مشاهدة النسخة كاملة : لا مستقبل لعملية السلام مع بقاء نتانياهو!


أبوسمية
10-15-2010, 09:43 AM
لا مستقبل لعملية السلام مع بقاء نتانياهو!

مرسي عطا الله
ما هو مستقبل عملية السلام التي تسعى إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لإعادة ضخ الدماء في شرايينها من خلال رعايتها للمفاوضات المباشرة واصطدامها بتعنت حكومة نتانياهو المتمثل في رؤيتها البعيدة والبعيدة جداً عن الحد الأدنى من استحقاقات بناء سلام شامل وعادل يوفر للفلسطينيين أبسط حقوقهم المشروعة في إطار مقررات الشرعية الدولية؟
كان هذا هو السؤال الذي يطاردني على امتداد الأسبوع من عدة محطات إذاعية وقنوات فضائية في العالم العربي الذي يموج الآن بتيارات متلاطمة تتراوح مابين اليأس والرجاء.
وكان جوابي المتكرر دائماً هو:
إن الموقف لم يزل على ما هو عليه وأنه ليس صحيحاً أن الظروف تتحسن أو أن هناك تقدماً يوحي بقرب حدوث اختراق حقيقي لجدار التعنت الإسرائيلي.
وكنت أضيف قائلاً: وحتى لو أن أميركا نجحت في إقناع الفلسطينيين والإسرائيليين باستئناف المفاوضات مرة أخرى، فإن ذلك وحده لا يبعث على الأمل والتفاؤل لأن الأسباب التي أدت إلى تعثر المفاوضات مازالت قائمة ولأن نتانياهو لم يتزحزح خطوة واحدة حتى الآن باتجاه السلام، وإنما على العكس يواصل اندفاعه نحو تمزيق روح عملية السلام وإعلان وفاتها رسمياً.
والحقيقة أن استئناف المفاوضات مرة أخرى ينبغي ألا يكون هدفا في حد ذاته إلا إذا جرى الاستئناف على أسس واضحة تنطلق من احترام الاتفاقيات التي سبق التوقيع عليها بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتضع في اعتبارها استحالة البدء من نقطة الصفر مرة أخرى فهل ظهرت على الجانب الإسرائيلي أية شواهد تشير إلى حدوث مثل هذا التغيير المشجع في منهج التعامل الإسرائيلي مع عملية السلام؟
والجواب بوضوح هو: لا.. لم يحدث أي تغيير جوهري وان ما يتردد عن أن نتانياهو أبلغ واشنطن باستعداد "إسرائيل" لاستئناف المفاوضات مرة أخرى، لا يمكن النظر إليه سوى أنه جزء من سياسة المماطلة وكسب الوقت تحت مظلة المفاوضات أو اللقاءات التي ما أن تنعقد حتى تنفض دون أي نتيجة.
لعلي أكون أكثر وضوحا وأقول: إن كل الشواهد تؤكد أن الموقف الإسرائيلي الراهن مازال بعيداً جداً عن طريق السلام، وأن نتانياهو يعمد إلى المراوغة ويقدم أدلة وشواهد عديدة تعكس عدم إيمانه بالسلام الحقيقي المتعارف عليه دولياً وأنه - فيما يبدو - يستهدف دفع الأمور إلى المواجهة والصدام بدلاً من المفاوضة والحوار.
ولنكن أكثر صراحة ونقول إن العمل الحقيقي من أجل السلام يتطلب استكشاف عوامل استمراره وليس التفنن في زرع أسباب فشله من نوع مواصلة الإصرار على الاستيطان وتكثيف إجراءات تهويد القدس.
إن من يريد السلام الحقيقي لا يتعمد وضع قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت، بحكم ما تحمله في داخلها من بروز للظلم وتغييب للعدالة وبما يولد المزيد من الكراهية والعداء من نوع سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل !
فهل في سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية قبل أو بعد استئناف المفاوضات ما يشير إلى أن هناك رغبة في بناء سلام عادل ومتوازن ودائم؟
إن كل الشواهد تؤكد أن حكومة نتانياهو تخاصم كل الدعوات التي ترمي إلى بناء قواعد صحيحة للاستقرار والتعايش، وأنها تركز كل جهدها نحو زيادة بؤر التوتر خصوصا على صعيد الاستيطان، وبما يعكس نية واضحة ومفضوحة على كراهية السلام ورفضه.
وعندما سئلت.. وهل هذا الذي يحدث في صالح "إسرائيل"؟ قلت بوضوح: إن أغلب القوى المستنيرة والعاقلة في المجتمع الإسرائيلي ترى أن هذه الرؤية التي يتبناها نتانياهو ويحلم من خلالها بالقدرة على الاستمساك بالأرض وتحقيق الأمن معاً، هي رؤية قاصرة وضيقة الأفق!
إن أغلب القوى المستنيرة في إسرائيل تتفق معنا في أن الفرصة المتاحة حالياً ل"إسرائيل" لكي تصبح دولة معترفا بها من جيرانها الذين يقبلون بالتعايش معها، هي فرصة قد يصعب تكرارها مرة أخرى إذا ضاعت الآن!
وحتى أولئك المتشدودن من الصقور والمتطرفون في "إسرائيل" لم يستطيعوا أن يقدموا برهاناً قاطعاً على صحة اعتقادهم - الخاطئ- بأن "إسرائيل" ستزداد قوة مع الزمن، وبالتالي تزداد قدرتها على قمع العرب وإخضاعهم ودفعهم للقبول بالسلام الذي تراه "إسرائيل"، وأن الأمر لا يعكس سوى فكر عشوائي ومقامر لدغدغة المشاعر وإلهاب العواطف وقمع دعوات السلام المتنامية داخل المجتمع الإسرائيلي.
وقلت مضيفاً إلى ما سبق: إن مشكلة المغامرين الذين يتعاطون السياسة بلغة «المقامرة» أنهم لا يقرأون التاريخ ولا يستوعبون دروسه، ولو أن بنيامين نتانياهو عاد إلى سطور التاريخ لأدراك - دون عناء- أن الاغتصاب والاستيطان لا يبنيان دولا، وأن كل النظم الاستيطانية سقطت وانهارت وتلاشت أمام قوة اندفاع حركات التحرر الوطنية التي تستفيد تلقائياً من تطورات الزمن ومتغيراته.
ثم أنني لست أظن أنه يغيب عن فطنه أحد في "إسرائيل" أن المشروع الصهيوني الذي أفرز دولة "إسرائيل" مازال حتى اليوم مجرد مشروع وأن احتمالات فشله أكثر من احتمالات نجاحه، إذا طبقنا الأحكام الموضوعية كنوع من تقدير الموقف المستقبلي في ضوء ما هو محتمل ووارد من متغيرات وتطورات إقليمية وعالمية.. وإذن فإن الفرصة الوحيدة لنجاح هذا المشروع تكمن في نجاح الفرصة المتاحة الآن لإقامة سلام عادل ودائم تحصل فيه "إسرائيل" على اعتراف العرب بها وقبولهم - بالتراضي - لاندماجها وتكيفاً مع المنطقة سياسياً واقتصادياً وحضارياً وثقافياً.
إن المأزق الراهن لعملية السلام هو في البداية والنهاية مأزق ل"إسرائيل" ذاتها قبل أي طرف آخر!
وسبب المأزق في اعتقادي - أن بنيامين نتانياهو جاء إلى الحكم وفي نيته إحداث تغيير كامل للاستراتيجية التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية السابقة، والتي كانت قد التزمت بالتفاوض على جميع المسارات على أساس مبدأ «الأرض مقابل السلام» الذي تم إقراره في مؤتمر مدريد عام 1991 كمرجعية أساسية لعملية السلام.
لقد جاء نتانياهو باستراتيجية لا تعترف بالواقع وتحلق في أجواء: الفضاء تحت وهم القدر على إمكان الاحتفاظ بالأراضي المحتلة، وبناء على اعتقاد بأن العرب ليس لديهم سوى الاستسلام في تلك المرحلة الدقيقة التي تنفرد فيها الولايات المتحدة بقيادة العالم لحين تشكيل نظام عالمي جديد. هكذا جاء نتانياهو باستراتيجية تنطلق من الثقة المفرطة في أن العنف والإرهاب يمكن أن يحققا ل"إسرائيل" السلام ولم يضع في اعتباره أنه يضع بذرة عنف وإرهاب سوف يكون الإسرائيليون أول ضحاياها.
لقد تصور نتانياهو أن اتفاقيات السلام يمكن أن تعكس حلمه في أن تكون مجرد عملية إخضاع كاملة للعرب وخاصة الشعب الفلسطيني فإذا بسياسات الاستيطان والتهويد تفرز إرادة رفض وصمود تسجن نتانياهو وحده في هذا الشرك الفكري الساذج الذي توهمه حلما سهل المنال!
وفي ظني أن واشنطن أصيبت بالصدمة وأحست بالعجز عن القدرة على انجاز هدفها عندما اكتشفت أنه من الصعب على مثل هذه العقلية التي في رأس نتانياهو أن تعيد النظر مرة أخرى في الأفكار التي طرحتها وجاءت بها إلى سدة الحكم في "إسرائيل"، وهي أفكار ساذجة وتنطلق من دراسات سطحية غير متعمقة!
وقلت ولعلي لا أكون قد تجاوزت في قولي: إن الولايات المتحدة بحكم مسؤوليتها كراع لعملية السلام وبحكم خصوصية العلاقة التي تربطها ب"إسرائيل"، وجدت نفسها الآن هي الأخرى في مأزق صعب وأن عليها أن تعيد النظر في سياستها لكي تبقي على البقية الباقية من الأمل في إنقاذ عملية السلام. ويخطئ من ينكر أن الولايات المتحدة تمتلك في أيديها أوراقاً كثيرة تستطيع بها أن تحقق عملية الإنقاذ المطلوبة لحلم السلام.. ويخطئ أيضاً من يحصر هذه الأوراق في قدرة الضغط السياسي والاقتصادي من جانب واشنطن تجاه تل أبيب فقط.
إن بإمكان الولايات المتحدة أن تصنع الكثير ودون أن تكون هناك شبهة ممارسة الضغط على إسرائيل التي أصبحت مصدراً لإثارة الحساسيات.. ومن بين ما تستطيعه واشنطن هو أن تضع صورة المأزق الراهن بكل أبعادها وتفاصيلها الدقيقة والصحيحة أمام المجتمع الأميركي بأكمله وبداخله - كما نعلم - لوبي يهودي مؤثر وفاعل ليس داخل الولايات المتحدة فقط، وإنما له أيضاً قدرة الفعل والتأثير داخل "إسرائيل" ذاتها! إن إدارة الرئيس باراك أوباما يمكن أن تقدم أفضل خدمة لعملية السلام، لو أنها طرحت على الرأي العام الأميركي نتائج اتصالاتها.. وماذا قال لها العرب.. وماذا قال الإسرائيليون.
إن مثل هذا الإجراء من جانب إدارة باراك أوباما يمكن أن ينتقل تلقائياً باللوبي اليهودي من خندق الضغط لمصلحة "إسرائيل" إلى خندق الضغط على حكومة نتانياهو!
إن أحداً مهما بلغ تعصبه ل"إسرائيل" لا يمكن أن يتجاهل في تقويمه لنتائج المساعي الأميركية لإحياء جهود السلام على مدى الأشهر الأخيرة تلك المرونة والعقلانية التي تميز بها الخطاب العربي على عكس التعنت والصلف الذي تحدث به نتانياهو!
إن هناك الآن دعوات ملحة في "إسرائيل" لإقامة حكومة وحدة وطنية يدخل فيها شركاء جدد ليسوا أسرى لتلك الاستراتيجية الجاهلة والمستحيلة التي أجهضت عملية السلام، وتوشك أن تعود بالمنطقة إلى أجواء الحروب والصراعات والعداوات والكراهية
ويستطيع اللوبي اليهودي في أميركا أن يلعب دوراً مؤثراً في دعم دعوات التغيير المتصاعدة داخل "إسرائيل" إذا أدرك هذا اللوبي أن بقاء نتانياهو على سدة الحكم وحده يعني اغتيال الفرصة المتاحة الآن لبناء سلام تتعايش فيه "إسرائيل" مع جيرانها.
إن في "إسرائيل" الآن جيشاً سرياً يعمل مع السلام، وآخر يعمل لنسف السلام.. وأميركا وحدها - وليس أي طرف آخر - هي التي تستطيع أن ترجح كفة أنصار السلام أما إذا اكتفت بالصمت والسكوت فإننا سوف نقرأ جميعاً الفاتحة على روح عملية السلام.
كاتب مصري
نقلا عن المركز الفلسطيني