مشاهدة النسخة كاملة : الإعلام يدخل معمعة الانتخابات المصرية


ام خديجة
10-29-2010, 03:19 AM
الإعلام يدخل معمعة الانتخابات المصرية

http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/10/27/124489.jpg
القاهرة - محيي الدين سعيد:

ترى الحكومة المصرية أن ما أقدمت عليه من إجراءات أدت إلى إغلاق نحو 24 قناة فضائية لا يعدو كونه نوعًا من “الإجراءات التصويبية والتنظيمية” تجاه قنوات متطرفة وتحض على الفتنة الطائفية وتمس العقائد والأديان، وهي تؤكد الحكومة أنها استهدفت الحفاظ على قيم المجتمع المصري والعربي وتقاليده والحفاظ على أخلاقيات ومُثل العمل الإعلامي المسؤول، لكن قوى المعارضة المصرية وجماعات حقوق الإنسان تؤكد في المقابل أن إغلاق تلك القنوات يأتي في سياق حملة حكومية تستهدف التضييق على الحريات العامة، وفي المقدمة منها حرية الرأي والتعبير وذلك في إطار السعي الحكومي للتضييق على قوى المعارضة والنشطاء السياسيين قبل إجراء الانتخابات النيابية المرتقبة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل .

تعتبر قوى المعارضة وجماعات حقوق الإنسان أن جملة من الإجراءات التي تم اتخاذها في الفترة الماضية تصب جميعاً في خانة واحدة، هي التضييق على الإعلام وبالتبعية سد المنافذ أمام قوى المعارضة من استخدامه في التواصل مع جماهير الناخبين، حيث تشير إلى ما جرى بحق جريدة “الدستور” الخاصة بإقالة رئيس تحريرها إبراهيم عيسى فيما اعتبره سياسيون وصحافيون محاولة لإسكات صوت الجريدة التي عرفت بمعارضتها الشديدة لسياسات النظام الحاكم، ورغم أن يد الحكومة كانت بعيدة عما جرى لجريدة “الدستور”، إلا أن صحافيين ونشطاء يصرون على تأكيد أن ما تعرضت له الجريدة على يدي رئيس مجلس إدارتها السابق الدكتور السيد البدوي رئيس حزب الوفد قد تم بتوافق مع الحكومة ورضاها .

جملة الإجراءات الأخيرة بحق الإعلام لم تبدأ ولم تتوقف بما جرى ل”الدستور”، لكنها شملت أيضا إغلاق نحو 24 من القنوات الفضائية، وتوجيه إنذار بالاغلاق لقنوات أخرى، إضافة إلى وقف برنامج “القاهرة اليوم” للإعلامي عمرو أديب، وإبعاد الناقد الرياضي علاء صادق عن تقديم برنامجه بالتلفزيون المصري بعد توجيهه انتقادات حادة لوزير الداخلية، إضافة إلى قرار مجلس القضاء الأعلى بشأن عدم السماح بنقل أو بث تسجيل أو إذاعة وقائع المحاكمات بواسطة أي وسيلة من وسائل الإعلام، وهناك أيضاً قرار حظر تداول الرسائل الإخبارية من قبل وسائل الإعلام . كذلك إعلان المنطقة الإعلامية بعض الضوابط العامة لعمل القنوات الفضائية والمبادئ التي يتعين على جميع القنوات مراعاتها مستقبلاً، وهي ضوابط يؤكد قانونيون أنها لا تتسق مع المواثيق الدولية المعنية بحرية الرأي والتعبير، لافتين إلى أنها تتضمن العديد من العبارات الفضفاضة والواسعة مثل “المصلحة القومية” و”الأمن القومي” وجميعها إجراءات قوبلت بانتقادات حادة وأثارت المخاوف في الساحة الإعلامية من فرض المزيد من القيود على حرية الرأي والتعبير .

مجلس حماية الإعلام

ولم تتوقف الانتقادات هذه المرة عند قيام جماعات حقوق الإنسان وقوى المعارضة بإصدار البيانات المنددة بالإجراءات الحكومية أو عقد الندوات حولها، لكنها اتخذت إجراءات عملية تمثل بعضها في إطلاق المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حملة للمطالبة بتشكيل “مجلس وطني لحماية الإعلام”، وهو مجلس رأى رئيس المنظمة حافظ أبوسعدة ضرورة أن يضم في عضويته رؤساء تحرير صحف وشخصيات إعلامية وقضائية وممثلين لأحزاب سياسية ونشطاء حقوق الإنسان، ويتولى مهمة توفير البيئة المناسبة لقيام إعلام حر ومستقل وديموقراطي وفعال، وصحافة حرة ومستقلة، والضغط في اتجاه إلغاء كافة العقوبات السالبة للحريات في قضايا النشر، والتأكيد على أهمية أن تشمل التعديلات التشريعية المرتبطة بتنفيذ قرار الوعد الرئاسي بإلغاء حبس الصحافيين في قضايا النشر المطالبة بإلغاء تلك العقوبات في سائر النصوص المتصلة بالتعبير والنشر والطباعة، والموزعة في قوانين عديدة، من بينها قانون المطبوعات وقانون العقوبات وقانون تنظيم الصحافة وقانون وثائق الدولة وقانون العاملين المدنيين في الدولة، وحظر أخبار الجيش والأحكام العسكرية وقانون الأحزاب وقانون المخابرات، وكذلك الدعوة إلى سن قانون يسمح بحرية المعلومات وتداولها بما يتسق مع المعايير الدولية .

“مؤسسة حرية الفكر والتعبير”، أقامت بدورها دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري ضد كل من رئيس مجلس إدارة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ووزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات للمطالبة بوقف تنفيذ وإلغاء القرار الخاص بضرورة حصول الشركات التي تقدم خدمات رسائل الهواتف المحمولة الإخبارية والمجمعة على تصريح من الجهات المختصة، وما يتضمنه ذلك القرار من فحص الرسائل قبل إرسالها من قبل عدد من الرقباء الذين سوف يتم تعيينهم خصيصاً لهذا الغرض، حيث اعتبرت المؤسسة أن القرار الحكومي يضع قيودا واضحة على حرية الإعلام وتداول المعلومات، واعتبرت أن “الاتجاه نحو فرض المزيد من القيود على حرية تداول المعلومات ومصادر استقائها، والوصول إليها قد أصبح سياسة منهجية، خاصة مع اقتراب موعد العديد من العمليات السياسية المهمة، كالانتخابات البرلمانية، والانتخابات الرئاسية” .

ضربات استباقية

وامتدت الانتقادات الموجهة للحكومة المصرية إلى الصحف العالمية والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، وبدا واضحاً أن هناك إجماعاً لدى التقارير الإعلامية التي تناولت هذا الأمر على الربط بين الإجراءات الحكومية والانتخابات النيابية المرتقبة ومحاولات التضييق على مرشحي المعارضة والمستقلين خاصة من جماعة الإخوان المسلمين، ووصف تلك الإجراءات بالضربات الاستباقية لمرشحي المعارضة والمستقلين، ووجهت جمعية الصحف والناشرين الجدد العالمية، ومنتدى محرري العالم رسالة خطية إلى الرئيس حسني مبارك، عبرت خلالها كل من الجمعية والمنتدى عن القلق إزاء ما وصفته الرسالة ب”الهجمات الأخيرة على الإعلام المستقل” .

واعتبرت الرسالة أن إقصاء مؤسس ورئيس تحرير جريدة “الدستور” المستقلة إبراهيم عيسى من قبل الملاك الجدد للجريدة، يبدو أنه جزء من نمط أكبر من تخويف الصحافيين المنتقدين للنظام قبيل حلول انتخابات مجلس الشعب أواخر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والانتخابات الرئاسية المقرر لها ،2011 مشيرة إلى أن الروائي علاء الأسواني والإعلامي حمدي قنديل تم منعهما من كتابة عموديهما الشهر الماضي في جريدة “الشروق” الخاصة بعد تحذير من إدارة الجريدة لهما بتخفيف نبرة محتوى كتاباتهما بسبب ضغوطات خارجية مورست على الجريدة، ولافتة أيضاً إلى وقف برنامج “القاهرة اليوم” الذي يقدمه الإعلامي عمرو أديب “لأسباب سياسية” .

الربط بين الإجراءات الحكومية بحق الإعلام والإعلاميين وبين الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، كان محل إجماع أيضاً بين النشطاء والمحللين وقيادات قوى المعارضة، ورأى الناشط جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان أن ما يحدث في مصر الآن يوضح بجلاء رغبة الحكومة المصرية في السيطرة على كل وسائل الإعلام قبل الانتخابات البرلمانية المقرر لها نوفمبر المقبل، والتي تمهد الطريق للانتخابات الرئاسية القادمة، مما يعد تعطيلاً لوسائل الإعلام وحرية التعبير لأجل غير مسمى .

ويضيف: “كلما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة, زادت رغبة الحكومة المصرية في السيطرة على فضاءات حرية التعبير والسيطرة على وسائل الإعلام بكافة أنواعها”، معتبراً أن “الضربات الموجعة المتتالية لحرية التعبير في الفترة الماضية تعد مؤشراً كبيراً على رغبة الحكومة المصرية في تزوير الانتخابات المقبلة وقمع الأصوات المعارضة لها في ظل تعتيم وغياب لأي صوت يفضح ذلك أو يكشفه”، كما رأى مركز سواسية لحقوق الإنسان ومناهضة التمييز والمقرب من جماعة الإخوان المسلمين أن الإجراءات الأخيرة والممارسات الحكومية تعبر عن “خوف النظام الحاكم من استخدام القنوات الفضائية والصحف المستقلة وحتى رسائل الهواتف المحمولة كمنابر للدعاية الانتخابية الخاصة بالمعارضة” .

قوى المعارضة رأت بدورها أن الإجراءات الحكومية تستهدف التأثير في فرص مرشحيها في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وذهبت جماعة الإخوان المسلمين وهي أكبر جماعات المعارضة في الشارع المصري إلى الربط بين جملة الممارسات بحق الإعلام وبين حملات الاعتقال في صفوف أعضائها وقياداتها لتخرج بنتيجة مؤداها أن تلك الممارسات تمثل إرهاصات للعدوان على إرادة الناخبين والعودة بالبلاد إلى حالة تكميم الأفواه “معتبرة أن الاعتقالات بحق أعضائها ومصادرة مشروعاتهم التجارية وإغلاق المحطات الفضائية، وإزاحة بعض مقدمي البرامج، ورؤساء تحرير الصحف والمحررين عن مواقعهم، إضافة إلى تقييد مكاتب تقديم خدمات البث المباشر، ومراقبة عملية بث الرسائل عبر الهواتف المحمولة، وغيرها من الإجراءات إنما تشير إلى “النية المبيتة لتكميم الأفواه والتعتيم على ما يجري في الانتخابات القادمة، ومنع الإعلام الحر من كشف الفساد” .

دفاع حكومي

في مقابل الانتقادات المتصاعدة من داخل وخارج مصر، فإن الحكومة تدافع بشكل واضح عن القرارات التي اتخذت بحق عدد من القنوات الفضائية، وتتمسك بالتأكيد على أن تلك القرارات قد طالت فقط “القنوات المتطرفة التي تحض على الفتنة الطائفية وتمس العقائد والأديان، والقنوات التي تثير النعرات الطائفية وتروج للشعوذة والخرافات، وكذلك القنوات الإباحية”، وذلك بحسب تعبير وزير الإعلام أنس الفقي، الذي شدد أيضاً على أنها “إجراءات تستهدف في مجملها الحفاظ على قيم المجتمع المصري والعربي وتقاليده، كذلك الحفاظ على أخلاقيات ومُثل العمل الإعلامي المسؤول الذي يخدم المواثيق والأعراف ويحافظ على الأسرة المصرية والعربية” .

وزير الإعلام أوضح في بيان للرأي العام أن هذه الإجراءات جاءت بعد مراجعة ودراسة متأنية ووافية من قبل القائمين على “النايل سات” للتأكد من خروج المادة الإعلامية التي تبثها هذه القنوات عن الأخلاق والأديان والأعراف، وأنها تعمل على نشر آراء دينية متطرفة تحض على التطرف والمغالاة وتدعو إلى التشدد، وعدم التسامح بين أطراف الأمة المصرية، حيث كانت تدعو إلى التشدد الطائفي، مشيراً إلى أن عدداً من هذه القنوات غيرت من طبيعتها حيث كان مرخصاً لها بث برامج ثقافية وترفيهية ثم تحولت إلى بث ديني مباشر تتخلله عمليات نصب واحتيال واضحة مستخدمة في ذلك الدين، وقال إن بعض هذه القنوات سعت إلى التكسب من خلال نشر طب بديل مبني على الدجل والشعوذة خلف ستار الدين، مؤكداً أنه كان من الطبيعي أن تقوم الدولة بالمسؤوليات المنوطة بها في حماية المواطن بوقف بث مثل هذه البرامج المشبوهة .

وأكد وزير الإعلام أن “حرية الإعلام مكفولة لكل المشتغلين بصناعة الإعلام، ولكن في إطار من الحرية المسؤولة واحترام الأديان والمعتقدات والمثل والقيم التي قامت عليها مجتمعاتنا الإسلامية والعربية”، مشيراً إلى أن الإجراءات التي تم اتخاذها لا تمس بأي حال من الأحوال حرية الإعلام، وقال إن مثل هذه الخطوات يجب عدم تفسيرها على اعتبارها محاولة من قبل الدولة لتضييق الحريات الإعلامية والصحافية، “فهذا الطرح مرفوض شكلاً وموضوعاً، لأن الأمر الآن يتعلق بحق أصيل في حماية أمن الوطن والمواطن من أخطار الفتنة والاستغلال واستخدام العقيدة”، معتبرا أنه من غير المقبول محاولة تسييس قرار سيادي مبعثه الوطن والمواطن، لصالح تفسيرات سياسية عارية عن الصحة والحقيقة” .

الدكتور علي الدين هلال أمين الإعلام بالحزب الوطني الحاكم رد بدوره على الانتقادات الحادة الموجهة للحكومة بالتأكيد في تصريحات إعلامية له على أن “الادعاء بوجود حملة ضد الإعلام المستقل هو خلط للأوراق وظلم بين وادعاء وبهتان”، مشيراً إلى أن القرارات الأخيرة استهدفت “قنوات الفتنة وازدراء الأديان”، وأنه “لا توجد دولة في العالم لا تنظم استخدام الرسائل النصية”، إضافة إلى أن غالبية دول العالم ترفض التصوير العلني لجلسات المحاكم، وأن الصحف في أمريكا تضطر إلى الاستعانة برسّامين محترفين لرسم تصوراتهم عن وقائع المحاكمات، واصفاً ما كان يجري في مصر في هذا السياق بالفوضى، وأن ما اتخذ من إجراءات كان لتنظيم هذه الفوضى، مشيراً إلى أن الاتجاه الحكومي يقوم على السماح للصحف الصادرة بشكل قانوني، والمرخص لها من المجلس الأعلى للصحافة، بإرسال هذه الرسائل الإخبارية على الهواتف المحمولة، ومنع “الجهات المجهولة” من استخدام هذه الخاصية خارج قواعد التنظيم القانونية، وبث رسائل تهدد الأمن القومي، أو رسائل تحرض على الفتنة الطائفية . ويقول الدكتور هلال إن ما اتخذ من إجراءات بحق القنوات الفضائية لا علاقة له بحرية التعبير، وإنما يأتي في الإطار القانوني الذي يحمي المواطنين من اغتيال حرمة حياتهم الخاصة واستقرارهم الاجتماعي، رافضاً الربط بين توقيت اتخاذ تلك القرارات والانتخابات البرلمانية المقبلة، ومؤكداً أن “تنفيذ القانون وتصحيح الوضع ومواجهة تجاوزات بعض الإعلاميين، هو حق يجب المبادرة إليه، بصرف النظر عن التوقيت”، مؤكداً أن هناك الكثير من المفكرين والخبراء الذين يراقبون الإعلام المصري وجديته وحياديته، كانوا يطالبون باتخاذ هذه المبادرات منذ وقت طويل وبصرف النظر عن الانتخابات وتوقيتها .


نقلا عن دار الخليج