مشاهدة النسخة كاملة : التربية على المواطنة


ام خديجة
11-03-2010, 03:07 AM
التربية على المواطنة

http://www.alkhaleej.ae/Uploads/zone/277.jpg
عبدالحسين شعبان

يعتبر موضوع التربية على المواطنة جزءًا لا يتجزأ من موضوع التنمية المستدامة، إذ لا يمكن إنجاز تنمية شاملة ومستقلّة بمعناها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، من دون تربية متوازنة وعقلانية ومدنية، تقوم على أساس المساواة والكرامة الإنسانية، وفي أجواء من الحرية وسيادة القانون، وذلك بتأكيد “الحق في التعليم”، لا باعتباره حقاً فردياً فحسب، بل هو جماعي، لا يمكن لأي مجتمع تحقيق التقدم والتنمية، من دون تعميم التعليم والقضاء على الأمية ونشر المعرفة والثقافة الحقوقية .

وبهذا المعنى فالتربية على المواطنة عمل يستهدف الدفاع عن حق الإنسان في الوجود أولاً والعيش بسلام ومن دون خوف، وحقه في الحرية وحقه في العدالة وحقه في المشاركة، من خلال حقه في التعلّم، بما يؤكد ويعزز هذه الحقوق .

لعل مناسبة الحديث عن هذا الموضوع كانت عنوان مؤتمر مهم انعقد في الجزائر بدعوة من “منتدى الفكر العربي” وبمشاركة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر وجامعة البترا في الأردن والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة التي مقرها في الرباط .

وبقدر ما تهتم التربية بالمواطنة في نشر الوعي القانوني والحقوقي وثقافة المساواة، فإنها تتوخى أيضاً المساهمة في الوقاية من الآثار الضارة والخطيرة لسياسات الانتهاك والتجاوز على الحقوق، وذلك من خلال استخدام وسائل التربية الكفيلة بالتصدي لها، وتنمية الشعور العام لدى المواطنين، بقيم المواطنة والمساواة والحرية من خلال العملية التربوية كمدخل لتنمية المجتمع، وذلك ابتداءً من الأسرة ومروراً بالتعليم الابتدائي والأنشطة المدرسية وصولاً إلى الجامعة، مثلما يمكن للإعلام أن يلعب دوراً أساسياً في التنمية المجتمعية .

والتربية على المواطنة تستوجب اعتماد أساليب تربوية حديثة ومرنة في التعامل مع الأطفال والمراهقين والشباب وتربيتهم على ثقافة المساواة وقيم المواطنة واحترام حقوق الغير وقبول حق الاختلاف، وذلك من خلال عملية بناء وتراكم وتطور تدريجي طويل الأمد، يأخذ في الاعتبار درجة وعي وتطور المجتمع، وبما يساعد في خلق أجواء مناسبة للتغيير .

وإذا كان التعليم ولبنته الأولى المدرسة يحتل موقعاً مهماً وأساسياً في عملية التربية على المواطنة، فهو بحاجة إلى استراتيجية عمل للدولة ككل، لأن ثقافة المواطنة لا يمكن أن تترسخ إلاّ في إطار القوانين والأنظمة النافذة، لاسيما بعد تنقيتها عن كل ما يقف حجر عثرة أمام المبادئ الأساسية التي تتألف منها المواطنة، بمعناها العضوي والحيوي، ولعل هذا يتطلب مراجعة الدساتير وجميع القوانين والأنظمة والتعليمات، حيث يستوجب نشر ثقافة المواطنة في أوساط البرلمانيين والجهات التشريعية المختلفة وكذلك نشر ثقافة المواطنة من خلال الإعلام، خصوصاً ثقافة المساواة والحرية والعدالة وعدم التمييز، وكذلك نشر ثقافة المواطنة في إطار المجتمع المدني، الذي يمكن أن يكون مكمّلاً وراصداً وشريكاً للدولة، خصوصاً إذا تحوّل إلى قوة اقتراح للأنظمة والقوانين واللوائح، لاسيما إذا قدّم هو قوة المثل، ولكي تكون العملية متكاملة ومترابطة، لا بدّ من نشر الوعي الحقوقي والقانوني من خلال التربية والتعليم، وذلك كجزء من التنمية المنشودة .

لا يقصد من مفهوم التربية على المواطنة ضخّ معارف ومعلومات إلى المعنيين فحسب، بقدر ما تستهدف تأسيس قيم ترتبط بها، أي أنها ليست “تربية معرفية فقط” بل “تربية قيمة” بالدرجة الأولى، ذلك أن الاهتمام بالجانب المعرفي لا يقصد منه المعرفة فحسب، بقدر التوّجه من خلاله إلى بلورة وصياغة وتثبيت قناعات لتغيير سلوك وقيم الأفراد، وإذا كان الإنسان يولد ولديه توق طبيعي إلى الحرية، لكنه قد لا يدرك الالتزامات والقوانين والضوابط الاجتماعية والسياسية، التي تحدّ منها، أو تسمح بها، تلك التي تجعل من الحرية أمراً ممكناً أو غير ممكن، وهو ما يُمكن اكتسابه وتعلّمه والتربية عليه كقيمٍ ومثل ومبادئ .

من جهة أخرى لا يكفي حشد رؤوس المتلقّين بالمعلومات عن الحرية والمساواة والعدل وعدم التمييز وغير ذلك من الحقوق، لكن المهم أن يمارسوا بصفتهم “كبشر” تلك الحقوق، وقبل ذلك أن يؤمنوا بها وجدانياً، كما أن من الجدير أن يعترفوا بتلك الحقوق التي يطالبون بها لأنفسهم، حقوقاً للآخرين على قدر المساواة مع حقوقهم، باعتبارها مبادئ وقيم عليا . وإذا كانت قيم السلام توجد في العقول، فإن الحرب تصنع في العقول أيضاً، وهو ما ينبغي وضع حد له، مثلما ذهب إلى ذلك دستور اليونسكو .

إن التربية بهذا المعنى ليست لحشد قدر واسع من المعارف والمعلومات للتعلّم فحسب، بل هي تستهدف بالدرجة الإنسانية تربية على قيم الحياة والعيش المشترك والعلاقة مع الآخر، وإذا ما زُرعت هذه الحقوق منذ الصغر فإنها ستزدهر وتصبح جزءًا من ثقافة المجتمع، التي لا يمكن التجاوز عليها، خصوصاً أن الناس سيمارسونها كسلوك يومي حريصين على تأكيده في كل منعطف أو تغيير، وسيكون من العسير انتهاكه أو التجاوز عنه، لأنه سيصبح قوة مادية يصعب اقتلاعها وهي جزء من درجة تطور المجتمع، الذي سيدافع عنها بقوة كما يحصل في البلدان المتقدمة والديمقراطية .

يمكن القول أن التربية على المواطنة ترتبط بثلاثة مستويات هي المستوى التعليمي “البيداغوجي” والمستوى التربوي ثم المستوى الثقافي والمجتمعي . إن المستوى الأول يتعلق بالبرامج والمناهج الدراسية، فإنْ لم تترسخ ثقافة المواطنة عبر أساليب تدريسية، منهجية، تعليمية بحيث تصبح مادة حاضرة في علاقة الطالب بالأستاذ، والتلميذ بالمربّي، وفي علاقتهما مع بعضهما في المنهج الدراسي، من خلال الكتب والنشاطات الصفية واللاصفية وتجسيد قيم الكرامة والمساواة والحرية وعدم التمييز والحق في الاختلاف، بما فيها حق الاعتقاد والحق في المشاركة وغيرها من مبادئ حقوق الإنسان، فإن زاوية النظر إلى حقوق المواطنة ستكون مختلفة وملتبسة وفِئوية .

ولا يمكن الاكتفاء بالمناهج فحسب، بل الأمر بحاجة إلى دروس تطبيقية وورشات عمل وندوات ووسائل إيضاح حسب المراحل العمرية لحقوق الإنسان بمراحلها المختلفة، إضافة لأسلوب حياة يومي في علاقة الطالب بالأستاذ والطالب بالإدارة . فالمواطنة عنصر مشترك يدخل في جميع الدوائر التي تهتم بالعلاقات الإنسانية، بما يؤدي إلى تكوين شخصية سليمة ومنفتحة من خلال سلوك متوازن يستند إلى قيم ومواقف يمكن للتربية أن تغذّيها لدى الإنسان وتعزز ما هو إيجابي وتحدّ مما هو سلبي ويتعارض مع مبادئ المواطنة .

إن القيم التي يمكن أن تبثّها ثقافة المواطنة تقوم على التسامح والسلام وحق الاختلاف وحق الاعتقاد وحق التعبير وحق التنظيم والحق في المشاركة، على العكس من نزعات الاستئثار والعنف والاستبداد وإلغاء الآخر أو تهميشه وغير ذلك .

وبهذا المعنى فإن مشروع التربية على المواطنة، ليس مشروعاً تعليمياً، أو تربوياً خالصاً، كما أنه ليس مشروعاً حقوقياً صرفاً، إنه مشروع سسيوتربوي، ثقافي يتعلق بالعقل والتنوير والقيم والحقوق، تلك التي لا يمكن أن تكون إلاّ بدمج المجالات والحقول المختلفة، الفردية والاجتماعية والثقافية والقانونية والسياسية والتاريخية وغيرها . وأعتقد أن منتدى الفكر العربي الذي تأسس لتجسير الفجوة بين المثقف وصاحب القرار، وبين المثقفين أنفسهم، وبينهم وبين المواطنين، حسناً فعل حين اختار لمؤتمره قبل عامين عنوان “المواطنة” كإطار جامع بدأ بالاشتغال عليه، ثم كرس مؤتمره لهذا العام عن التربية والمواطنة لكونه موضوعاً راهنياً وتعبيراً عن فلسفة تربوية سسيو ثقافية حقوقية عقلانية مدنية عابرة للأديان والطوائف والتكوينات القومية والاثنية واللغوية والسلالية التي يؤمن بها .

نقلا عن الخليج