مشاهدة النسخة كاملة : ديوان الجذاذات ...مذكرات ساخرة لحياة وال في الريف


ابو نسيبة
10-20-2010, 05:47 PM
ديوان الجذاذات ...مذكرات ساخرة لحياة وال في الريف

قدم الشاعر الموريتاني محمد فال ولد عبد اللطيف لديوانه ’’ الجذاذات ’’ بقوله ’’ بين أيديكم ديوان شعر جديد، ليس فيه ما يخدم القضايا المصيرية الكبرى التي تشغل بال الناس ولا تعبير عن مشاعر سامية ولا أحاسيس إنسانية ولاانشغالات فلسفية ولا فيه وصف بديع للطبيعة بمناظرها وطيورها وأغانيها ...

لا. ليس فيه شيء من ذلك.

انه مجموعة من القطع الشعرية الشكل، الصالحة "للأكل"، لا يزيد غالبها

على العشرة الأبيات جاءت بها القريحة عفوا أيام الدراسة والتدريبات والإبحار

في خضم الحياة المهنية في دواليب الإدارة ومشاغلها اليومية في أواخر

السبعينيات و أوائل الثمانينات من القرن الماضي’’



وبالفعل فقد كان الديوان الصادر عن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين والذي جاء في سبع وخمسين صفحة من القطع المتوسط في بعض تشكلاته الشعرية متمحضا لهذا الهدف الأساسي وهو استرجاع ذكريات طابعها العام البساطة والطرافة،مليئة بدفئ الحياة التقليدية للطلاب الموريتانيين،مطلع السبعينيات،عندما لن تكن المدارس تبلغ العشرات ولم يكن الطلاب يزيدون على بضع مئات،يعيشون في عالمهم الصغير مآسي ’’ المنحة والسكن’’ وعالم المدينة الجديدة،كما يعيشون أحلام الوظيفة وآمال التخرج.

ولد عبد اللطيف الذي يتذكر في هذه الأيام يوم أعطاه الأستاذ صفرا في إحدى المواد التي غاب عنها نتيجة إطالته للراحة ولقائه بمن يهوى على حد تعبيره



لئن جعلوا صفرا لما جعلوا صفرا

لقائي لمن أهوى على ربوة عصرا



ولا جعلوا صفرا نسيما هناكم

تنسمته قد كان ضاربه عشرا



وتتواصل بولد عبد اللطيف رحلة الدراسة،ويسجل بشعرية فائقة مشهدا طريفا آخر من مشاهد الدراسة عندما يشاهد منحة زملائه الطلاب المتزوجين تزداد قليلا بينما تظل منحة الطلاب العزاب جامدة كماهي

لقد تأهل إخواني وخلاني

وما تأهلت هذا محض خسران

وقد نهيت عن التزويج عن عجل

ولم أكن قط في شيء بعجلان

وذلك الرأي رأي كان يعجبني

لكنه اليوم رأي فيه حرماني

إذ منحة الطالب الهاني بخيمته

ومنحة الأعزب’’ السدار’’ شيئان

فمنحة الطالب الهاني مضاعفة

بمنحة الأم والصبيان في آن

ومنحة الأعزب’’ السدار ’’ناقصة

في العد تنقصها ألف أو الفان

تأتي على القدر حتى لا تزيد على

معاش بيت بلا أم وصبيان



وتستمر رحلة الحياة الساخرة،فإذا الشاعر الطالب على وشك التخرج من المدرسة الوطنية للإدارة حيث سيتم تحويله حاكما إداريا،تنحصر مهامه في الغالب في الإشراف على إحصاء السكان،وعلى تقسيم بعض المساعدات الغذائية تنحصر أساسا في نوعية رديئة من الزرع تسمى ’’ الحميرة’’

يقول لي النصوح :وقيت ضيرا

إلى م وأنت تدرس؟ قلت: خيرا

سأقرأ بعد هذا العام عاما

فأصبح بعد ذلك سكرتيرا

فأجعل حاكما إن شاء ربي

قريبا أو لدى ارض ’’الصويرا’’

فأبدأ في لقاء الناس كلا

وعدهم وتقسيم الحميرا

هواجس الراتب

وبين دفات ديوان ’’الجذاذات’’ تبدو هموم الموظف الإداري المبعوث إلى الريف الموريتاني،مبعثرة على صفحات الديوان وبين زوايا وتلافيف القصائد،ويبدو الراتب الضئيل أحد تلك الموضوعات التي اقتطعت من الشاعر أكثر من جذاذة ،حيث يأسف ولد عبد اللطيف على أن راتبه الضئيل بات عرضة للتلف مع بداية كل شهر نيتجة لأجرة ’التاكسي’’



يا نفس لو كنت بعض الأمر تدرينا

شريت سيارة إن كنت تشرينا

فقد غدا الراتب المحمود تذكرة

للسائقين مضى عشرين عشرينا

كانون راتبه قد فات غالبه

سيرا و راتب أيلول وتشرينا

ويمضى الشاعر في هجائه لراتبه الصغير ليشبهه بالهلال في أقصى حالات المحاق

ما أصغر الهلال في ليلةِ

ثالث شوال على قولةِ

كأنه من صغر إذ بدا

راتب من يعمل للدولةِ

وال مساعد

وبين سنوات الريف،وتنقلات الشاعر بين المناصب الإدارية في الريف الموريتاني يصل إلى رتبة وال مساعد في إحدى الولايات ذات التركيبة القبلية الصارمة في موريتانيا هي ولاية الحوض في أقصى الشرق الموريتاني،وهنا يجد الوالي المساعد أنه ليس أكثر من مجرد ’’ وال مع وقف التنفيذ’’

أتيت لهذا الحوض ما أنا وارد

وان نزيل الحوض مني لواجد

على أن أهل الحوض قوم أعزة

كرام علوا كل الكرام أماجد

هم جنة الدنيا فأما ترابهم

فخصب وأما شعبهم فمجاهد

فأصبحت فيهم ثالثا لثلاثة

أقانيم منها قد تكون واحد

ولم تر عيني كالمساعد عاطلا

تمر القضايا والمساعد قاعد

هو الوثن المنصوب ليس بنافع

ولا ضائر لو كان في الناس عابد

ينادى إلى التقرير إن حان صوغه

ويدعى إلي التنظيم إن جاء وافد

فينفع في هذا وذا غير أنه

إذا عظم المطلوب قل المساعد’’

غير أن الحاكم أو الوالي الجديد يجد نفسه مضطرا إلى أن يحدد لمواطنيه طريقة التعامل معه،بعد أن يحس أن مدائحهم وثناءهم جاء بدافع الخوف أو الطمع

لا تمدحوه انه يعلم

يعلم من هو ومن انتم

يعلم أنكم رعايا له

وأنه عليكم يحكم

وأنكم تبغون إرضاءه

بمدحكم له الذي سقتم

وانه كالناس لا منهم

أغلى ولا أعلى ولا أعلم

وان مدحكم له إنما

جر إليه خوف أن تظلموا

وخوف أن تنقص أرزاقكم

إن حان قسمها أو أن تحرموا

فلا تضيعوا وقتكم انه

حقكم بينكم يقسم

لا ناقص بنقص أمداحكم

حق ولا يزاد إن زدتم

حاكمكم لا يبتغي منكم

أجرا ولا تملقا منكم

وإنما يريد أن تعلموا-

كي تستريحوا- انه يعلم

ويسأم الحاكم من المواعيد المملة التي يمنيه بها وزير الداخلية سعيا إلى نيل بعض القمح الذي ينتظره سكان الريف بفارغ الصبر

ألا من مبلغ عني وزيري

باني قد مللت من المسير

أسير إلى الإدارة كل يوم

وإني الآن منكسر الضمير

واني كنت موعودا بقمح

فيا ليتي حصلت على الشعير

وتعييني تعرقل منه نجم

(كأن سماءه بيدي مدير)

بلا عمل أقوم به سوى ما

يروجه الفرزدق عن جرير

وتبدأ حياة الوالي الجديد أو الحاكم بين قرى الريف مسجلا طرائف من حياته في منطقة ضفة النهر السنغالي حيث يعيش الزنوج الموريتانيون وينتشر ’’ البعوض ’’ بقوة،ويرسم ولد عبد اللطيف في أبيات ساخرة حديثا له مع إحدى سيدات الزنوج في مدينة مقامة النهرية،تبدل الجيم زاء.

لقيت في ,,مقامة’’غــــــــــادة

تحمل قدر الماء كي تنصبا

والحلي لا تحمله إنـــــــما

تحمل مبسما لها أشـــــــنبا

والجيم لا تنطقه إنــــــــما

تبدله زايا لها أعـــــــــــذبا

سألتها: هل أنت من أهل ,,صوْ’’

إني أرى انك من أصل ’’با’’

فضحكت مني وقالت: أزل ( أجل)

من أهل با أهل العلا والإبا

انك من أعزب ( أعجب ) حكامنا

لم تر عيني حاكما أعزبا (أعجبا)

’تنصبا يعني تطبخ بالحسانية،أما ’’صو،و’’با’’ فعلمان على أسرتين كبيرتين من الزنوج الموريتانيين

صراع مع البعوض

البعوض من جانبه ينتزع أكثر من أربع مقطوعات من ديوان الجذاذات ويبدو أن أكثرها شعرية،كان مع أكثر ليالي البعوض إيلاما في قرية ’’كيهيدي’’ على ضفة نهر السنغال

أتيت لكيهيدي يا أخيه

فدونكها ليالي نابغيه

فلست على سعاد تروح

فيها ولا تغدو بليلى العامريه

يبيت المرأ للناموس رزقا

به حلب الدما واللاذقيه

وليس بها لقاء هامشي

بدار في الضواحي هامشيه

ويبدو النص ممتاحا من ليلة النابغة الذبياني

فبت كأني ساورتني ضئيلة

من الرقش في أنيابها السم ناقع

وتستمر معاناة الشاعر وصراعه مع البعوض،وتعجز’’ القبة’’ المطاطية عن رد هجمات ’’ الناموس’’ فلا يجد الشاعر بدا من اللجوء إلى حضرة القبة الخضراء وامتياح بركات النبي صلى الله عليه وسلم

قالوا ’’ألاك’’ البعوض يقتل الحمرا

فيه فقلت لهم فليقتل البقرا

فإن ذلك شيء لا يخوفني

فليس أخشى له ضيرا ولا ضررا

فغبتي القبة الخضراء أدخلها

جارا على المصطفى المختار من مضرا

فنمت بعد قرير العين نائمة

عني المخاوف لا ابدي لها حذرا

فلسفة في الحياة

وبعد تجوال شديد بين الريف والإدارة والبعوض يختم الشاعر ولد عبد اللطيف بفلسفته في الحياة التي يختصرها في قلب خاشع وزوجه صالحة ومزرعة صغيرة ’’رشكة صالحة’’ على حد تعبيره،هنا تحاز السعادة كما يرى الشاعر الإداري.

ليس السعيد من له هجمة

من إبل سائحة رائحه

ولا الزعيم التاجر المقتني

تجارة بين الورى رابحه

ولا موظف له فتحت

مدونات العمل الناجحه

بل السعيد من له أعنز

سائحة في رعيها سارحه

وقلبه خشع حتى غدت

خاشعة كقلبه الجارحه

راتب حال عنده زوجة

صالحة و رشكة 1 صالحة

لكن الشاعر الطريف الساخر هو أيضا من سطر الرائعة الذائعة في مأساة فلسطين

لا ترم صاح وانتظرني قليلا

فسألقي عليك قولا ثقيلا

إن إخواننا الجحاجح أبناء فلسطين قتلوا تقتيلا

قتلوهم مرضى ومردا وشيبا

ويريد الخؤون بعد دليلا

ودعت أم ياسر أمة العرب فلم ألف مثلها مخذولا

يا لها سبة ووصمة عار

أعقبتنا الحزن العريض الطويلا

هكذا تم والجميع سكوت

أترى ذلك السكوت قبولا؟

قد مللنا سماع قيل وقال

ومللنا الحل البديل الهزيلا

وسئمنا ما ليس يملك يوما

كشف ضرعنا ولا تحويلا

قد قتلناك يا فلسطين غرا

ثم قمنا عليك نعلي العويلا

قتلتك السهام: أسهم قوم

مولوها فأكثروا التمويلا

مولوها سيولة ووقودا

في جيوب العدو يجري سيولا

نقلا عن السراج الإخباري

camel
10-20-2010, 06:13 PM
شكرا أبو نسيمة على هذا الديوان
شذرات رائعة من الشعر الطريف
دمت متألقا