مشاهدة النسخة كاملة : المغرب على إيقاع 3 استحقاقات


ام خديجة
10-14-2010, 08:55 AM
المغرب على إيقاع 3 استحقاقات

http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/10/13/122134.jpg
الرباط - حكيم عنكر:

في ظروف اقتصادية عالمية صعبة، يدخل المغرب ورشاً إصلاحية من ثلاث مستويات، تهم أداء البرلمان والقضاء والحكم الذاتي، وهي أجنحة ستشكل السنة السياسية في البلاد، على وقع التطورات التي تعرفها قضية الصحراء، ولجوء المغرب إلى نهج سياسة تقشف غير رسمية من خلال تقليص ميزانية التسيير والاستغناء عن الكثير من “الخدمات الزائدة” التي ترهق ميزانية الدولة .

ثلاثة استحقاقات من أولويات المغرب في المرحلة الراهنة: تقوية العمل البرلماني وإصلاح القضاء وكسب رهان الحكم الذاتي في الصحراء . وهذه الاستحقاقات موضوع برنامج العمل الذي ورد في خطاب الملك محمد السادس الذي وجهه إلى البرلمان المغربي في دورته التشريعية الجديدة .

ويعتبر الخطاب الافتتاحي للملك، موجهاً للحياة السياسية في المغرب التي تنزاح في الكثير من الأحيان عن قضايا المغاربة لتسقط في نزعة سياسية ضيقة، تتحكم فيها الطموحات الحزبية، حولت العمل البرلماني في البلاد إلى ساحة للتراشق اللفظي والكلامي، بينما غاب جوهر التمثيلية البرلمانية عن المجموعات البرلمانية التي أفرغتها من محتواها ظواهر من قبيل الترحال من فريق إلى آخر أو “البوليميك” السياسي، وبالأخص المنابزات التي سادت خلال الدورة التشريعية المنصرمة بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، في إطار معارضة منبرية لا تعكس حقيقة الفاعلين السياسيين، فهم في الصف المعارض للعمل الحكومي، لكنهم وبشكل غريب تماماً، يشكلون “تحالفات طبيعية” في المجالس الجماعية وفي الجهات مع أحزاب تصنف ضمن الأغلبية الحكومية . . وهذه إحدى عورات الحياة السياسية كما تمارسها براغماتية حزبية لا تجد حرجاً في التحالف مع الشيء ونقيضه .

وفي هذا الصدد، توقف الخطاب الملكي عند تلك الاختلالات وشخّصها، وقدم الدرس لمن يعتبر من النواب حينما أشار إلى أن النائب البرلماني ليس صنيعة نفسه، بل هو ممثل الإرادة الشعبية، وعليه أثناء عمله ألا يغرب هذا المعطى عن باله “أما على مستوى النائب البرلماني، فإن الانخراط في المسار الإصلاحي، يقتضي منكم ألا تنسوا أنكم تمثلون، داخل قبة البرلمان، الإرادة الشعبية، قبل كل شيء . ومن ثم، فإن عضوية البرلمان ليست امتيازاً شخصياً، بقدر ما هي أمانة تقتضي الانكباب الجاد، بكل مسؤولية والتزام، على إيجاد حلول واقعية، للقضايا الملحة للشعب” .

والقضايا التي تحظى بالأولوية عند المغاربة، هي التعليم النافع، والسكن اللائق، والتغطية الصحية، والبيئة السليمة، وتحفيز الاستثمار المدر لفرص الشغل، والتنمية البشرية والمستدامة . وعند تحقيق هذا السباعي يمكن للنائب البرلماني أن يمارس كيفما شاء ترف السجال السياسي والاستعراض المنبري، أما في ظل الظروف الحالية، فإن الكلام عالي الصوت لا يفيد المغاربة في شيء ولا يحل أزماتهم الاجتماعية والاقتصادية العميقة .

وإذا كانت تجربة نظام الغرفتين في المغرب تجربة لافتة في الديمقراطية البرلمانية، فإنها أفرزت مظاهر سلبية من بينها حالات التضارب التي عرفها أداؤهما خلال الأداء التشريعي، ومن بينها الحالات التي سجلت إبان إقرار مشاريع قوانين حاسمة، مثل الارتباك الذي وقعت فيه مدونة السير، حين مررت في مجلس النواب ووقع إيقافها في مجلس المستشارين، ليعود الاجتهاد التشريعي فيها إلى نقطة الصفر . ولهذا جرت الدعوة إلى “وجوب عقلنة الأداء النيابي، بالانطلاق من تجانس النظامين الداخليين للمجلسين، والنهوض بدورهما، في انسجام وتكامل، كمؤسسة واحدة” . لتحقيق هدف واحد يتركز في جودة القوانين، والمراقبة الفعالة، والنقاش البناء، للقضايا الوطنية، وخصوصاً منها الحوكمة الترابية، وتحصين وتعزيز الآليات الديمقراطية والتنموية .

العدالة ورش إصلاح كبير

الاستحقاق الثاني الذي ينتظر من المغرب أن يباشره، هو إصلاح قطاع العدالة بتحقيق شعار “القضاء في خدمة المواطن” . وهذا شعار مركزي لتحقيق شعار أكبر، هو “دولة الحق والقانون”، ولن يتحقق كل ذلك إلا باستقلالية هذا الجهاز، الذي يمكن أن يعود إليه كل نمو اقتصادي واستقرار اجتماعي وسيادة للقانون فوق الأشخاص والمصالح والانتماءات والحساسيات .

ويعني شعار “القضاء في خدمة المواطن”، “قيام عدالة متميزة بقربها من المتقاضين، وببساطة مساطرها وسرعتها، ونزاهة أحكامها، وحداثة هياكلها، وكفاءة وتجرد قضاتها، وتحفيزها للتنمية، والتزامها سيادة القانون، في إحقاق الحقوق ورفع المظالم” .

هذه السلطة القضائية، بقدر ما هي مستقلة عن الجهازين ; التشريعي والتنفيذي، فإنها جزء لا يتجزأ من سلطة الدولة، باعتبار أن القضاء مؤتمن على دستور المملكة، وسيادة قوانينها، وحماية حقوق والتزاما ت المواطنة .

ويرتبط تحقيق ذلك على أساس الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة، من خلال العمل البرلماني، والأساس أن هذا الإصلاح يرتبط “بالأداء المسؤول للقضاة” .

ومنذ أن أطلق محمد السادس سنة 1999 ما سمي حينها ب”المفهوم الجديد للسلطة”، بعد أشهر من توليه الحكم، والمغرب يعمل دون هوادة على إصلاح نظام القضاء في البلاد، وسط إكراهات ومشاكل متراكمة كان يعرفها القطاع وهي استشراء الفساد في صفوف هياكله، وبسبب تدخل السلطة التنفيذية في “تكييف” وتوجيه الكثير من القضايا والأحكام، وهذا ما جعل المواطن المغربي يفقد بالتدريج الثقة في قضائه .

وبين الملك محمد السادس أن هذا المفهوم الجديد للسلطة، “ليس إجراء ظرفياً لمرحلة عابرة أو مقولة للاستهلاك، وإنما هو مذهب في الحكم، مطبوع بالتفعيل المستمر، والالتزام الدائم بروحه ومنطوقه . كما أنه ليس تصوراً جزئياً يقتصر على الإدارة الترابية، وإنما هو مفهوم شامل وملزم لكل سلطات الدولة وأجهزتها، تنفيذية كانت أو نيابية أو قضائية” .

الاستحقاق الثالث في العام السياسي الجديد في المغرب هو موضوع الصحراء، ومقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب إلى الأمم المتحدة . وأمام المقترح المغربي الكثير من العقبات، ومنها انتزاع مواقع جديدة لفائدة المغرب وشحذ تأييد المجتمع الدولي للمقترح المغربي، وهذا يتطلب دبلوماسية برلمانية فعالة وقادرة على تحقيق النتائج الفورية، لذلك أعطى الخطاب الملكي الضوء الأخضر لنواب البرلمان للتحرك “في كافة الجبهات والمحافل، المحلية والجهوية والدولية، لإحباط المناورات اليائسة لخصوم وحدتنا الترابية” . و”إذكاء التعبئة الشعبية الشاملة، واتخاذ المبادرات البناءة، لكسب المزيد من الدعم لمقترحنا المقدام للحكم الذاتي، وذلك في إطار دبلوماسية برلمانية وحزبية متناسقة ومتكاملة مع العمل الناجع للدبلوماسية الحكومية” .

هذه هي الروافد الأساسية للعمل الحكومي والبرلماني خلال السنة الجارية، وهي ذات ثلاثة مستويات، سيادية واجتماعية ومؤسساتية، وربما لن يتحقق منها الشيء الكثير إلا إذا أعادت التشكيلات السياسية والنقابية العاملة تحت قبة البرلمان النظر في أدائها المخجل الذي أهدر وقتاً ثميناً في مهاترات كلامية، وفوت محطات مهمة من محطات قطار التنمية، كما أسهم في إفقاد الثقة في المؤسسة البرلمانية، التي تحولت عند المواطن المغربي إلى سيرك للاستعراض، تغيب عنه القضايا الحقيقية، وتحضر الترهات والحسابات السياسية الضيقة، المحكومة بأجندة انتخابية واضحة .

الموازنة العامة والأزمة العالمية

واقع تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية في الاقتصاد المغربي، أصبح مسلماً به، وخطاب الملك محمد السادس أمام البرلمان، جاء ليقر بهذه الحقيقة، وليؤكد أن السنة المالية الجارية بالنسبة إلى المغرب، ستكون صعبة، وأنه لن ينفع السجال السياسي في إقرار مشروع الموازنة العامة، بل الأساسي هو المرور إلى البحث عن البدائل المالية والاقتصادية الممكنة وحسن الترشيد والتدبير .

ولذلك يؤكد الملك أنه على مستوى المرحلة الراهنة، يظل مشروع القانون المالي لحظة قوية في تكريس العمل البرلماني الفعّال . فالأمر لا يتعلق بالمناقشة والتصويت، على مجرد موازنة حسابات وأرقام، بل بالتجسيد الملموس للاختيارات والبرامج التنموية الكبرى للبلاد .

وهكذا سيكون أمام البرلمان مسؤولية التعاون المثمر مع الحكومة، لإيجاد حلول ناجعة للمعادلة الصعبة، لضرورة الحفاظ على التوازنات الأساسية ودينامية التنمية، في ظل إكراهات محدودية الإمكانات . من جهة أخرى، استصدر المغرب سندات بقيمة مليار يورو، على مدى 10 سنوات، وبمعدل فائدة يبلغ 4،50% . واعتبر وزير المالية صلاح الدين مزوار أن تحصيل المغرب المليار يورو، يعني استمرار ثقة كبار المستثمرين الأجانب، والبنوك الكبرى في الاقتصاد المغربي .

وأجبر المغرب على اللجوء إلى الاقتراض الدولي لتمويل عجز ميزانية سنة ،2010 المقدر بنحو 4%، وهو ما يعادل 32 مليار درهم انسجاماً مع استراتيجية تمويل الخزينة التي تقوم على الموازنة بين التمويلين الداخلي والخارجي .

وفي رأي مزوار، فإن الاستراتيجية المعتمدة في هذا المجال تروم ضمان تمويل عجز الميزانية أيضاً من السوق المالية الخارجية، حتى لا يتم الإضرار بالسوق الداخلية، التي تمول المقاولات . مع المحافظة على نوع من الاستقرار في السوق المالي الداخلي، من خلال الحرص على عدم تقليص حجم وقيمة السيولة الداخلية، لتلبية حاجيات الاستثمار والاقتراض، في ظل مناخ اقتصادي دولي متقلب وغير مستقر .

ونفى وزير المالية وجود نية لدى الحكومة المغربية في خوصصة بعض الشركات، أو بيع جزء من شركة اتصالات المغرب مثلاً، مشيراً إلى أن ذلك يعد خياراً سياسياً، هدفه هو أن تعيش الدولة المغربية حسب إمكانيتها الذاتية .

وقلص المغرب ميزانية التسيير لسنة ،2011 بنحو 10%، وهو سلوك يرمي إلى ترشيد النفقات، في مجال استعمال الهاتف، و تقليص حصص التنقل، الداخلي والخارجي، وعدم شراء أو استئجار مبانٍ للوزارات، وكذا السيارات، قصد ضمان مواصلة إنجاز الورش الكبرى، من جهة، والقيام بإصلاحات ضرورية في مجال التعليم، ومحاربة الأمية، وتنمية الاقتصاد من جهة أخرى . وبخصوص كيفية تعامل الحكومة مع الشركات الأجنبية التي تهرب أرباحها خارج المغرب، لتوزيعها على شركائها، قال مزوار، إن الحكومة تقوم بمراقبة الأموال التي يتم تحويلها إلى خارج المغرب عن طريق مكتب الصرف، وكذا المديرية العامة للضرائب، وذلك وفق ما نص عليه دفتر التحملات، وانسجاماً مع طبيعة الاقتصاد المنفتح الذي سلكه المغرب .

كل هذه المعطيات الجديدة تشير إلى أن المغرب يتجه رأساً إلى نهج سياسة التقشف، وحتى وإن لم يتم الإعلان رسمياً عن تبني هذه السياسة، بسبب مراعاة محيط المال والأعمال، ومخافة الإضرار بصورة المغرب ودفع المستثمرين إلى وجهات أخرى أكثر أماناً، فإن التقليص الذي عرفته ميزانية التسيير، يؤكد أن توجها نحو التقشف غير المعلن يكون صدر إلى جميع القطاعات الوزارية، يدخل في باب ترشيد النفقات أكثر ما يدخل في سنة مالية، نحو خمسة في المئة من مواردها ممول من طرف القرض الجديد للمغرب، والذي سيجري تسديده على مدى عشر السنوات المقبلة.


نقلا عن الخليج