرطة والجيش والعطش والشمس وبعد الشقة وقلة ذات اليد وضعف الحيلة، غادروا مهزومين مكسورين، ولا أحسبهم عادوا بحماسهم الذي أتوا به، مع ساعات الصباح في ذلك اليوم المشهود.

مشاهد مختلفة تؤلف صورة مركبة تبدل معها المكان والزمان و تغير معها المضمون كذلك!

صور من أزمنة وأمكنة متباينة تغيرت معها أمور كثيرة، تعاورت الأيام فيها ذكرى الاستقلال التي عاشت رحلة شاقة منذ نصف قرن! بعد أن كانت رمزا لنضالات أجيال متعاقبة على مدى قرن ونصف القرن، من الاحتكاك بالاستعمار بطرق وأساليب شتى، تحولت هذه الذكرى، إلى مجرد رقم في كرنفال طويل من الأعياد التي لا طعم لها ولا رائحة، قبل أن تنفرد من جديد بالساحة ولكن بعد أن فارقها النور الذي كان معها.

فقد دفعت الإخفاقات والنكسات التي توالت على المواطن طيلة العقود التي أعقبت الاستقلال إلى عدم الاحتفال بكل ماله صلة بالدولة، وكانت ذكرى الاستقلال أول الضحايا، فلم تعد تستثير حتى في نفوس الصغار أي معنى جماعي، وخفت بريقها في أعين الكبار حتى أنها أضحت رمزا لتكريس سلطة غريبة، لم يجد الناس مع مرور الوقت ما يشدهم إليها، ولا ما يدفعهم إلى الاهتمام بها أحرى أن تكون مناسبة للاحتفال والاحتفاء.

تلك ملامح من رحلة ذكرى الاستقلال خلال نصف قرن من الزمن سأبسط بحول الله تباعا الحصاد الذي رافقها في مناحي مختلفة من الحياة المحيطة بنا.

"""عن امجاد""""

camel
11-20-2010, 06:25 PM
شكرا ابن تيارت على هذا المقال الرائع
دمت متألقا