مشاهدة النسخة كاملة : حفاوة الاستقبال لنجاد.. ودلالات الخطاب في الضاحية


أبوسمية
10-14-2010, 07:23 PM
حفاوة الاستقبال لنجاد.. ودلالات الخطاب في الضاحية

النائب إبراهيم دحبور
حظيت زيارة الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد للبنان باستقبال وترحيب رسمي وشعبي كبيرين، وبحفاوة وتغطية إعلامية واسعة قلما نجدها في زيارات كثير من الرؤساء لدول صديقة لبلدانهم، وشاهد الجميع ضخامة الاحتفالات والأعداد الكبيرة للجماهير التي احتشدت على جوانب الطرق من مطار بيروت الدولي وحتى قصر بعبدا، حيث أقيم حفل الاستقبال الرسمي.
فكثيرة هي الأعداد ومتزاحمة هي الأجساد التي وقفت بين الورود والأقواس الخضراء لتحظى بمشاهدة نجاد عن قرب، ولتهتف له بعبارات التأييد والمحبة، وأخذ الجميع يلوحون له بأيديهم المليئة بالأعلام اللبنانية والإيرانية، في مشهد يوحي بأن كل واحد منهم قد جاء إلى هذا المكان برغبة واختيار دون فرض أو إجبار، هذه الحفاوة التي لاحظها جميع المراسلين والمراقبين والمحللين وتحدثوا عنها في وسائل الإعلام كثيرا، لدرجة أن غالبيتهم قد تفاجأ وانبهر، ولم يستطع إلا أن يعرض الصورة كما وصلته دون زيادة أو نقصان، حتى وإن كان من منتقدي الزيارة أو المخالفين للرئيس الإيراني.
وفي ظهوره الثاني أمام الجماهير اللبنانية، اختار نجاد الضاحية الجنوبية لإلقاء خطابه الرئيسي المقرر في لبنان، وهو خطاب قلما يلقيه رئيس أمام جماهير دولة أخرى أثناء زيارته لها، إلا إذا تمتع هذا الرئيس ببعد ديني أو قومي أو أيدلوجي يربطه بالشعب الذي سيلقي أمامه خطابه، ولا شك أن لنجاد ولإيران علاقة وثيقة بلبنان غير تلك التي تربطه بغيره من الزعماء والدول، ما دفعه أن يلقيه أمام الجماهير اللبنانية في الضاحية الجنوبية كخطوة تحمل في طياتها الكثير من الدلالات والرسائل والمعاني الرمزية، والتي أراد الزائر ومنظمو الزيارة إيصالها للأطراف المختلفة، ومن هذه الدلالات والرسائل:
1- أكد الرئيس الإيراني - من خلال رمزية الضاحية وطبيعة الجمهور الذي احتشد فيها - أنه يمثل المؤسسة الدينية،ويحمل لواء الولي الفقيه " الإمام الخامنئي"، ورسوله الذي يحمل رسائل للبنانيين والفلسطينيين، مفادها أننا معكم وسنبقى لكم ولن نتخلى عنكم، وهي الكلمات التي اختتم بها نجاد خطابه حين قال " سنبقى نفتخر بكم ونعتز بكم وسنبقى معكم "، ملتحما بذلك مع أماني وطموحات الجماهي
2- ومن الدلالات أيضا أن الرئيس نجاد أراد القول بأن علاقات إيران في المنطقة لا تنحصر فقط مع الحكومات،وإنما تمتد للشعوب المؤيدة والمناصرة والمستعدة للوقوف معها والموت دونها، وأن مفتاح علاقة إيران بلبنان لا تملكه المؤسسة الرسمية فقط وإنما يملكه جمهور الضاحية أيضا.
3- أراد نجاد أن يظهر أنه ما زال الرجل الذي أتى بتأييد من الشعب وما زال في حضن الشعب، وليؤكد أنه الرجل المتواضع الذي يختلط بمحبيه ومؤيديه ولا يتعالى عليهم أو يغيب عن عيونهم.
4- هي رسالة لكل من استهدف الضاحية سابقا أو يفكر باستهدافها لاحقا بالقصف والتدمير،أنها ليست مكانا منعزلا ومنسيا في الأرض لا يكترث به أحد، إذ بالرغم من صغر مساحتها وقلة عدد سكانها وكثرة معاناتهم، إلا أنها حاضرة في ذهنية وتفكير قادة أكبر دولة إقليمية في المنطقة تأثيرا وحضورا وتحديا للعالم الغربي وإسرائيل، فكما لامست أقدام القادة الإيرانيون أرض الضاحية، وكما اختلطت عبرات عيونهم وحبات عرقهم بترابها، فهم على استعداد أن تختلط بذات التراب دماؤهم وترتقي من على سطحها أرواحهم.
5- جاء الخطاب في الضاحية ليثبت أن الجبهة الشيعية جميعها - سواء كانوا من حزب الله أم من حركة أمل أفرادا أم قيادة - موحدة خلف إيران وبحضورها، وأن الشيعة سيبقون داعمين ومؤيدين لها وسيقفون إلى جانبها، وهم على استعداد للموت في سبيلها، وسيكونون أنصارها في أي حرب تخوضها، وتظهر وحدة الموقف الشيعي جلية في هذا الحفل الضخم في الضاحية، عندما لاحظنا خلو الساح
6- حتى صور خوذ الجنود الإسرائيليين التي ظهرت في الواجهة الأمامية للمنصة التي ألقى منها نجاد كلمته، لتحمل رمزية ورسائل مفادها أن نجاد وبدلا من أن تزين الورود منصته، كما هي العادة في مثل هذه المناسبات، ها هي خوذ جنود الاحتلال تزين منصته وفي ذلك دلالات ورموز ومعاني ورسائل يفهمها ويعرفها ويعيها جيدا من أرسلت له.
7- وعند التقديم لخطاب نجاد استهل عريف الحفل التقديم بأبيات حماسية، تحمل معاني رمزية أيضا حيث قال" هنا بين اهلك تسكن القلوب.. والقلوب عسكر.. إليك تستمع والدنيا لك منبر " بهذه الكلمات المعبرة تم التقديم لكلمة نجاد، كلمات تحمل في ثناياها الولاء والمبايعة والمحبة والافتخار، كما أن الدموع التي التقطتها عدسة الكاميرا في عيني نجاد وهو يستمع لفرقة لبنانية أنشدت نشيدا ثوريا باللغتين العربية والفارسية، ومختلطا بهتافات الجماهير المنفعلة، هذه الدموع تحمل في طياتها دلالة الانسجام وحقيقة التماهي بين المستقبلين اللبنانيين وضيوفهم الإيرانيين.
8- ولا ننسى دلالات إلقاء نصر الله لخطابه عبر الشاشات بالرغم من أهمية الزائر وضخامة الحفل، إلا أن الرسالة التي أريد إيصالها، هي أنه بالرغم من استحالة الاستهداف لنصر الله بسبب الإجراءات الأمنية المشددة، إلا أن التفكير العقلاني وصحة تقدير الموقف والحس الأمني، هو الذي سيطر على تفكير متخذي قرار ظهور أو عدم ظهور الأمين العام لحزب الله إلى جانب نجاد في الضاحية الجنوبية، فاستبدلوا الخطاب المباشر أمام نجاد والجمهور المتشوق لنصر الله، بخطاب عبر الشاشات، وفي ذلك دلالة كبيرة ينبغي الانتباه لها.
9- دلالة استغلال كل من نجاد ونصر الله لهذا الاحتفال من اجل إيصال رسائل لجميع الأطراف، فنجاد تحدث عن الدول الرأسمالية والاستغلال البشع للشعوب وعن العدالة الإنسانية والأزمة المالية والبرنامج النووي ووقوف الغرب إلى جانب إسرائيل، واتخذ من الضاحية منبرا للحديث عن معاناة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المنتهكة وحق العودة للاجئين وعن تبادل الأراضي ومخاطر الاعتراف بالدولة اليهودية، وشابه بين الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وبين الدبلوماسيين الإيرانيين المفقودين منذ مدة طويلة في إشارة ضمنية أن إيران مسئولة عن الجهتين، وربط بين النصر الذي تحقق في حرب تموز بالنصر الذي تحقق في حرب غزة، وانتقى من الكلمات ما يستنهض همة شعوب المنطقة ويبشرها بالنصر والتمكين، وكل ذلك جاء مقصودا ومرتب
أما نصر الله ففي كلمته المقتضبة التي حاول من خلالها أن يطمئن السنة في كل مكان أن الخلافات المذهبية مدمرة وماحقة وأن المشروع الإيراني ليس مشروعا فارسيا ولا شيعيا وإنما هو مشروع إسلامي وطني تحرري ، وخفف من وقع حادث الإساءة اللفظية التي تفوه بها رجل شيعي في محاضرة في لندن، وأن هذا الرجل مغمور ولا يمثل الشيعة ولا فكرهم ولا يعبر عن نظرتهم واحترامهم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وتحدث أيضا عن القضية الفلسطينية والشأن اللبناني باختصار، منسجما بذلك مع ما طرحه الرئيس نجاد في كلمته.
هذه بعض الدلالات والرسائل والمعاني الرمزية التي قرأتها في أسباب إلقاء نجاد ونصر الله لخطابهما في الضاحية الجنوبية، فهل من رسائل جديدة ينوي نجاد إرسالها عندما سيقف على ارض لبنان الجنوبية شاخصا ببصره ومادا يده نحو حدود فلسطين الشمالية ؟ فالأيام أمامنا والكل ينتظر.

نقلا عن المركز الفلسطيني