مشاهدة النسخة كاملة : حرب الرمال المتحركة في موريتانيا


ام خديجة
11-04-2010, 02:52 AM
حرب الرمال المتحركة في موريتانيا

http://img143.imageshack.us/img143/8061/125589.jpg
نواكشوط - المختار السالم:

أسدل الستار، فجر يوم الجمعة الماضي، على أول “حوار وطني” في موريتانيا حول وضع استراتيجية لمحاربة التطرف والغلو والإرهاب، وهو الحوار الذي حظي باهتمام غير مسبوق في الأوساط الموريتانية وجرى تحت إشراف الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز وبمشاركة وزراء الحكومة، وضباط الجيش والأمن، وقادة أحزاب الأغلبية، وبعض قادة أحزاب المعارضة، وعدد كبير من العلماء والخبراء والمفكرين، ورجال الثقافة والإعلام، ووفود إقليمية .

جاء الحوار الذي استمر خمسة أيام وشهد نقاشات ساخنة بين المشاركين، في وقت تخوض فيه موريتانيا حرباً مفتوحة على “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، ووسط جدل كبير في الساحة الموريتانية حول تبعات هذه الحرب على المستويين الداخلي والإقليمي .

وقد خلص المشاركون في الحوار إلى جملة من التوصيات من أهمها:

تثمين الدور الذي يقوم به الجيش الموريتاني وقوات الأمن في الدفاع عن الحوزة الترابية للبلاد، والحرص على توفير الأمن للمواطنين “واعتبار ذلك الدور واجباً مقدساً ينبغي أن يكون محل إجماع بين المواطنين، وغير خاضع للمراوغات السياسية” .

ضرورة تأسيس “ميثاق وطني” بين الأحزاب السياسية في البلد للتصدي لظاهرة الإرهاب والتطرف .

إنشاء مركز للدراسات والبحوث يعنى بدراسة ظاهرة التطرف من جميع جوانبها .

المطالبة باستمرار الحوار حول الإرهاب، من أجل مزيد من تبصير المجتمع بخطورة داء الإرهاب والتطرف والتصدي له بأنجع السبل تشارك فيه مختلف الفعاليات الدينية والسياسية والتربوية والدفاعية والأمنية، بصورة تضمن انتشار ثقافة الاعتدال والتعقل والحوار .

الدعوة إلى تجفيف المنابع التي يمكن أن يعشش فيها الإرهاب كالجهل والفقر والظلم والحرمان، مع استمرار سياسة الحوار والعفو عن حملة السلاح قبل اعتقالهم، والعمل على إيجاد السبل الكفيلة بدمجهم في الحياة النشطة .

المطالبة بوضع قوانين رادعة للتعاطف مع الإرهاب والتطرف في وسائل الإعلام وبرامج الأحزاب السياسية، وإنشاء هيئة للفتوى تعتمد المذهب المالكي .

وأكد رئيس الوزراء مولاي ولد محمد الأغظف أن “توصيات الحوار الوطني حول محاربة الإرهاب ستجد طريقها سريعاً إلى التنفيذ والتطبيق” .

وقد أظهر “حوار محاربة الإرهاب” انقسام القوى السياسية الموريتانية إلى “ثلاث جبهات” حول الحرب على الإرهاب:

الاتجاه الأول تقوده أحزاب الأغلبية وحظي بمساندة حزبين معارضين (عادل، والوئام)، وزعيم المعارضة أحمد ولد داداه، وهو اتجاه مؤيد للجيش في عملياته العسكرية، أما الاتجاه الثاني فقد تبناه حزب “تواصل” الإسلامي (المعارضة المعتدلة) وجمع بين تأييد الجيش ورفض الحرب الاستباقية (العمليات الخارجية ضد مواقع “القاعدة” في شمال مالي) .

بينما رفضت المعارضة الراديكالية (جناح مسعود، مولود، بتاح) المشاركة في الحوار، معتبرة أن الحرب على الإرهاب ستدخل البلد في كارثة، وأن النظام لم يسع إلى حوار حقيقي جاد في هذا الملف، بل أراد إملاء سياسته تحت شعار الحوار، كما فعل في الملتقيات الحوارية السابقة، بل اتهمت هذه الأحزاب الرئيس عزيز بخوض “حرب بالوكالة” عن القوى الغربية، والتخلي عن التنسيق مع القوى الإقليمية في هذا الملف .

من دون شك، تميزت حلقات النقاش داخل جلسات الحوار بالحرية التامة، وطرحت كل الآراء المؤيدة والمناوئة والناصحة والمتخوفة والمحذرة، لكن المراقبين توصلوا إلى خلاصة مبكرة بعزم نظام الرئيس عزيز على المضي قدماً في محاور سياسيته العسكرية والأمنية الحالية، وهي السياسة التي تم تأكيدها عند انطلاقة الحوار، وخلال جلساته ومؤتمراته الصحافية وبعيد اختتامه .

ولأن “الكلام من فم صاحبه أحلى”، كما يقول المثل الموريتاني، فسوف نستعرض هنا أهم تصريحات المسؤولين الموريتانيين التي توقف عندها المراقبون كثيراً، وستكون وقفة المحللين أطول معها .

فقد أكد الرئيس عزيز ورئيس وزرائه ووزير دفاعه وقادته العسكريين والأمنيين وقادة أغلبيته الحزبية مضيهم في الحرب الاستباقية على الجماعات المسلحة في الصحراء الكبرى بمنطقة الساحل .

وقال الرئيس ولد عبدالعزيز “إن موريتانيا ماضية أكثر من أي وقت مضى في الدفاع عن حرمة أراضيها واستقرارها مهما كلف ذلك من ثمن”، مشيراً إلى أنها “قامت مؤخراً بنقل دائرة القتال إلى أوكار المعتدين خارج حدود البلاد، لمنعهم من تنفيذ عملياتهم التخريبية في المناطق الآهلة بالسكان، ولضمان مواصلة عملية البناء في كافة أنحاء الوطن” .

وأكد ولد عبدالعزيز أن الجماعات المسلحة (القاعدة) هي من بادر إلى الحرب على موريتانيا، وأن هذه الأخيرة بدأت الرد على استهداف استقرارها .

وانتقد ولد عبدالعزيز أسلوب نقل وسائل الإعلام لأنباء المعارك الأخيرة وما سماه “توصيفاً مغالطاً وتشويشاً متعمداً” يهدف إلى المس بصورة الجهود المبذولة لمواجهة الإرهاب .

وأشاد ولد عبدالعزيز بتعاون سلطات جمهورية مالي (المجاورة) خلال الفترة الماضية التي خاضت فيها القوات الموريتانية معاركها مع “القاعدة” فوق الأراضي المالية .

أما وزير الدفاع حمادي ولد حمادي، فقد رد على المطالبين بانتهاج سياسة التحييد السلمي للجماعات السلفية المسلحة، وقال إن فكرة “التحييد السلمي للمنظمات الإرهابية” فكرة غير سليمة، وإن الحل يكمن في استخدام السلاح في مواجهة حامليه .

وقال ولد حمادي إن بلاده “لن تقبل بوجود أية قواعد للإرهابيين” في أي مكان قد يشكل خطراً عليها، في تعبير واضح عن رفض موريتانيا لوجود كتائب للقاعدة في شمال مالي .

وأكد أن موريتانيا ستواجه أي وجود من ذلك النوع ب “استراتيجية عسكرية دفاعية وهجومية هدفها الأول تأمين البلاد” .

وقال وزير الدفاع إن موريتانيا لا تضم أية قوات ولا قواعد عسكرية أجنبية، مشدداً على أنها لن تسمح بأي وجود من ذلك النوع .

الدفاع الهجومي

أما العقيد البخاري ولد أحمد، أحد كبار ضباط قيادة أركان الجيش، فقد أكد أن القوات المسلحة بسطت سيطرتها على الحدود الموريتانية المقدرة ب 4700 كلم للمرة الأولى في تاريخ البلاد منذ انسحاب الجيش الموريتاني من “عين بنتيلي” سنة 1976 (خلال حرب الصحراء)، وأن الجيش انتقل إلى مرحله الدفاع الهجومي لمواجهة الأخطار القادمة من الخارج والمتمثلة في جماعات العنف والمتاجرين بالمخدرات والسلاح .

وقال العقيد البخاري “إن الإرهابيين يدركون بعض الرسائل التي أرادت القوات المسلحة توجيهها من خلال استعراضها للقوة”، وأن العمليات الاستباقية التي تجري من وقت لآخر تهدف إلى إجبارهم على إلغاء خططهم السابقة وإرباك حساباتهم على الأرض، بالتزامن مع جهد استخباراتي تقوم به القوات المسلحة من خلال استغلالها للمصادر “المفتوحة وغير المفتوحة”، وفق تعبيره .

الحرب الاستباقية

وبدوره أكد محمد الأمين ولد أحمد مدير المخابرات الموريتانية أن ملاحقة الجيش الموريتاني للإرهابيين في منطقة الساحل أو ما يعرف بالحرب الاستباقية حالياً جاءت بعد 12 عملية نفذتها “القاعدة” ضد مصالح البلاد، وقد ساهمت بالفعل في تعطيل أجندة الإرهابيين . على حد قوله .

واستعرض مدير المخابرات الموريتانية العمليات التي قام بها تنظيم القاعدة ضد البلاد، قائلاً إن أخطرها العملية التي كانت ستستهدف الشريان الأهم في اقتصاد البلاد (شركة المناجم والحديد “أسنيم”) قبل سنتين من الآن، متسائلاً أمام نخبة من السياسيين والعسكريين عن مصير اقتصاد البلد لو حصلت تلك المواجهة بمدينة أزويرات (المنجمية)، والتي تضم كماً هائلاً من المتفجرات التي تستخدم في استخراج المعادن .

وقال مدير المخابرات ولد أحمد، وهو أبرز الضباط المكلفين بملف الحرب على “القاعدة”، بأن الاستخبارات كان لديها العلم بأغلب العمليات السابقة، وأنها الآن على علم دقيق بكل ما يجري داخل معسكرات “القاعدة” في الصحراء .

وأكد أن جهاز الاستخبارات تمكن من تفكيك كل الخلايا الناشطة والنائمة في الداخل التي حاولت تلك التنظيمات القيام بها، وأن جميع المتشددين الذين نفذوا عمليات داخل البلاد وصلوا إليها من الخارج لأن الاكتتاب توقف على الأرض رغم أن هنالك محاولات لتجنيد بعض الأصدقاء والأقارب عن طريق الاتصال عن بعد لكن الأجهزة الأمنية يقظة في مواجهته .

وفي استعراضه لخلفية تنامي التطرف بمنطقة الساحل، ذهب مدير المخابرات الموريتانية إلى ما لم يذهب إليه أي مسؤول رسمي، فأكد أن الكيل بمكيالين الذي تمارسه الدول الغربية الكبرى إزاء قضايا العالم العربي والإسلامي هو المسؤول عن انتشار ظاهرة الإرهاب .

ما الذي سعت إليه السلطات الموريتانية من “الحوار الوطني حول الإرهاب” ومن تصريحات مسؤولي الدرجة الأولى عن وضع الجبهة العسكرية والأمنية والتفاصيل الكثيرة عن الاستراتيجية الأمنية التي يجري تنفيذها .

* على المستوى الداخلي:

سعى نظام ولد عبدالعزيز إلى نوع من “تبرئة الذمة” بالحصول على أكبر إجماع سياسي داخلي ممكن حول سياسته العسكرية، وحاول التأكيد على أنه مجبر على المواجهة العسكرية للمجموعات التي تستهدف البلاد .

وأبدى تصميماً حازماً على أن رفض الحرب على الإرهاب لن يحقق لمعارضيه أي مكاسب انتخابية ولا سياسية . وهو تلويح لم تتبين أبعاده بعد، ويتعلق بتركيبة اللعبة الداخلية المعقدة .

وأعلن استعداده لسماع جميع الآراء والاستفادة منها، وصور نفسه “رجل حوار” في أخطر القضايا والمشاكل التي تواجه البلد . وكشف عزمه على تجنب أخطاء الاعتماد على المقاربة العسكرية والأمنية وحدها وذلك بالشروع بسياسة تحصين المجتمع فكرياً وعقائدياً .

وقدم “صورة براقة” لإنجازاته العسكرية والأمنية كونه نقل المعركة من داخل البلاد إلى معاقل “القاعدة” بالخارج، بعد أن فشلت الأنظمة السابقة في تجاوز موقف المتفرج، وأنه مستعد لتحمل التضحيات البشرية والمادية في مجال الحرب على التطرف .

* على المستوى الإقليمي:

أكد النظام الموريتاني رفضه لوجود بنية عسكرية للقاعدة في صحراء مالي المجاورة والتي باتت تعرف ب”أرض القاعدة” ما يعني عملياً استعداده لضرب تلك البنية في أي وقت، وهو ما سيخلق وضعاً جديداً في المنطقة .

أراد الرئيس عزيز ترسيخ الصورة التي عمل طوال السنة الماضية على “استظهارها” وهي أنه الوحيد حتى الآن في منطقة الساحل الذي نظف بلاده من الخلايا الإرهابية، وتجرأ على خوض عمليات خارجية ضد الجماعات المسلحة في الساحل الصحراوي .

والخلاصة التي أراد الرئيس عزيز إيصال إيجاز لها خلال أيام “الحوار الوطني حول الإرهاب” هي أن الحرب على الإرهاب أصبحت عامل تقوية لنظامه، وموطئ قدم للبلد إقليمياً، وهو أمر عسير الهضم لدى العديد من القوى الداخلية التي تتخوف من وقوع البلد في “فخ” جراء هذه السياسة، في ظل التناقض الحاد في نظرة القوى الإقليمية إلى سبل التعامل مع هذا الملف الحساس، وخاصة في الشق المتعلق بصراع القوى الكبرى في مجال النفوذ على المنطقة .

وبذلك تكون موريتانيا قد أكدت بالفعل انتقالها، وللمرة الأولى منذ ثلاثة عقود، إلى “مرحلة جديدة” من إثارة الرمال المتحركة، ولسان حال الكثيرين يقول “حتى الذين يولدون على الرمال سيعانون من صعوبة السير فيها” .

نقلا عن دار الخليج