مشاهدة النسخة كاملة : حماية المفاوضات صارت غاية في حد ذاتها


أبو فاطمة
10-23-2010, 05:25 PM
حماية المفاوضات صارت غاية في حد ذاتها

حسين عطوي
لم يعد هناك من شك لدى حتى من نظروا لمسار التفاوض وتمسكوا به، وقاتلوا باستماتة كل من دعا إلى عدم الرهان عليه، بأن هذا المسار بات مساراً قاتلاً للقضية الفلسطينية، لا هدف له سوى تصفية الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني، الواحدة تلو الأخرى، حتى بتنا اليوم أمام ليس التمسك بالأرض ورفض أي مساومة عليها، وإنما أمام مقايضة الأرض، وهويتها بترياق تجميد الاستيطان لمدة شهرين لأجل فقط عدم انهيار المفاوضات، وضمان استمرارها.
باتت كل القضايا تهون، وبلا قيمة، ويمكن التفريط بها، والتنازل عنها لقاء هدف وحيد، وهو حماية المفاوضات، وأن بقيت في حالة موت سريري خوفاً من تداعي وسقوط من ربطوا مصيرهم بمصير هذه المفاوضات، فهؤلاء، وفي مقدمتهم محمود عباس، وسلام فياض، ومعهم الأنظمة العربية التي وقعت اتفاقات صلح مع الكيان الصهيوني ليس لديهم خيارات أخرى بديلة بعد أن حرقوا كل سفنهم، واتخذوا قراراً استراتيجياً، لا عودة عنه، بالاستمرار في نهج التفاوض مهما كان الثمن المقابل له، ولم يعد أمامهم قدرة، حتى للتراجع عن هذا المسار المدمر لقضية العرب الأولى قضية فلسطين التي يكمن في تحرير أرضها خلاص الأمة العربية كلها من قيود الاستعمار، والتبعية، والتخلف.
فالذين وقعوا الاتفاقات المذلة، والمفرطة بالحقوق العربية باتوا اليوم، بعد عقود من الزمن، أسرى هذه الاتفاقات، مرتهنين اقتصادياً، وأمنياً، وسياسياً أما للكيان الصهيوني، أو حليفته وداعمته الأولى الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي ما عليهم في كل منعطف تمر فيه المفاوضات، ويهدد بانهيارها، وفشلها سوى العودة للاستجابة، والرضوخ لضغوط واشنطن كي يتكيفوا مع الشروط الإسرائيلية الجديدة، ويقبلوا بها لاستمرار المفاوضات التي أصبحت المحافظة عليها مصلحة أميركية إسرائيلية مشتركة تستخدم غطاء لتحقيق مآرب، وأغراض واشنطن، وتل أبيب على حساب الحقوق العربية في فلسطين.
إن مثل هذه الخلاصة ليست تحليلاً، أو مجرد رأي سياسي في مسار المفاوضات، وإنما هي نتيجة، وتجسيد للوقائع التي وصلت إليها أخيراً، والتي لم يعد معها من هوامش تمكن للمفاوضين أن يبرروا مواصلتهم هذا الطريق المدمر.
وهذه الوقائع تتمثل في إعلان رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتانياهو رفضه تمديد تجميد الاستيطان في الضفة الغربية، والقدس مدة شهرين فقط، وإصراره على اعتبار هذا الأمر غير خاضع للتفاوض، مما وضع محمود عباس أمام حقيقة واضحة، وجلية وهي أن المفاوضات ليس منها من أمل حتى وأن كان بحدود تجميد الاستيطان لفترة شهرين، وهي مدة لا تعيق، أو تحول دون استمرار المشروع الاستيطاني التهويدي، وهي مجرد مسرحية، وخداع لا أكثر، ومع ذلك فأن هذا المطلب البسيط، وغير الجوهري يراد اليوم أن يمرر مقابل حصول الكيان الصهيوني على كل ما يطمح إليه، وهنا تكمن الخطورة الكبيرة التي تكشف الهدف الحقيقي من المفاوضات، والدور الأميركي الخطير في تطويع الجانب العربي ودفعه للاستسلام لشروط نتانياهو، وتغطية الدفعة الأخيرة من التنازلات عن الحقوق الفلسطينية التاريخية التي معها لا يبقى هناك من حقوق لم يجر التفريط بها، ولا إمكانية حتى لإقامة دويلة يتربع على عرشها كل من محمود عباس، وسلام فياض، ومع ذلك فأن عباس لا ينفك يتأمل خيراً من واشنطن، ويعبر عن تفاؤله بقدرتها على «إقناع إسرائيل تمديد التجميد الاستيطاني لاستئناف المفاوضات»، دون أن ينسى ترحيبه بقرار القمة العربية الأخيرة منح الولايات المتحدة شهراً إضافياً لإقناع "إسرائيل" بتمديد التجميد قائلاً «اذا حدث ذلك، فلن يكون لدينا أي اعتراض بل على العكس نحن على استعداد للذهاب إلى المحادثات المباشرة فوراً، انطلاقاً من قضايا الحدود والأمن».
والأسئلة التي تطرح في هذا السياق هي:
- أين تكمن خطورة القبول بتمديد التجميد لمدة شهرين لاستئناف المفاوضات، وما هي علاقتها برسالة الضمانات التي قدمها الرئيس الأميركي باراك أوباما لنتانياهو كي يقبل بذلك، ومن ثم إعلان رئيس الحكومة الصهيونية ربط هذا التجميد بموافقة الجانب الفلسطيني على الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية؟.
- وماذا يعني استئناف المفاوضات في ضوء كل ذلك؟.
- وما هو المطلوب فلسطينياً لوقف هذا المسار التفاوضي التصفوي للقضية الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني؟.
أولاً: مسرحية تمديد تجميد الاستيطان وخطورة الضمانات الأميركية:
عشية البدء بالمفاوضات غير المباشرة لم يوافق نتانياهو على تجميد الاستيطان إلا لمدة 4 أشهر إرضاءً لأوباما، ومخرجاً ل- محمود عباس كي يوافق على الذهاب إلى هذه المفاوضات، وبعدها المفاوضات المباشرة من دون أي شروط مسبقة، أو ضمانات باحترام، والتزام الحكومة الإسرائيلية بالقرارات الدولية التي تؤكد على حقوق الشعب الفلسطيني بالعودة إلى أرضه وإقامة دولته المستقلة في الضفة الغربية، وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، وكان واضحاً أن الهدف الأساسي هو استخدام المفاوضات لهدفين:
- الأول: غطاء يستخدمه نتانياهو لتلميع صورة إسرائيل دولياً بعد الإدانات الدولية لها بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، ومجزرة أسطول الحرية، واستمرار الحصار الإجرامي على قطاع غزة من جهة، ولأجل تكريس الأمر الواقع الصهيوني في القدس، والضفة الغربية، وغور الأردن، وكذلك لأجل الحصول على المزيد من خطوات التطبيع العربية مع الكيان الصهيوني من جهة أخرى.
الثاني: حصول أوباما على انجاز معنوي بعد فشله في تحقيق أي مكسب منذ توليه السلطة في البيت الأبيض، وضمان تأييد اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لحزبه «الديمقراطي» على أبواب الانتخابات التشريعية النصفية، حيث يسعى الحزب الديمقراطي لتحقيق فوز بأغلبية المقاعد في الكونغرس الأميركي يضمن لأوباما القدرة على ممارسة الحكم من دون مواجهة كونغرس يتمتع به الجمهوريون بأغلبية تعيق سياسات البيت الأبيض.
خطوة شكلية مقابل مكاسب كبيرة
ويبدو واضحاً أنه بعد أن وجدت حكومة نتانياهو أن الأنظمة العربية، والسلطة الفلسطينية قد استجابت لرغبات واشنطن رأت أن الفرصة متاحة كي تحصل على المزيد من التنازلات من الجانب العربي مقابل خطوة بسيطة اسمها تمديد تجميد الاستيطان مدة شهرين، وهذا يستدعي التصلب والتعنت في رفض الإقدام على هذه الخطوة، قبل الحصول على كل ما تريد من واشنطن، والسلطة الفلسطينية، والأنظمة العربية الموالية لأميركا، وهذا ما حصل بالفعل، وبدأت مؤشراته عبر صفقة تحصل بموجبها «إسرائيل» على مكاسب سياسية، وأمنية، وعسكرية غير مسبوقة، مقابل الموافقة على تمديد تجميد الاستيطان مدة شهرين، وهذه المكاسب التي جاءت في رسالة ضمانات أميركية قدمت لحكومة نتانياهو هي:
- أن يكون هذا التمديد أخر تمديد، وبعد ذلك سوف يكون موضوع الاستيطان ضمن قضايا الحل الدائم التي تبحث على طاولة المفاوضات.
- الموافقة على طلب تل أبيب وضع ترتيبات أمنية مريحة لها خصوصاً على الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية، وغير ذلك من ضمانات طمأنة.
- التزام الإدارة الأميركية تزويد "إسرائيل" بأسلحة متطورة عند التوصل إلى حل نهائي للصراع، ونقل سرب أخر من طائرات «إف-35» من واشنطن إلى تل أبيب.
- تلتزم الإدارة الأميركية بإحباط أي محاولة من المجموعة العربية لطرح الموضوع الفلسطيني على مجلس الأمن لمدة عام كامل.
- تعاون أمني في مواضيع حساسة تشمل إيران.
- إلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
- الاعتراف ب"إسرائيل" كدولة يهودية.
- الضغط على بعض الدول العربية التي لا تقيم علاقات مع "إسرائيل" لأجل تطبيع علاقاتها معها. وفي خطوة تندرج في إطار توزيع الأدوار بين واشنطن، وتل أبيب هدفها تمرير هذه الصفقة الخطيرة، ودفع السلطة الفلسطينية، والأنظمة العربية إلى الموافقة على استئناف المفاوضات على أساسها.
- إعلان نتانياهو رفضه ضمنا هذه الاقتراحات الأميركية، وإصراره على أن أي تمديد لقرار البناء في المستوطنات لن يشمل الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية.
- وجه «87» سيناتوراً أميركياً رسالة إلى الرئيس الأميركي أوباما يدعونه فيها إلى الضغط على عباس كي لا ينسحب من المفاوضات مع "إسرائيل" حتى، ولو تواصل الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية.
- إقدام نتانياهو على ربط الموافقة على تجميد إضافي للاستيطان باعتراف السلطة الفلسطينية بإسرائيل كدولة يهودية.

نقلا عن المركز الفلسطيني