مشاهدة النسخة كاملة : في آخر حوار له قبل وفاته ..عبد الصبور الشاهين يتحدث عن المفكر مالك بن نبي


ابو نسيبة
10-17-2010, 02:44 AM
في آخر حوار له قبل وفاته ..عبد الصبور الشاهين يتحدث عن المفكر مالك بن نبي

[size="4"][color="blue"]يعتبر مالك بن نبي واحداً من رجال القرن العشرين الذين شغلوا أنفسهم بقضايا أمتهم، وكرس مالك بن نبي أغلب جهده الفكري لبحث مشكلة نهوض المجتمع المسلم من الهوة الحضارية التي يعاني منها.
واليوم قد مر على وفاة ابن نبي أكثر من سبعة وثلاثين عاما، ومن الخير أن نقف أمام فكره وبعض مواقفه ورؤيته الإصلاحية، لنأخذ منها الدرس والعبرة النافعة لتسديد مسيرة أمتنا، وتعزيز طريقها نحو التغيير والإصلاح، كل ذلك من خلال حوار مع أفضل من يحدثنا عنه، وهو مترجمه الأشهر الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين الذي ترجم ثمانية كتب من كتبه من الفرنسية إلى العربية، ودارَسه وعايشه فترة طويلة من الزمان.الحوار أجريته معه في منزله بالقاهرة قبل أيام من وفاته.
وهذا نص الحوار:
* بداية نود أن نتعرف من سيادتكم على قصة تعارفكم بالمفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله.
- تعرفت به في ظروف تعتبر أقسى ما يواجه شاب في حياته، فقد كنت آنذاك متخرجا في دار العلوم بالقاهرة، ودارسا في كلية التربية جامعة عين شمس، ومفرجا عني من السجن.
وشاب في مثل حالتي في ذلك الوقت لم يكن من حقه أن يعمل في وظيفة حكومية، وليس في السوق مجال للعمل الحر، ومعنى ذلك أن الإحساس بالضياع كان يحوطني من كل جانب، وأذكر أني كنت أقرأ في ذلك الوقت كل إعلانات الصحف التي تطلب عاملين، وكان من بين هذه الإعلانات إعلان للجامعة العربية عن حاجتها إلى ملحقين دبلوماسيين، وكنت ـ في مرحلة مبكرة قد درست شطرا من القانون والاقتصاد في كلية الحقوق الفرنسية بالقاهرة، فتقدمت في هذا الإعلان ونجحت، ولكني لم أُعَيَّن، فقرأت ـ وكنت في الفصل الدراسي الأول في كلية التربية ـ إعلانا للإذاعة المصرية عن حاجتها إلى مذيعين محررين، فتقدمت، وكان من حظي أن أكون أول الناجحين في هذه المسابقة من بين 330 متقدما، وذلك عام 1957م، ونشرت الصحف الخبر المدهش، وأرسل إليَّ مفتش المباحث العامة آنذاك «القائمقام» العميد أحمد صالح داود بضرورة أن ألقاه، وكنا في الفصل الدراسي الأول، وذهبت ولقيني بوجه متجهم، وقال لي بعد قليل من السخرية والاستهزاء: «إنت عاوز تتسلل للإذاعة من ورانا – اسمع يا واد إنت ما لكش عمل في البلد دي – لا قبل التخرج ولا بعده – إنت عاوز تمارس نشاطك ضد الريس والثورة – شوف لك شغله برة». وضغط على الكلمة الأخيرة وكررها، وهي كانت تعني عندي الكثير في ذلك الوقت، وخرجت من عنده كاسف البال لا أملك دموعي، منقطع السبيل، لا أمل لي في شيء.
وفكرت في الطريق، وعزمت على أنه ينبغي ألا أيأس، فإن اليأس لا يعرفه قلب المؤمن، لا سيما عندما يكون معه ما يشجعه على عدم اليأس، ولقد كنت أملك ميزة يمكن أن أستغلها، وهي معرفة اللغة الفرنسية، فقلت في نفسي بصوت خفيض تسمعه أذناي: «لو أنني عملت في حقل الترجمة من الفرنسية إلى العربية لن يستطيع أحد ـ ولا عبد الناصر ـ أن يمنعني من العمل في هذا المجال، والله العظيمِ لن أترك هذا البلد».
كنت في ذلك الوقت منتسبا إلى كلية التربية من ناحية، وإلى الدراسات التمهيدية للماجستير بدار العلوم من ناحية أخرى، والحمل ثقيل، ولكن الإنسان أحيانا يشعر بأن في وسعه أن ينقل جبلا من مكانه إلى مكان آخر، وفي ساحة كلية دار العلوم القديمة، وأنا ذاهب إلى إحدى محاضرات الدراسات العليا بدار العلوم، في يوم من أيام مارس 1957، نادى عليَّ باسمي مَنْ لا أزال أذكره وأحمل اسمه في قلبي، تعرف إليَّ، وأخبرني باسمه: «أنا عبد السلام الهراس من المملكة المغربية»، ثم قال لي: «هل تحب أن تترجم كتابا؟» لم أكن حدثت أحدا بما دار في نفسي من العزم على الاشتغال بالترجمة؛ ولذلك فأنا ما زلت ـ بعد مرور نصف قرن على هذه الحادثة ـ مندهشا لما جرى، ما الذي ساق إليَّ هذا الرجل ليحدثني في أمر حدثت به نفسي، مجرد حديث نفس؟!
لم يكن يخامرني شك في أن الشاب عبد السلام الهراس الذي ساقه القدر إليَّ ـ لم يكن سوى حامل رسالة ملائكية، هي رسالة الرحمة الإلهية التي أخرجتني من ظلمة اليأس إلى ساحة الفرج، وأغلقت حانوت التحكم في مصائر العباد لتفتح بدلا منه ساحة اللطف والتدبير العلوي الحكيم.
وكانت البداية مع هذه اللحظة في كتاب: «الظاهرة القرآنية» للأستاذ مالك بن نبي، وكان قد هرب من باريس إلى مصر إبَّان إعلان الثورة الجزائرية، حين شعر أن الحكومة الفرنسية توشك أن تلقي عليه القبض، فهرب إلى مصر لاجئا سياسيا، ومعه مجموعة من كتبه التي كتبها بالفرنسية، ولم يكن يعلم شيئا عن العربية، وكانت خطته لكي يعيش في القاهرة أن يترجم كتبه إلى العربية، ويعيش مما تدره عليه ترجمتها، هكذا فكر، وهكذا كنت قد فكرت، والتقينا على هدف واحد ونية واحدة وعزيمة واحدة، وكنت في ذلك الوقت في الفصل الدراسي الثاني من كلية التربية بالإضافة إلى انشغالي بالدراسات العليا بدار العلوم، ومع ذلك فإن الهم الثقيل المزدوِج لم يمنعني أن أخوض غمرات التجربة الأولى في الترجمة، فأنجزت للأستاذ مالك في الترجمة كتابه الأول: «شروط النهضة» وتم طبعه. ويوم ذهبت لأعرف نتيجتي في كلية التربية كانت معي النسخة الأولى من الكتاب أُزْهى بها على زملائي وأقراني، ولا أعتقد أن أحدا قد مر بمثل هذه اللحظة من السعادة التي مررت بها، حين وجدتني ناجحا في كلية التربية، ناجحا في الدراسات العليا بدار العلوم، ناجحا في الترجمة بظهور الكتاب الأول للأستاذ مالك، وكان ذلك إيذانا بأن الطريق صارت معبدة نحو المضي في طريق التحدي والقهر الذي فرضه الحاكم الطاغية المستبد عبد الناصر على كل من قال له «لا»، وخالفه في اتجاهه.
أول لقاء مع مالك بن نبي
*
هل تذكر مواقف لها ذكراها وأثرها في نفسك مع الأستاذ مالك؟
لا شك أنني لا أنسى ما دار بيننا في أول لقاء، وكنت قد ترجمت فصلين من كتاب «الظاهرة القرآنية» عن المذهب المادي والمذهب الغيبي، وقرأت عليه الترجمة الأولى، فما سمعت منه سوى لفظين اثنين بلهجته المغربية: «باهي»، و»الله يجازيك خير»، وتعلَّم مالك بعد ذلك العربية على يدي من خلال مراجعتنا للكتاب الأول: «شروط النهضة»، وللثاني: «فكرة الإفريقية الآسيوية»، والثالث: «الظاهرة القرآنية، إلى آخر الكتاب الثامن: «فكرة كومنولث إسلامي»، وبمناسبة الكتاب الثاني: «فكرة الإفريقية الآسيوية» فقد ترجمته ابتداء من الإجازة الصيفية بعد ظهور نتيجة كلية التربية حتى ظهر في طبعته الأولى في 28 ديسمبر 1957م، أي أن ترجمة الكتاب وتصحيحه وطبعه وإصداره كان ذلك كله في خمسة أشهر مع أن الكتاب حجمه كبير، وكنت قد عينت مدرسا للغة العربية في مدرسة السويس الإعدادية للبنين، وفي الثاني من يناير 1958م بعد ظهور الكتاب بثلاثة أيام ذهبت أنا ومالك لتقديم نسخة منه إلى جمال عبد الناصر، وعليه إهداء رقيق مطبوع: «للرئيس الذي يمسك بيده مقود التاريخ» كما قال مالك،%2