مشاهدة النسخة كاملة : مفارقات في الأداء السياسي الإسرائيلي


ابو نسيبة
10-16-2010, 03:57 PM
مفارقات في الأداء السياسي الإسرائيلي

بقلم: د. محمد خالد الأزعر
خصص أفيجدور ليبرمان وزير خارجية "إسرائيل" جزءاً كبيراً من كلمته أمام الدورة الخامسة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة للتحريض ضد إيران. وهو لم يدع نقيصة ولا عواراً في عملية التسوية العربية الإسرائيلية، الشق الفلسطيني منها بالذات، إلا ونسبها إلى مداخلات ملالي طهران وأدوارهم السلبية في صراع الشرق الأوسط.
كان مما قاله ليبرمان إن إيران من خلال علاقاتها بالجماعات المسلحة يمكنها إفشال أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين أو اللبنانيين. وبعد أن أفرغ في وجه أعضاء الجمعية العامة شحنة قوية من التسميم السياسي ضد حكام إيران، ذهب إلى أن عدم تشكيل جبهة دولية ضدهم ومشروعهم النووي هو أمر غير مسؤول.. وبمفهوم المخالفة يكون الوزير الإسرائيلي قد عرض الحل السحري لتمرير عملية التسوية وهو تشكيل تحالف عالمي مناهض لإيران.
ليبرمان تحدث بإسهاب عن عقدة إيران، لكنه لم يستطرد إلى توابع استئناف المد الاستيطاني في الضفة الفلسطينية. حدث هذا التغافل في الوقت الذي كانت فيه هذه القضية مثار خلاف وتكاسر يهددان بوقف التفاوض بكل أنماطه على المسار الفلسطيني. وكان ذلك تعبيراً فجاً ومفضوحاً عن الرغبة في صرف أنظار الخلق عن أم القضايا المعطلة للتسوية السلمية في الشرق الأوسط. لقد سعى ليبرمان إلى انتفاضة دولية ضد إيران عوضاً عن الانتفاض ضد الاستيطان.
على أن المدقق في خطاب ليبرمان بنظرة شاملة، يوقن بأن قضية الاستيطان تقع في بؤرة تفكيره.. كونه عرض لها حلاً يتسق وطبيعته الإيديولوجية العنصرية، هو أن يتم إجلاء مستوطني الضفة لقاء ترحيل فلسطينيي 1948 إلى الدولة الفلسطينية المزمعة.
لقد قيل بأن كلام ليبرمان مثير للجدل، ولو تخلينا عن لغة التجمل والمجاملة السياسية لحق رمي الرجل بالتواقح ولوصف حديثه بأنه مثير للاشمئزاز. لكننا سنعرض عن الخوض في تحليل مضمون هذا الكلام وما ينطوي عليه من تفلسف و تذاكي إلى ما نعتقد أنه أولى بالانتباه.. وهو البحث عمن يتحدث هذا المسئول الإسرائيلي باسمه سواء داخل أعلى هيئة أممية أو خارجها؟.. فبعد أقل من يوم واحد على هذا الحديث أعلن بنيامين نتانياهو رئيس وزراء "إسرائيل" تنصله منه وقال حرفيا بأن خطاب ليبرمان لا يعكس الموقف الرسمي الإسرائيلي!.
نتانياهو رجل الإعلام والعلاقات العامة تشوف بحسه ردود الأفعال والعواقب السلبية التي ستترتب على صراحة وزير خارجيته، فآثر التمويه عليها بعذر أقبح من الذنب. فبناء على تعقيبه بداً ليبرمان وكأنه عابر سبيل صهيوني ضل طريقه إلى منبر الجمعية العامة.
والواقع أن الرجلين، نتانياهو وليبرمان، ينتميان إلى مدرسة واحدة تستلهم أكثر أفكار المشروع الصهيوني عنصرية وظلامية. وتتصور أن بوسعها مقايضة حقوق شريحة من الشعب الفلسطيني وقعت تحت السيطرة الإسرائيلية منذ 1948 بحقوق شريحة أخرى من هذا الشعب محتلة منذ1967. ويمكن لكل ذي بصر وبصيرة استكناه ما تنطوي عليه عروض هذين المسؤولين من تحرق إلى تعزيز التوجه نحو الدولة اليهودية البحتة..
وذلك دون أدنى حساسية لتداعيات هذا الغلو العنصري على حقوق الفلسطينيين داخل "إسرائيل" 1948 أو خارجها، ولا أي إحساس بأن المقصود بالنقل والترحيل على خطوط الحدود هم بشر لهم حيواتهم المتجذرة في عمق الأرض والتاريخ، لا مجرد أحجار دومينو يسهل تحريكها تحت شعار تبادل الأراضي والسكان.
الشاهد في كل حال أنه لا تناقض أو تعارض بين ما نسب إلى ليبرمان في الجمعية العامة وما يسعى إليه نتانياهو عمليا، ولا سيما بين يدي البدائل التي يتبناها جهرة وضمناً في سياق المفاوضات المباشرة وغير المباشرة.. وأن مابين هذين المسؤولين من تراشق ومماحكات يثير تكتيكات توزيع الأدوار بأكثر مما يعد اختلافاً بين حليفي ائتلاف حكومي واحد.
وعلى ذكر تشكيك نتانياهو في تمثيل ليبرمان لبعض المواقف الإسرائيلية، يصح التساؤل عن انعكاسات واقعة كهذه فيما لو أنها جرت في إطار المؤسسات السياسية الفلسطينية؟ ألم يكن ليقال بأن الفلسطينيين يتحدثون بأصوات كثيرة ومن منطلقات متعددة، وأنه لا يوجد شريك منهم يوثق بتمثيله لهم؟.
فكأن التناقض (الشفهي على الأقل) أمر جائز ومسموح به بالنسبة للإسرائيليين ويمكن التجاوز عنه بمجرد صدور تعقيب من مسؤول على أقوال مسؤول آخر، أما إن صدر الموقف وضده عن الجانب الفلسطيني فإنه أمر يفتح باب التأويلات البغيضة، ولربما اتهم الفلسطينيون جميعاً بالسفه والتشرذم وعدم النضج وبنقائص أخرى تنزع عنهم أحقية وجدارة العيش في دولة مستقلة!..

كاتب وأكاديمي فلسطيني

نقلا عن المركز الفلسطيني