مشاهدة النسخة كاملة : حين لا يكون الصراخ على قدر الألم!


أبوسمية
10-14-2010, 02:18 AM
حين لا يكون الصراخ على قدر الألم!

لمى خاطر
كان غريباً ومستهجناً وشاذاً موقف سلطة فتح وأجهزتها الأمنية وهي تحاول عبثاً أن تردّ عن نفسها اتهامات المشاركة في اغتيال المجاهدين الكرمي والنتشة في الخليل فجر الجمعة، وكان مثيراً للسخرية والاشمئزاز أن تسارع لرمي التهمة في حجر حماس وادعاء أن الاحتلال توصل لمكان الشهيدين نتيجة لوجود اختراق في صفوف الحركة!
ادعاء سقيم وسخيف لم يصدقه حتى مطلقوه، لمقدار ما ينطوي عليه من فجور في الكذب واستغباء لذاكرة الشارع الفلسطيني الذي شاهد بأم عينه حجم (الجهد) الذي بذلته الأجهزة الأمنية في كشف هوية الفاعلين بداية ثم محاولات الوصول إليهما بشتى الطرق.
إن استعراضاً عابراً لبعض ما فعلته الأجهزة الأمنية منذ عملية بني نعيم وحتى اليوم في إطار جهودها لاستئصال شأفة المقاومة ومنع تكرار مثل هذه العمليات (كما صرحت بنفسها) يمثل صفعة قاضية لكل صوت يستسهل تبرئة ساحة السلطة والالتفاف على حقيقة ساطعة كالشمس.
لست أدري إن كنا بحاجة لأن نذكّر الأجهزة الأمنية وناطقي فتح بإعلان عباس عقب العملية عن تمكن أجهزته من اكتشاف السيارة التي نفذت فيها العملية ثم هوية الفاعلين! فما الذي يعنيه ذلك؟ ألا يشكل هذا حلاً للغز العملية بنسبة 90% إن لم يكن أكثر؟ وأيهما أكثر جرما: الكشف عن هوية المنفذين أم الوشاية بمكانهم؟ وإذا كانت الأجهزة الأمنية قد كشفت صراحة عن هوية المنفذين فلماذا يضايقها أن تتردد في وسائل الإعلام تقارير عن قيامها بالتبليغ عن أماكن وجودهم؟!
المشاركة في الاستهداف لا تعني بالضرورة المشاركة المباشرة مع وحدات الجيش الصهيوني في عملية الاغتيال، فوحدات النخبة لدى جيش الاحتلال تتكفل بهذه المهمة، والسلطة كان (خيرها) عليه سابقا بكشف السيارة أولا ثم الإعلان عن هوية الفاعلين عبر حملة الاعتقالات التي طالت كل من له علاقة بالشهيدين الكرمي والنتشة قرابة أو صداقة أو حتى علاقات عمل مجردة! وعمليات التعذيب التي عادت تمارس في أروقة الأجهزة كشفت مدى حرصها على الوصول للشهيدين مهما كلف الأمر، وجمع أكبر قدر من المعلومات عنهما.
هذا كله ليس تقليلا من شأن عملاء الاحتلال بطبيعة الحال، ولكن حين تكون الجهتان: الاحتلال والسلطة تجتهدان في جمع معلومات عن قضية واحدة، وحين تكون ممارسات السلطة بحق ذوي الشهيدين غير مسبوقة وكلها تصب في محاولات الوصول لهما أو الضغط عليهما فهذا يعني بالضرورة أن السلطة كانت شريكاً مباشراً في عملية الاغتيال!
لقد بالغت سلطة فتح في تشنيعها على عملية قتل المستوطنين عقب حدوثها، وفي توعد الفاعلين كذلك، وكانت تقدم تبريرات تتعلق بأثر العملية السلبي على المفاوضات لتسويغ شراسة حملتها على صعيد الاعتقالات والتعذيب وعمليات البحث والتفتيش الحثيثة في منازل ذوي الشهيدين وأقاربهما! ولعلها لم تكن تتوقع للشهيدين نهاية مشرفة كتلك ارتفعت على هامشها أسهم المقاومة والشهادة، وارتكست في المقابل سلعة التواطؤ والتنسيق الأمني والسلام الموهوم!
ولعلها كانت ترسم للشهيدين سيناريوهاً مشابها للذي حدث مع خليتي قلقيلية القساميتين، وكانت تتوقع أن تصفية الشهيدين ستكون من نصيبها وضمن مناطقها، بعد أن تقدم بين يدي دمهم المسفوح جملة من أكاذيبها المعروفة، كأن تقول إنهما أطلقا النار على أفرادها أو نصبا لهم كمينا، ونحو ذلك. ولهذا كانت تبالغ في تجريم صنيع الشهيدين قبل استشهادهما وغاب عنها أن هناك جمهوراً يرصد كل أفعالها وأنه ما عاد هناك سبيل للتستر على طبيعة دورها.
التفاعل الإعلامي والميداني مع حادثة الشهادة فاجأ أجهزة السلطة دون شك، ولجهلها فقد أسقطت من حساباتها في لحظات الحقد والرغبة بالانتقام ممن أفسدوا عليها أجواء مفاوضاتها العبثية ما يمكن أن تصنعه الدماء حين تسيل في مواجهة الاحتلال، وكيف أن لديها قدرة استثنائية على حمل النفوس على كسر حواجز الخوف والتردد مهما كانت صلبة ومحكمة.
أما ما بعد عملية الاغتيال فهو فضيحة إضافية لهذه السلطة، فتحت أي مسوغ يا ترى تستمر أجهزتها في اعتقال أنسباء الشهيد الكرمي في الخليل وإخوة الشهيد النتشة، ومعهم العشرات ممن اعتقلوا على خلفية العملية والصلة بالشهيدين؟ هل يجرؤ ناطقوها على تبرير منع إخوة الشهيد النتشة المعتقلين لديها من إلقاء نظرة الوداع فقط على أخيهم قبل مواراته الثرى، وعلى اعتقال عدد من المشيعين ومصادرة كاميرات الصحفيين الذين صوروا الجنازة؟ لقد أقفل جيش الاحتلال حسابه مع الشهيدين بعد اغتيالهما، لكن أجهزة السلطة أبقته مفتوحاً بهدف تأديب كل من كان على صلة بالشهيدين حتى لو كانت صلة قرابة أو مصاهرة! أليس هذا معيباً ومخزياً بحق من ذرفوا دموع التماسيح على الشهيدين وأدانوا عملية اغتيالهما؟!
إن صراخ أجهزة فتح الأمنية وناطقيها لم يكن ألماً من وقع كلمات الاتهام عليها، فهي بينها وبين نفسها تدرك تماماً حقيقة دورها وما هي موجودة لأجله، لكن انكشاف الجريمة أمام المواطن العادي بمثل هذه الصورة البشعة وردة فعله عليها يزعجها ويقلقها، ولو أنها وجّهت مناديبها وعيونها لرصد ما يقوله الشارع بحقها فستجد أنه يفوق كثيراً في حدته ما توجهه حماس لها من اتهامات.
سبق وقلنا إن هذه السلطة لن تجني من الشوك عنبا، وصار الآن من العبث المراهنة على رداءة الذاكرة الفلسطينية، واستسهال استغبائها وتمرير الأكاذيب عليها، لأن ما يشاهده ويسمعه الفلسطيني بنفسه لن تزيل أثره كل التبريرات البلهاء وادعاءات الوطنية المستهلكة والبالية!

نقلا عن المركز الفلسطيني