مشاهدة النسخة كاملة : عقوبة "الإعدام" شرعٌ لا جريمة


أبو فاطمة
10-16-2010, 02:28 AM
عقوبة "الإعدام" شرعٌ لا جريمة

نعيش في زمانٍ يتمخض كل يوم عن المزيد من العجائب والغرائب، التي يقف أمامها اللبيب حيران، مصداقاً لنبوءة من لا ينطق عن الهوى، صلى الله عليه وسلم، فالانسياق خلف العولمة والانبهار بالغرب أصبحا سمة سائدة لدى المفتونين فى عالمنا الإسلامى، والإلكترونيات – كما لا يخفى - تغزونا في عقـر ديارنا بثقافات تحمل الغث الكثير والسمين القليل، من دون مراعاةٍ - من مستوردي تلك البضائع - لقيم ولا لمشاعر المجتمع المسلم، وهم في حصانة من مقص الرقيب. في وقت تغيب فيه أو تنعدم ثقافة التحصين من تلك الثقافات الموبوءة لدى أغلبنا، مع شديد الأسف، حتى تكونت لدينا أجيالٌ ممن يتنكرون لماضيهم وأصالتهم، قد ضلوا وأضلوا كثيراً، وضلوا عن سواء السبيل، مدعين حمل شعار الرأي والفكر، وهم - في حقيقة الأمر - عديمو الفكر والرأي، فعقولهم التي بها يفكرون، ليست من سياق مجتمعهم، وإنما هي مصنَّعة ومفصلةٌ على الطراز الغربي الأوربي والأمريكي.
قد تكفل المستعمر بصياغتها على النمط الذى يريده، لتظل خلايا نشطة في نشر البلبلة والفوضى داخل المجتمع المسلم، متذرعةً بشعار "الحريات" تارة، وبـشعار "الرأي والرأي الآخر" تارة، والمفارقة الغريبة أن ذلك "الرأي" المزعوم، لا يسمح لهم أن يوجهوا سهامهم المسمومة إلى ممارسات الأسياد، من ظلم واضطهاد وتضييق على حرية التدين وإبداء الحق الذي لا يوافق مشاربهم.
على هؤلاء الناس أن يعلموا أن هذه البلاد التى تربوا فى أحضانها وغذتهم بلبانها، وأكلوا من خيراتها، هي بلادٌ مسلمة - ولله الحمد - شعباً وحكومةً، ودستورها يجعل الشريعة الإسلامية مرجعاً رئيسياًّ لقوانينها.
ومن الأبجديات المسلمة لدى كل مسلم، أن هناك ثوابت إسلامية يجب عليه الانقياد لها، وليست محل نقاش ولا رأيَ لأحد - مهما كان رأيه – فيها، لأن شرع الإسلام قد حسم أمرها، فلا التصويت فيها يُقبل، ولا الرأي فيها يسمع، وإنما ينصاع لها المسلم قائلاً: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، وممتثلاً: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله وسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم).
ولكم فوجئنا حقاًّ، عندما طالعتنا وسائل الإعلام، بخبر مفاده أن هناك جماعة تسعى لتأسيس هيئة تطالب بإسقاط وإلغاء عقوبة "الإعدام" من أحكام القانون الجنائي، بدل أن تسعى للمطالبة بإحيائها وتطبيقها على أرض الواقع كما أمر ربنا سبحانه وتعالى وشرع. استغربت الأمر، وسألت نفسي: هل نحن في الجمهورية "الإسلامية" الموريتانية، أم في دولة غربية لا تمت إلى الدين بصلة؟! هل نحن في "شنقيط" أم في النمسا أو النرويج؟!! لن نستغرب لو كان هذا التصريح صادراً من إحدى المنظمات الغربية، التى تعتقد أن لها وصايةً على البلدان الإسلامية "القاصرة" في رأيهم، لأنها لا تسمح بما يرونه حرياتٍ، أهونُها شأناً اللواطُ والسحاق، وهلم جراًّ وخُبثاً. ولكن الحقيقة المرة أن التصريح صادر عن رهطٍ من بنى جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويصلون إلى قبلتنا، ويدينون – فيما يدعون - بديننا.
أفما كان من الأجدر بهم قبل أن يتفوهوا بكلمة من الباطل لا يلقون لها بالاً، حول هذا الموضوع، أن يسألوا أهل الذكر إن كانوا لا يعلمون؟! أو فليسألوا أحداً من عوامنا ممن تلقوا أبسط المبادئ عن هذا الدين: هل من حق المسلم أن يطالب بإسقاط ما أمر الله تعالى بتطبيقه؟ أم يجب عليه الانصياع والاستسلام والانقياد له؟ فسوف يجيبهم: إن الله تعالى يقول في محكمٍ لا تأويل فيه ولا جدال، ولا غموض فيه ولا إشكال: (ولكم فى القصاص حياةٌ يا أولي الألباب لعلكم تتقون).
قد يحتج بعض هؤلاء القوم الذين لا يفقهون إلا قليلاً قائلين: إن الإسلام رغّب فى العفو بدل عقوبة "الإعدام". ونقول لهم: نعم، فالعفو صفة الله تعالى، وفيه الأجر العظيم لأولياء الدم، في ما يصح العفو فيه، لكن ذلك لا يبيح لكائنٍ كان أن يطالب بكل صفاقةٍ بإسقاط حد من حدود الله، التي مُنعت حتى الشفاعة فيها إذا استُحقّت "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟!"، فما بالك بمن يطالب بإلغائها وإعدامها!! إن حد القصاص لو أقيم على أرض الله، كما أمر الله، لما تجرأ أحد أن يقتل أحداً، فالوقاية خير من العلاج، وعقوبة الإعدام في الحقيقة هي إحياءٌ لأرواح الناس البرآء الذين يستحقون الحياة، وقد عبر عن ذلك اللطيف الخبير بقوله: (ولكم في القصاص حياة) وقد كان العرب في حكمهم يعرفون ذلك ويقولون: "القتل أنفى للقتل".
كما قد يتصور بعضهم أن الإعدام سيكون سيفا مسلطا على رقاب المعارضين لرأي السلطة. وهي لعمري حجة واهية داحضة، فالخطأ لا يبرر بالخطأ، وإنما يطلب منا الوقوف أمام الظلم وأهله، من دون أن نرفض أوامر الله جل وعلا.
وقد يقول القائل: ما الفائدة في الدفاع عن حد "الإعدام" وهو لم يطبق على أرض الواقع؟ فنقول: إننا نطالب بتطبيق شرع الله على خلق الله، كما نطالب بتطبيق جميع الحدود بشروطها وظروفها التي يقررها أهل العلم وأهل الذكر، أما أن تكون الحدود معطلة حبيسة على الأوراق، ثم يأتي من يطالب بشطبها حتى من أوراق الدستور، فذلك ما لا نقبله ولا نسكت عليه، بل نعتبره أكبر جريمة يستحق مقترفها العقاب.
سيدي عثمان ( يحجبو) بن المختار غالي

نقلا عن وكالة نواكشوط للأنباء