مشاهدة النسخة كاملة : المجتمع المدني في موريتانيا يساوي القبيلة !!!!


أبوسمية
11-02-2010, 05:20 PM
المجتمع المدني في موريتانيا يساوي القبيلة !!!!

في مجتمع لا يؤمن إلا بنظامه القديم يستحيل إنشاء مجتمع مؤسسي مدني يحترم الدستور و يعترف بضرورة التملص من موانع التقدم نحو حياة مدنية حقه , وأول تلك الموانع الإرث الثقافي العرقي الذي حل مشكلة و يبقي علي أخري , يحل مشكلة عجز الدولة عن تغذية المجتمع عبر مؤسساتها بكلما ما يحتاجه من حماية اقتصادية و معرفية و سياسية , وعزز وجود مشكلة استحالة بناء مجتمع مدني صرف و هما أمران أحلاهما مر .
إن بناء الدولة الموريتانية جاء أسرع من العادي فهي دولة مفتعلة بامتياز كغيرها من الدول الأفريقية التي صنعها المستعمر ليستكمل سيطرته علي المنطقة مدي الحياة , فكان بناء الحياة السياسية الموريتانية في بدايته ولادة حقيقية لأحزاب و حركات غذت الساحة السياسية و الاجتماعية بمناضلين مقتنعين بمبادئهم و مستعدين للتضحية من أجل قناعاتهم و حتى حين شلل هذه الهيئات و تعطيل عملها ماتت هذه الولادة في مهدها و غابت الجدية عن صورة السياسة الموريتانية و غدي الحزب الو احد هو الفلك المضيء الذي تدور حوله باقي الأفلاك و هي دائما تحمل شعاره و تنتمي إلي بني جلدته سواء كانت مؤسسات اجتماعية أو ثقافية .
و رغم كل الجهود التي بذلت حقيقية كانت أم مزيفة ظلت القبيلة هي المركز الذي يدور الجميع في فلكه فالسياسي يحتاجها لحشد الأصوات و يستخدمها منبرا لإيصال خطابه و المثقف يلجئ إليها ليحوز قبول المجتمع وأيضا القبيلة تمثل الحاضن الأول للمكتبات الموريتاني النادرة فكل من لا يخطب ودها فقد ضاعت عليه فرصة الحصول علي وثائق لا توجد في المكتبة الوطنية و لا في الأرشيف الوطني, أما الباحث الاجتماعي فوجهته الأولي و موضوعه المركزي هو القبيلة فهي الوحدة الأساسية لبناء المجتمع الموريتاني وهي المخزن الوحيد المصدر لكل الظواهر الاجتماعية , أما الباحثون عن العلاج ممن أدارت لهم الحكومة ظهرها فملجؤهم الوحيد هو قبائلهم التي تشكل الصندوق النقدي المكلف بالعلاج و الزواج و البناء و تعويض المواطنين عن النقص الصادر عن حكومة وطنهم .
فالقبيلة الموريتانية هي الحاضنة الرئيسة للمجتمع و لازالت و ستظل فهي النقابة التي تحفظ لأبنائها حقوقهم المهنية و السياسية , وهي الجهة المتحكمة في التعيينات , فمن لا يصغي و لو بأذن واحدة لأوامر مشايخ القبائل وطلباتهم فهو شخص لاغ اجتماعيا و بالتالي مهنيا .
أما الهيئات المدنية التي تهتم بالخدمة الاجتماعية و العمل الثقافي فهي تقوم علي كاهل الأشخاص الذين أسسوها تماما كعلاقة الفرد بالقتيلة أمام الدولة فهذه الهيئات تمثل صورة مصغرة للحالة الموريتانية المعنونة ب " القبيلة قبل الدولة و الوطن" فهذه الهيئات تعمل بمفردها و هي تعمل بغباء مدقع لأنها تتشدق بمصطلح المجتمع المدني في لحظة و في كل حين و هي تجهل أن من أهم ميزات المجتمع المدني أنه هو " القوة الاقتصادية المستقلة عن الدولة " لذا لا وجود لمجتمع مدني تعمر ساحته بالمتسولين.
تعاني هيئاتنا المدنية من عجز كبير في التنظيم و التنسيق و الكوادر المكونة و في التمويل من أول الأحزاب السياسية وهيئاتها التابعة لها وصولا إلي النوادي المدرسية الصغيرة, فكما تعاني هيئاتنا السياسية تعاني أكثر تلك الثقافية وذلك لانعدام رسوخ "الفكرة الثقافية" لدي أفراد المجتمع فهي كارثة تحل بأبنائنا كل حين فالمجتمع لا يعتقد أن الإبداع الأدبي تخطي شعرائه القدامى و لا يظن أن التراث قد يكون رافدا مهما للحاضر إذا سمح لنا باستغلاله بالشكل المناسب و هو أمر يستوجب منا وقفة فمسألة سيطرة العائلات علي المكتبات هو أمر يجمد حركة البلد الفكرية و الثقافية لما يجره من انعدام إتاحة المصادر للدارسين فتاريخنا لا زال حكرا علي العائلات العريقة التي لا تسمح بإتاحة ما تملكه من وثائق للطلاب مما يجعل الباحث ليس حرا في اختيار موضوعه فلا يستطيع أن يخرج عن الإطار المحدود الذي ترسمه تلك الهيمنة , وهو أمر يحيلنا إلي التنبيه إلي ضرورة وجود هيئات غير حكومية مهتمة بموضوع هذه الكتب لإعادة طباعتها و نشرها بين الناس فهي ثروة معرفية ومادية في ذات الآن , وهذا وجه ناصع من أوجه سيطرة القبيلة علي المجتمع المدني .
إن المدنية في العالم الثالث هي مدنية سطحية فالمجتمع لا زال هو النواة الأساسية المسيطرة علي مفاصل الحياة السياسية و الثقافية عدي عن سيطرته علي الحياة الاجتماعية , وهو أمر - كما أسلفنا – لا يوصف بالسلبية و لا حتى بالايجابية بل هي حالة من التداخل بين الوظائف المدنية للدولة والوظائف الاجتماعية للقبيلة و هو أمر ناتج عن المداهمة التاريخية التي قام بها المستعمر للمجتمعات القبلية التي كانت تنتهج نهجا فئويا في حياتها السياسية , بمعني أن السلطة كانت في يد أسياد القبيلة و المال أيضا تحت سيطرتهم و يخضعون لضوابط اجتماعيو وتاريخية و عقدية توجه تسييرهم لشؤون الرعايا و الذين بدورهم مقسمون إلي فئات تتفاوت في مكانتها الاجتماعي وبالتالي المعرفية , ورغم إقامة الدولة ظلت العقلية الموريتانية أسيرة تلك النظم التي أقامت عليها حياتها ردحا من الزمن , فظلت القبيلة هي المسعف و المغيث لكل من جارت عليهم الدولة , وظلت القبيلة هي الملهم لكل من يبغي أن يبدع في إطار يتقبله المجتمع .
باختصار العقلية الموريتانية لا زالت مسجونة في زجاجة القبيلة و هي زجاجة من الصعب كسرها لأن الكل يحرص علي بقائها و في ذات الحين هي عائق أمام تطور الوعي المدني في الذهنية الموريتانية.
زينب منت محفوظ

نقلا عن السراج الإخباري