مشاهدة النسخة كاملة : خمسون عاما، وما زلت أفتش عنك يا وطني


ابن تيارت
11-03-2010, 06:46 PM
خمسون عاما، وما زلت أفتش عنك يا وطني / البشير ولد عبد الرزاق





الذكرى الخمسون، هي حكاية زمن، لا ملامح له ولا قسمات، زمن الوجع والآهات والحسرات.

الذكرى الخمسون، هي حكاية زمن لا طعم له ولا رائحة، هي حكاية "الزمن الجائحة".

الذكرى الخمسون، هي حكاية زمن، ما زال يحاول، منذ خمسين عاما، أن يكون زمنا، هي حكاية وطن، ما زال يتعلم، كيف يمشي على قدميه، وكيف يصبح وطنا.

الذكرى الخمسون، هي بكل بساطة وسذاجة وحماقة ووقاحة، حكايتي وحكايتك، ألمي وألمك، وجعي ووجعك، هي ذلك الجرح الذي استوطن أجسادنا منذ سنين.

الذكرى الخمسون، عن أية ذكرى تتحدثون يا سادتي؟ وأنا منذ خمسين عاما، أتجرع خيبتي ومرارتي وحسرتي وقلة حيلتي

عن أية ذكرى تتحدثون يا سادتي؟ وأنا، كلما وضعت رأسي على وسادتي، رأيت وجه جدتي وهي تعاتبني وتقول لي: كم أنت مسكين.

الذكرى الخمسون، هي حكاية كل أصحاب الوجوه المسطحة الملساء، الذين مروا في حياتنا.

هي حكاية كل المسؤولين غير المسؤولين، الذين تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

هنا ظلموا، هنا نهبوا، هنا سرقوا، هنا سلبوا، هنا اختلسوا، هنا اغتصبوا.

هنا كدسوا أحلامنا في جيوبهم، ثم عادوا إلى قواعدهم، سالمين غانمين.

الذكرى الخمسون، عن أية ذكرى تتحدثون يا سادتي؟ وأنا منذ خمسين عاما، ما زلت أفتش في ذاكرتي، عن صورة وطن جميل، رسمته ذات مساء، على أسوار مدرستي

عن أية ذكرى تتحدثون يا سادتي؟ وأنا منذ خمسين عاما، ألعن عقرب الوقت في ساعتي.

عن أية ذكرى تتحدثون يا سادتي؟ وأنا منذ ولادتي، ما زلت أقف على بوابة وطني، أنتظر من يعيد إلي هويتي و يمنحني إذنا بالدخول.

عن أية ذكرى تتحدثون يا سادتي؟ عن أية ذكرى تتحدثون؟

الذكرى الخمسون، هي حكاية سيدة، ماتت طفلتها الجميلة بين ذراعيها، وهي تجلس في المقعد الخلفي لسيارة أجرة، لأن الطريق المؤدي إلى المستشفى كان مغلقا، بسبب مرور موكب الزعيم.

الذكرى الخمسون، هي حكاية عجوز عمياء، ما تزال جالسة على ناصية الشارع، تنتظر من يضع في يدها، وطنا دافئا، تغطي به جسدها النحيل

الذكرى الخمسون، هي حكاية كل المخنثين وصغار السياسيين وأنصاف الكتاب والمثقفين والسماسرة المقنعين واللصوص المحترفين.

الذين تنكروا، في صورة رجال محترمين، وتسللوا خلسة إلى مضاربنا، فسرقوا خبزنا وماءنا وملحنا وقمحنا وشعيرنا، ثم رحلوا فجأة، وتركوا أطفالنا جائعين.

الذكرى الخمسون، عن أية ذكرى تتحدثون يا سادتي؟ وأنا، منذ خمسين عاما ، ما زلت ألملم أشلاء أسئلتي و أفتش بين أمتعتي وحكايات جدتي، عن وطن حنون، يلفني في قطعة من قماش أبيض، ويمسح دمعتي.

عن أية ذكرى تتحدثون يا سادتي؟ عن أية ذكرى تتحدثون ؟

وعن أي وطن تتكلمون؟،

وكيف تزعمون أنه بلغ الخمسين؟

وأنا، بكل بساطتي وسذاجتي وحماقتي، ما زلت أنتظر، منذ سنين.

أن يولد الوطن من رحم الأنين .

و تقولون إنه بلغ الخمسين؟

فجأة بلغ الخمسين؟

أحقا، يا وطني، قد بلغت الخمسين؟

أحقا، يا وطني، قد ولدت وهرمت في غمضة عين؟

مسكين أنت يا وطني، مسكين

فحتى قبل أن تولد، زعموا أنك بلغت الخمسين

زعموا، أنك بلغت الخمسين

خمسون عاما، مرت يا وطني

وأنا ما زلت أفتش عنك، بين الحنين والأنين وذكريات السنين.

camel
11-20-2010, 06:11 PM
شكرا أخى ابن تيارت على هذا المقال الرائع
دمت متألقا ، لقد أعجبنى المقال كثيرا وأعجبنى منه قول صاحبه
(هي حكاية كل المسؤولين غير المسؤولين، الذين تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

هنا ظلموا، هنا نهبوا، هنا سرقوا، هنا سلبوا، هنا اختلسوا، هنا اغتصبوا.

هنا كدسوا أحلامنا في جيوبهم، ثم عادوا إلى قواعدهم، سالمين غانمين.).

ام خديجة
11-22-2010, 03:37 AM
شكرا لكما على النقل والتعليق مقال جيد فيه الكثير من الحقيقة المرة وهي تجذر الأنانية في المسؤلين وتغاضي الدولة عن فعالهم الشنيعة بل مساعدتها لهم بالتفريغ من العمل لإدارة سرقاتهم بدل الحبس واسترجاع مال الشعب الذي تجنع في أيادي قلة اللصوص .
وذالك حين تكون الدولة وصيا مؤتمننا على ثروات البلاد .