مشاهدة النسخة كاملة : في ضرورة التطبيع مع التاريخ والجغرافيا


ام خديجة
11-02-2010, 03:45 AM
في ضرورة التطبيع مع التاريخ والجغرافيا

http://img705.imageshack.us/img705/5063/174zd.jpg
فهمي هويدي

قبل أسبوعين كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في أثينا، وطرح على نظيره اليوناني السؤال التالي: لماذا لا نعيد النظر في علاقات بلدينا بحيث يتحول التنافس بينهما من مبارة لكرة السلة إلى مباراة للكرة الطائرة؟ كان أردوغان يتحدث عن تفكيك بعض العقد التي تحكم علاقات الجارين، بحيث يكفان عن تدافع الاكتاف بينهما كما في كرة السلة، ويتجهان إلى إقامة منطقة عازلة بينهما، كما في الشبكة التي تفصل بين اللاعبين في لعبة الكرة الطائرة .

الاقتراح استهدف تخفيف التوتر العسكري المستمر بين البلدين وتذويب بقايا الصراع القائم بينهما منذ سنوات الدولة العثمانية وحتى بعد قيام الجمهورية في القرن الماضي . وهو نموذج تطبيقي للموقف المبدئي الداعي إلى طي صفحة المشاكل مع الجيران، اهتداء بسياسة “زيرو مشاكل”، التي أصبحت تعد حجر الزاوية في السياسة الخارجية لحكومة حزب العدالة والتنمية . ذلك أن ثمة خلافاً بين تركيا واليونان حول الحدود البحرية والجوية والبرية في بحر إيجه الفاصل بين البلدين، وهو يتصاعد بين الحين والآخر بسبب المناورات العسكرية المستمرة لمقاتلات البلدين، الأمر الذي يكلفهما مبالغ طائلة واشتباكاً دبلوماسياً مستمراً . ولحل ذلك الإشكال حمل أردوغان معه حزمة من المقترحات التي دعت إلى ترك مسافة أو مساحة بين الحدود المقترحة والمتنازع عليها بين البلدين .

ثمة تفاصيل للمقترحات التركية لا مجال للخوض فيها . لأن ما يهمنا هو الفكرة الأساسية في الموضوع التي تمثلت في الإلحاح على تهدئة المحيط الاستراتيجي (كانت تلك زيارته الثانية إلى أثينا خلال خمسة أشهر) . والهدف المرتجى من ذلك أن تصبح تركيا دولة صانعة للسياسات وليست طرفا في المشكلات .

خلال شهر أكتوبر المنقضي تلاحقت إشارات أخرى محملة بالدلالات التي ترسم معالم الرؤية الاستراتيجية وأهدافها المتوخاة . من تلك الإشارات ما يلي:

عقد مؤتمر في اسطنبول لدول آسيا الوسطى التي تتحدث اللهجات التركية، والتي تصنف في أدبيات الجغرافيا السياسية بحسبانها تنتسب لغوياً وتاريخياً إلى “العالم التركي” . وهي التي تتوزع بين آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان، وتمثل كتلة بشرية تصل إلى 250 مليون نسمة يعيشون فوق مساحة من الأرض تصل إلى 11 مليون كيلو متر مربع . غابت عن المؤتمر اثنتان من دول آسيا الوسطى هما أوزبكستان وطاجكستان، لكن ذلك لم يغير من الرسالة التي لخصها الرئيس التركي عبدالله جول حين قال “إننا ست دول ولكننا أمة واحدة” . تستطيع أن تتصور الخلاصات التي انتهى إليها المؤتمر، والتي ركزت على تعميق الروابط الثقافية (اتفقوا على اعتبار الثالث من أكتوبر من كل عام يوم اللغة التركية) . والسعي إلى تحقيق التكامل الاقتصادي من خلال المشروعات المشتركة .

عقد القمة التركية - الخليجية بالكويت، الذي يعد اللقاء الاستراتيجي الثالث بين الطرفين خلال ست سنوات . وهو ما تعتبره تركيا إسهاماً في تعزيز أمن الخليج واعتبار استقرار ذلك الأمن داخلاً في إطار الأمن الإقليمي وصلته وثيقة بالعمق الاستراتيجي لتركيا، وهذه اللقاءات استصحبت عقده سلسلة من التفاهمات والاتفاقات التجارية، التي تخدم المصالح المشتركة وتعد تجاوزاً للفكرة التقليدية التي طرحت منذ عقدين من الزمان، وتحدثت عن معادلة “المياه التركية مقابل النفط العربي”، وإذا أضفت إلى الجسور التركية الممتدة إلى الخليج، تلك الخطوات التي اتخذت لإلغاء تأشيرات الدخول بين تركيا وخمس دول عربية أخرى (سوريا ولبنان والأردن والعراق وليبيا)، فستدرك أن انفتاح أنقرة على الشرق وصل إلى مدى لم يخطر على بال أحد من قبل .

عقد المؤتمر الرابع عشر لرجال الأعمال في العالم الإسلامي، الذي اشترك فيه 3200 رجل أعمال قدموا إلى اسطنبول من أطراف ذلك العالم، كما اشترك فيه 32 وزيراً يمثلون تلك الدول . وشهده رئيس الجمهورية التركي ورئيس الوزراء . وعلى هامشه عقد مؤتمر لرجال الأعمال الفلسطينيين اشترك فيه 300 شخص منهم . الأمر الذي يعطي انطباعاً مباشراً بقوة الحضور الاقتصادي لتركيا في العالم الإسلامي، الذي بات يحتل موقعاً متقدماً في أولويات الاستراتيجية المرسومة، يدل على أن السياسة التركية تركز على تبادل المصالح باعتباره حجر الزاوية في علاقتها بالعالم العربي والإسلامي . فقد أدى ذلك إلى مضاعفة حجم التبادل التجاري بين تركيا والعالم العربي لأكثر من أربع مرات منذ سنة 2002 وحتى العام الحالي، بحيث تجاوز 50 مليار دولار، نصيب مجلس التعاون الخليجي منها 20 ملياراً .

وفي منتصف الشهر واجهت تركيا موقفاً دقيقاً . ذلك أنها باعتبارها عضواً في حلف الأطلسي طلب منها المشاركة في مشروع الحلف للدرع المضادة للصواريخ . وهي منظومة دفاعية أمريكية موجهة ضد إيران، تبناها حلف الإطلنطي ويفترض أن تدخل حيز التنفيذ في عام ،2015 وقد تحفظت أنقرة على هذه الخطوة لأنها لا تعتبر إيران عدواً يجب التحسب له . ورغم أن الأمر يفترض أن يحسم قبل اجتماع قمة “الناتو” في لشبونة بعد أسبوعين (في 19 و20 نوفمبر)، إلا أن مسؤولاً تركياً قال إن بلاده حريصة على تأمين وحماية أراضيها كلها، وليس فقط تلك القريبة من إيران . وهذا الموقف التركي المتردد اعتبرته دوائر عدة نوعاً من التمرد على الهيمنة الأمريكية .

شاءت المقادير أن يختتم المشهد بحدثين وثيقي الصلة بالمؤشرات سابقة الذكر، هما:

أن مجلس الأمن القومي التركي، أعلى هيئة استشارية في البلاد أدخل تعديلات جوهرية على تعريف المخاطر الداخلية والخارجية، وصفت بأنها الأضخم والأشمل في وثيقة الأمن القومي التركي منذ حقبة الحرب الباردة . وهذه الوثيقة تعرف باسم “الكتاب الأحمر” . وتتضمن تحديدا الرؤية الاستراتيجية للنظام القائم إزاء مختلف الملفات الداخلية والخارحية . وبمقتضى التعديل الجديد تم إخراج الجماعات الدينية من خانة التهديد الداخلي، وكانت أنشطة تلك الجماعات تعد قبل التعديل “رجعية” وتهمة سياسية يعاقب القانون كل من يثبت انتسابه إليها . واكتفى التعديل بحصر التهديد الداخلي في الأحزاب اليسارية الثورية والكردية الانفصالية والدينية المتطرفة التي تلجأ إلى العنف . وإزاء ذلك أصبح من حق الجماعات الدينية أن تمارس أنشطتها العادية طالما أنها ظلت بعيدة عن التطرف والعنف .

من ناحية أخرى اعتبرت الوثيقة أن التخطيط لانقلاب عسكري أو السعي إليه بمثابة تهديد للأمن القومي . وهو ما يعزز موقف الحكومة في اتجاهها إلى محاكمة العسكريين الذين اتهموا في القضايا الانقلابية .

في ما يخص التهديد الخارجي، فإن الوثيقة أخرجت إيران وروسيا وسوريا من خانة العدو . ووضعت روسيا وسوريا في مرتبة الدول التي يجمعها مع تركيا تعاون وثيق . وتلك خطوة أزالت تماماً آثار الحرب الباردة من الوثيقة . في الوقت ذاته أثار الانتباه أن التعديلات الجديدة اعتبرت السلاح النووي “الإسرائيلي” تهديداً حقيقياً للأمن القومي التركي . وفي الوقت ذاته شددت على ضرورة إخضاع البرنامج النووي الإيراني “للمتابعة الحثيثة”، حيث اعتبرت الوثيقة أن امتلاك إيران للسلاح النووي إذا ما تحقق من شأنه أن يخل بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة .

الحدث الثاني أن الدكتور أحمد داود أوغلو مهندس السياسة الخارجية لحكومة حزب العدالة والتنمية صدرت له في الأسبوع الماضي (عن مركز الجزيرة للدراسات) طبعة عربية منقحة لكتابه “العمق الاستراتيجي” الذي تحدث عن موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية . وهو الكتاب الذي ينظر للجمهورية التركية الثانية (ما بعد الكمالية)، وقد صدر حتى الآن في 50 طبعة، كما أنه ترجم إلى عدة لغات .

ومن الأفكار المحورية التي وردت فيه أن التاريخ والجغرافيا يمثلان العنصرين الأساسيين اللذين تبنى عليهما الاستراتيجية . وهما ثابتان، في حين أن المتغير الذي يجب العمل عليه هو كيفية قراءتهما . وفي رأيه أن تركيا انتزعت عنوة من محيطها بعد الحكم العثماني وخلال سنوات الحرب الباردة . حيث لم يكن من الطبيعي أن توجد تركيا المنتمية إلى حلف الناتو على حدود سوريا المتحالفة مع الاتحاد السوفييتي . وهو أيضا حال تركيا مع العراق وكذلك مع جورجيا وبلغاريا .

في رأيه أيضاً أنه لا نهوض لتركيا من دون أن تتواصل مع عمقها الاستراتيجي الذي يمتد باتجاه العالمين العربي الإسلامي والقوقاز وأرمينيا وإيران، وأيضا أوروبا . أي أن عليها أن تمتد غرباً كما تمتد شرقاً وفي كل الاتجاهات . وهو ما تؤهله لها حدودها المتعددة وهويتها المركبة بين آسيا وأوروبا . وتركيا حين تتصالح مع جيرانها فإنها تستثمر الجغرافيا وصولاً إلى “تطبيع التاريخ”، بمعنى أن تسير في الاتجاه الطبيعي للأمور وليس على العكس من المعطيات الحاضرة .

من الأفكار المثيرة للانتباه في الكتاب أن الدكتور أوغلو لا يرى أن العلاقة بين تركيا و”إسرائيل” حققت إيجابية تذكر، وإنما كان تأثيرها سلبياً لأنها همشت تركيا وأبعدتها عن لعب دورها الأساسي في المنطقة، خصوصاً أن تلك العلاقة لم تسهم في تحقيق السلام المنشود . أما العلاقة مع إيران فهي في رأيه أكثر أهمية بل هي جوهرية لتركيا من أكثر من زاوية، الأمر الذي يستدعي تنسيقاً دائما بين البلدين .

الذي يقرأ الوقائع والمشاهد التي تحدث على الأرض، ويتابع متغيرات وثيقة الأمن القومي، والأفكار التي طرحها الدكتور أوغلو في كتابه، يدرك أن هناك سياقاً مفهوماً وخطوطاً واحدة، إذ يجد المرء نفسه بازاء إرادة مستقلة لقيادة امتلكت رؤية واضحة، وضعت المصالح العليا للبلد ودوره في المقام الأول، واهتدت في ذلك بسياسة التطبيع مع التاريخ والجغرافيا .

نقلا عن الخليج