مشاهدة النسخة كاملة : فقه المرحلة


أبو فاطمة
10-18-2010, 06:14 PM
فقه المرحلة

وصل الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى السلطة في الجمهورية الاسلامية الموريتانية كسابقيه بخطاب جديد وروح جديدة ورؤية جديدة ووعود جديدة وسخط على الماضي وتعاطف مع ضحاياه ولقي بطبيعة الحال تناغما كبيرا من الشارع والنخبة ومر بعدة مراحل ينقسم فيها الشارع السياسي إلى قسمين:
القسم الأول: يراه من المخلص إلى المنتشل إلى العاجز (الضحية)
والقسم الثاني: يراه من الظالم إلى المنافس إلى المؤمم
وبين هذين الفريقين يسود التربص وتتسع دائرته في المجتمع لتصل إلى حد كبير يمكن أن يلاحظ من خلاله تراجع وتيرة التسييس أو حتى عدم إدارة المجتمع سياسيا وهذه ظاهرة خطيرة في المجتمعات العشائرية والاثنية والطبقية أمثالنا
ورجوعا إلى الوراء للاستنطاقات التاريخية من أجل الاثارة التحليلية نرى أن المجتمع مر بعدة مراحل تحول فيها تحولات مختلفة في الشكل والمضمون وتعايش فيها مع بعضه البعض بضوابط معنوية وحسية وقودها التراكم الاجتماعي وبوصلتها الوازع الديني.. فمن ضوابط هذا المجتمع الاعتزاز بالذات والفخر والتسامح مع فوضوية منضبطة في النهاية وتساقم للأدوار وإن كان مجحفا إلى حد الظلم في بعض الاحيان بمنظار اليوم لكنه ممكن التعديل وبسلاسة كبيرة تسودها المزحة الطبقية والعمق التطبيقي ومن هذه التحولات الكبيرة مثلا نجحت الرسالة الدينية في شر بب بأعدائها فغلب الزوايا ولكن حسان بعد ذلك زادوا الارتكاز على الدين وحموه ورتبوا القضاة واحتكموا إليهم ونصبوا عندهم وحتى مثلوا أمامهم ونفذوا أحكامهم فهذا المثال وإن كان حصريا في الزمان والمكان توجد أشباه له كثيرة في ربوع هذا البلد الواسعة كل حسب خصوصيته الاجتماعية والهرمية.
فإنسان الصحراء عموما قوي بطبيعته عصي على التحولات لتجربته القاسية مع الطبيعة وقدرته على التأقلم مع شحاحة المصادر وقساوة المناخ.
ولذلك فإن المستكشفين الغربيين لم يفكروا في الاستعمار بالقوة لقلة المحفزات أولا وللصعوبة ثانيا وخرجوا بخلاصة علمية مبنية على دراسات معمقة طويلة مفادها أن هذا النوع من البشر خاص جدا ولا يحكم إلا بنفسه وعلى مقاساته وبالتدريج والسلاسة والتشارك وترجح كفة الطمع فيه على الخوف
فهم يمارسون الخوف من الخالق جل وعلا مثلا أقل مما يمارسون الطمع فيه من باب أولى
ونجحوا إلى حد كبير في حكمنا بطبيعتنا رغم غرابتها على عليهم مع ما صاحب ذلك من رفض من قبل البعض ومقاومة شرسة من البعض وهجرة البعض وما واكب ذلك أيضا من التأثر بثقافتهم ووعيهم وحتى طرحهم السياسي من حيث الخطاب والممارسة السياسية
وبعد ميلاد الدولة في ثوبها الجديد الجمهورية الاسلامية الموريتانية أي بعد الاستقلال مرت البلاد بعدة أنماط من الحكم واكبتها مخاضاة فكرية كبيرة وسياسية عظيمة نأخذ منها مثالين اثنين لطول حكميهما ولبصماتهما الواضحة اليوم على المجتمع نهجا وتفكيرا ورواسب وهما الرئيس المختار ولد داداه الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع
أما الرئيس المختار ولد داداه فبدأ معركة الكينونة وأوهنته حرب القيام وخرج من جبهة البقاء وأما الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع فبدى معركة الانتشال وأملقته جبهة التسيير وخرج من بواب الانفلات.
إلا أن هذين الرجلين رغم اختلاف الزمان والنهج ظلا يتقاسمان شيئا واحدا هو السعي الدائم والمتجدد والمتنوع لتوسيع دائرة الرضى عنهما باذلين في ذلك كل الاثمان المعنوية والسياسية والمادية وحتى العسكرية وذلك من خلال الاشراك ولو كان مقتصرا على التنفيذ فقط دون الرأي ولذلك ريعه وهو المنشود،فكان للشيوخ تمثيل وللأشياخ آخر وكان للأعراق والجهات تمثيل وللحركات الايديولوجية والسياسية والاثنية تمثيل ليست بالضرورة على قدر كافي من الضبط ولا التوازن بل قد تشهد اختلالات كبيرة من فترة لأخرى لكن تمنعها من توحيد الصف ضد النظام وتساهم اسهامات نوعية في صورته العامة تضفي عليه صبغة التشارك
أما الرئيس محمد ولد عبد العزيز فجاء من بوابة الانقاذ ليواجه معركة كبيرة وضرورية والتفت حوله أعداد كبيرة من الطيف السياسي في معركة الاصلاح ذات الخطاب الشعبي المعارض تاريخيا وعدو البلاطات أصلا.
ومع أن الرجل يتمتع بدرجة كبيرة من الاقدام تصل إلى حد حب المغامرة فتح جميع الجبهات في آن واحد يواجهها بكتيبتين في الميمنة أغلبية بخطاب غريب عليها وآليات استقطاب تقليدية محظورة نهجا وزمن شحيح دوليا ووطنيا.
وتقوقع حتمي يترجمه البعض قصورا والبعض الآخر تقصيرا وفي الميسرة معارضة مسلوبة الخطاب (بكماء) تتربص به إن أخطأ شنعت وأصاب تفهت إن ائتمنها خانت وإن احتاج إليها شمتت وكلا الفريقين في الحقيقة أصبح رمزيات بروقراطية متآكلة لا تمثل كبير شيئ في الميزان الجماهيري.
وفي كل الاحوال ورغم الحاجة إلى الرجل للمضي قدما في تنفيذ هذه الرؤى الطموحة يجب عليه أن يحتاط لديمومته بأساليب جديدة ودماء جديدة لتوسيع دائرة الحكم الآخذة في الانحسار وتخفيف الضغط على بعض الجبهات الاجرائية والاعداد للمواجهة.
فمثلا الحرب على الفساد لا تتطلب كل هذا الصخب ولن تفلح تماما طالما لم تتم مراجعة المسطرة الصرفية في البلد ولها انعكاسات كبيرة على أداء الادارة سلبا ليس بوازع القصور فقط بل بوازع الخوف ومن خاف لا ينتج والحرب على الارهاب لن تفلح إلا بالجميع وخاصة المرجعيات الفكرية والاجتماعية ومحاربة الفقر والنمو وذلك من خلال شيء واحد وهو خلق الصناعة والصناعة الصغيرة.
وأما القطاع الخدمي فقد اصبح اليوم في العالم مصدر جباية للدولة لا مصدر انفاق وذلك من خلال رأس المال الخاص الدولي وما أكثره يحتاج فقط إلى استقرار وتحفيز ونمو للاستقطاب.
وأما القطاع الاجتماعي فيجب إشراك الجميع في تطويره والتشاوره حوله لنخرج بخلاصة مهمة وهي كيف يمكن أن نكون وماذا نريد أن نكون ولتكن التربية ولتهذيب مصعدنا لذلك فنحن اليوم مشروع عدة مجتمعات مختلفة تماما من خلال أمهاتنا المتعددات أي المدارس.
وعلى كل حال فالخطى الجريئة التي خطاها الرجل تذكر فتشكر ولكنها رحلة الالف ميل ولا يمكن أن يصل وحده فسيروا سير ضعفائكم فبهذه الصورة تخاذل الساسة وغيب الاعيان واتسعت دائرة الفرجة في موقف تناغم الطعم بين مرارة الاحباط واستحالة الطموح ولسع المعاش وغريزة البقاء وحلاوة الاستقرار، واصطف الجميع في لوحة أمثلها بصلاة الاستسقاء، أي أن حال البلد اليوم كأرض مستوية فيها عشب كثير وفيها نويرات يحيط بها المزن من جهة والرياح من أخرى ولما يتحدد بعد ايها الأول فإن كانت الريح لا قدر الله أوقدت النار وجاءت على الاخضر واليابس وإن كان الغيث اعشوشبت على عشبها وأطفأت النار وصفا جوها فكلنا يردد وبإيمان راسخ اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين... آمين
عبد الله ولد يعقوب ولد الشيخ سيديا

نقلا عن وكالة نواكشوط للأنباء