مشاهدة النسخة كاملة : الحَرْبٌ لا تَضعُ أوزارها


ام عمار
10-25-2010, 04:11 AM
حَرْبٌ لا تَضعُ أوزارها

http://www.alkhaleej.ae/Uploads/zone/48.jpg (http://www.mushahed.net/vb)

خيري منصور



لا يكاد يمرّ عام إلا وتظهر وثائق جديدة عن تلك الحرب التي تعددت أسماؤها رغم أن المحتوى يبقى واحداً، وهو الغزو تحت ذرائع ملفقة، ولو كان العالم على غير ما كان عليه عام 1258 ميلادية عندما احتل هولاكو العراق على صهوات الخيول، وليس على الدبابات لكانت القرون السبعة الماضية مليئة بالمفاجآت، ولما اكتفى الناس بما كتبه ابن الأثير الذي عاصر تلك الكارثة وقدم منها مشاهد تصيب من يقرأها بالقشعريرة .



هي حرب إذن غير قابلة لأن تنتهي، وما قيل عن وضع أوزارها وتبادل الأنخاب في الانتصار عشية إنهاء العمليات العسكرية كان مجرد فاصلة أو جملة معترضة، فما أعقب تلك الحرب ينافس ما سبقها ومهّد لها من حيث القسوة والإفراط باستخدام القوة على نحو سادي .



ثلث العراقيين توزعوا على أكثر من ثمانين دولة في هذا الكوكب، ومن تبقى عليه أن يودع امرأته وأطفاله كل صباح عندما يغادر البيت، ويعانقهم عندما يعود، فالخارج مفقود وليس العكس، وإن كان الداخل ليس على الدوام مولوداً، فالفوضى غير الخلاقة والتي سميت شأن كل حلقات ذلك المسلسل باسماء ناعمة ومضللة حذفت الفوارق، وأعطبت البوصلات، وأصبحت الهوية الوطنية الأم تتراجع يومياً أمام ضغط وانفجار الهويات الفرعية الصغرى، لأن الموسم الدموي كان ولا يزال يعبر عن انفجار عدة مكبوتات دفعة واحدة . فما كان وراء الأكمات اتضح وما كان همساً أصبح صوتاً جهورياً صاخباً يثقب الأذان، وعلينا بعد كل ذلك أن نصدق ما تم تسويقه من ذرائع للغزو .



هذا الملف واحد من أندر ملفات الحروب الذي سوف يبقى مفتوحاً يستضيف كل بضعة شهور، ومع كل شاهد جديد صفحات صادمة، لأن ما جرى ليس هو المسألة كلها، وقد يكون الغاطس حتى الآن في بحر الدم أضعاف النأتئ والمرئي بالعين المجردة .



ولا يليق على الإطلاق البدء من آخر السطر على مثل هذه الدراما التي كان العراق ولا يزال مسرحاً مكشوفاً لها، وقد يصح استخدام مصطلح الحائط الرابع في المسرح التقليدي مع هذه الدراما، فقبل أن يسقط الحائط الرابع كانت هناك ثغرات يتسرب منها الضوء ليفتضح ما يمارس من انتهاكات سرية داخل الزنازين .



إن ما خسره العراق لا تقوى أذكى الحواسيب الأمريكية والأنجلوساكسونية على إحصائه، فالأمر يتجاوز عدد الضحايا من البشر إلى تدمير ممكنات عديدة على صعيد التنمية الإنسانية وتحديث أساليب الحياة، وحين قال الجنرال شوارتسكوف إنه أعاد العراق إلى ما قبل القرن العشرين كان يقصد شيئاً أبعد مما فهمه البعض، ولم يخطر بباله أن عودة العراق إلى القرن التاسع عشر هي بسبب تدمير البنية التحتية أو العودة إلى القناديل والأساليب البدائية للحياة، فالمقصود هو إعادة البلاد إلى ما قبل الدولة وما قبل الاستقلال، بحيث تصبح الكانتونات الإثنية وحروب الطوائف هي البديل لأي كيان سياسي متماسك وذي إطار وطني .



نقلا عن الخليج