مشاهدة النسخة كاملة : خواطر من ديار العثمانيين الجدد - تركيا إذ تنعطف


ابو نسيبة
10-13-2010, 04:20 PM
خواطر من ديار العثمانيين الجدد - تركيا إذ تنعطف

أحمد ولد الوديعة
نحن أمة واحدة نحس بألام جميع المسلمين في جميع أنحاء العالم الإسلامي ولو أن شوكة شاكت مسلما فى البلقان أو في أفغانستان أو في موريتانيا لتألمنا لألمه ولبذلنا أقصى الجهد الممكن لتضميد جراحه" هكذا يقدم ياقوت صديقي نائب رئيس البرلمان التركي نفسه اليوم وهو يتحدث مع رئيس فريق الصداقة الموريتانية التركية وهكذا هي تركيا اليوم عائدة بقوة إلى عمقها الإسلامي بعد عقود من التغريب
والتتريك أو الإمبريالية كما يسميها أحد البرلمانيين الأتراك الذي التقيناه في مسجد البرلمان التركي وهو يتحدث بحسرة عن الفترة التي ولت فيها تركيا وجهها صوب الغرب فأصبح الأتراك يعرفون عن لندن ونيويرك أكثر مما يعرفون عن جوارهم الإسلامي.
نعم لقد انعطفت تركيا " شرقا" في وقت غاية فى المفصلية التاريخية فوجدت أمة تائهة تبحث عمن يقودها فاستسلم أحفاد العثمانيين الزمام مؤسسين على أرث أربعة قرون من العيش المشترك مع الجيران العرب يقول حسن سائق السيارة المثقف الذي يجزم أن الرجل الذى فصل تركيا عن الأمة المسلمة رجل غير تركي، فنحن يضيف حسن الذي يتحدث العربية بلكنة تركية لا نعرف حتى الآن من أين جاء أتاتورك، كلما نعرفه أنه رجل غريب الأطوار بدأ حياته مقاتلا فى الجيش العثماني ثم قاد بعض المعارك وخسر أغلبها قبل أن يتم تلميعه بسرعة من طرف مجموعات مشبوهة فيصبح رئيسا وبالمناسبة – يكمل حسن – بدأ أتاتورك حياته السياسية متدينا فقد كان يخطب فى المساجد حتى نال ثقة الجماهير فانقلب على التدين والدين وانتهى الأمر بالسائرين على ركبه أن حظروا رفع الآذان من بلاد الخلافة الإسلامية.
الأرقام تتحدث
الانعطافة التركية المظفرة التي قادها الجيل الثالث من أبناء الحركة الإسلامية في تركيا تمثل بحق تجربة رائدة تستحق الدراسة والتوقف فقد حققت في وقت وجيز إنجازات كبيرة على المستويات الاقتصادية والسياسية والحقوقية والثقافية فقد قفز الإنتاج المحلي قفزة كبيرة( من 180 مليار عام 2002إلى 618 مليار دولار عام 2009)، وتضاعف متوسط داخل الفرد( من 2600 عام 2002 إلى 10400 عام 2008) تراجع التضخم إلى مستويات قياسية، وتضاعفت الاستثمارات الخارجية عشرات المرات ، وأصبحت نسبة النمو من بين النسب الأعلى أوربيا، وعلى المستوى السياسي فيمكن القول اليوم أن رفاق أردوغان قطعوا الجزء الأكبر من رحلة الألف ميل على طريق تقليم أظافر العسكر ومختلف قلاع المدرسة الأتاتوركية الاستئصالية وبالفعل فقد كانت التعديلات الدستورية التي أمضاها الشعب التركي أخيرا بأغلبية تقارب الستين تتويجا لمسار تعافي شعب تركيا الصبور من وباء " الامبريالية" كما يسميه أحد البرلمانيين الذي لايريد أن يسجل عليه أنه قال ما يمكن أن تفهم منه الإساءة إلى الرجل الذي تعلق صوره في كل مؤسسات تركيا العمومية بوضعيات مختلفة
ولأن قادة هذه الانعطافة يعطون الأولوية للجانب الاقتصادي من حياة الناس وفي ذلك أحد أسرار نجاحهم الكبيرة فقد حرصوا على أن يكون للانعطافة إضافة إلى عبقها الروحي طعما اقتصاديا وهذا ما كان بالفعل فجميع الأتراك يدركون اليوم أن عودتهم إلى الشرق المسلم حققت لهم نتائج اقتصادية مبهرة تجسدها اليوم أرقام التبادل الاقتصادي مع دول العالم الإسلامي ( تطورت من 11 مليار عام 2002 إلى 60 مليار دولار عام 2008) وجسدتها على الأرض التظاهرة الاقتصادية الكبرى التي احتضنتها اسطمبول هذه الأيام وشارك فيها الآلاف من رجال الأعمال المسلمين القادمين من أغلب دول العالم الإسلامي ومن جميع قارات العالم وهو ما جعل أردوغان يقول بلغة ملؤها الثقة في النفس والمسيرة إن على الأوربيين أن يقوموا بموضوعية مدى حاجتهم لتركيا اليوم.
حصاد عمل صبور
بكل تأكيد ليست الانعطافة التركية اليوم عملا انقلابيا أو خلطة سحرية قام بها شباب العدالة والتنمية المتوثب لكنها بل إنها ثمرة عقود طويلة من العمل الدؤوب ضد المشروع التغريبي ساهمت ثلاث جهات رئيسة فيه
- أولها الحركة الإسلامية التركية التي أسسها البروفسو نجم الدين أربكان وظلت تصر على الشرعية رغم الملاحقات وتنتقل من عنوان إلى عنوان وتزرع بذور الخير في المجتمع إلى أن أذن لها الله اليوم بأن تصبح الممسكة بمقاليد الحكم ليس في ظاهره السياسي فحسب وإنما أيضا في جوهره الاقتصادي والإعلامي والنخبوي.
- وثانيها الطرق الصوفية وخاصة الطريقة النورسية التى ركزت عملها على الجانبين التربوي فأسست إمبراطوريات مالية وخرجت آلاف الأطر الموزعين اليوم بين مختلف مؤسسات الدولة بما فيها تلك الأكثر حساسية، ويقول عارفون بالمشهد السياسي التركي اليوم إن جماعة النورسيين تمثل الداعم الرئيس لحزب العدالة والتنمية اقتصاديا وشعبيا رغم أنها طريقة صوفية لا تعمل فى السياسة بالمعني الحزبي.
- وثالثها بعض القوى الوطنية الأصيلة التي دفعتها نخوتها الوطنية إلى رفض الانسياق وراء المسار التدميري للهوية التركية الذي اختطه أتاتورك وسماه قومية تركية، وسيذكر التاريخ أن أول من قاد بحق الانعطافة التركية هو عدنان مند ريس أول رئيس وزراء تركي منتخب الذي حكم تركيا فى الفترة ما بين 1950-1960- وهو الرجل الذى أعدمه العسكر بعد انقلاب عسكري، وكان من الجرائم الكبيرة التي ارتكب من وجهة نظر العسكر إعادة رفع الآذان من مساجد تركيا بعد حداد دام أكثر من ربع قرن من الزمان.
لقد مهدت العوامل الثلاثة الطريق أمام رفاق أردوغان وأحمد داوود أوغلو وزير الخارجية في حكومة أردوغان الذى يعتبره الأتراك العقل المدبر للثورة الصامتة التي تعرفها تركيا اليوم فالرجل ينظر إليه اليوم باعتباره من كبار العقول الإستراتيجية في العالم فهو أستاذ جامعي كان له دور قبل أن يتولى مسؤليات حكومية فى بلاده فى التخطيط للنهضة الماليزية وهو يجمع بين استيعاب كبير للفكر الغربي وخاصة فى مخرجاته الفلسفية والإدارية وبين تعمق فى فكر الحركات الإسلامية فهو حسب ما تقول أوساط ثقافية تركية من المتأثرين بالمدرسة الغنوشية – نسبة إلى المفكر الإسلامي الشيخ راشد الغنوشي - تلك المدرسة القائمة على " استنبات الديمقراطية" فى المحيط الإسلامي وقبول إقامة دولة العقل والحداثة طريقا إلى إعادة الأمر للأمة، وإنهاء حال الاستلاب الثقافي والسياسي الذى أنهك الأمة وحكم عليها بالذيلية بعد أن كانت فى القيادة والريادة طيلة قرون طويلة.
وجد الجماعة الطريق ممهدا فدلفوا منه مسرعين محددين هدفهم بوضوح متخففين من الشعارات الإيديولوجية التي ظلت عائقا أمام تجارب أسلافهم الإسلاميين فالجماعة يجهرون بأنهم حزب علماني ديمقراطي ، وأن كلما يريدون هو أن يمكن الناس من حرياتهم الفردية فمن شاء أن يتدين فليتدين ومن شاء أن يتخفف من التدين فليفعل.
الديمقراطية أولا
وبرغم ما سببته هذه المقاربة غير المعروفة في السياق الإسلامي من لغط واتهام للخارجين من عباءة " المعلم" أربكان بالخروج عن المنهج الإسلامي لكن حصيلة عشر سنوات من تطبيقها تؤكد اليوم أنها كانت موفقة ومؤسسة على تحليل دقيق للحالة التركية فها قد سمح هذا المدخل العلماني في النهاية بحلحلة أهم الملفات التي كانت تواجه المتدينين – بله الدين نفسه - في تركيا ولعل القرار الذي أصدره أخيرا المجلس الأعلى للتعليم بحظر حرمان المحجبات من التعليم يمثل أكثر الثمار وضوحا على أن المدخل العلماني الديمقراطي هو الأنسب في تركيا لتمكين الناس من التمتع بالعيش وفق رؤيتهم الإسلامية.
ومع أن في التجربة التركية جوانب كثيرة ترتبط بالخصوصية التركية لكن قادتها لايفتئون يؤكدون على أهمية ترسيخ الديمقراطية والحرية طريقا ليس فقط لتمكين الناس من إدارة شؤونهم بل وأيضا طريقا للتنمية والإزدهار، وقد لفت انتباهي أن هذه الفكرة كانت الأكثر ترددا على ألسنة من التقيناهم من المسؤلين الأتراك فهي تكاد تكون لازمة الخطاب؛ فالخارجون من عقود " العسكرتاريا يرون أن رسالتهم الأساسية " لإخوانهم المسلمين" هي أن يجعلوا النضال من أجل الديمقراطية والحرية على رأس سلم الأولويات.
مثال العلاقة مع الكيان الصهيوني والموقف من القضية الفلسطينية فكثيرا ما استغرب الناس أن لايجد حزب إسلامي المرجعية حرجا فى الاستمرار فى التحالف الإستراتيجي مع الكيان الصهيوني لكن حصيلة " الثورة الصامتة" فى تركيا اليوم توضح بجلاء كيف تحولت تركيا من الحليف الاستراتيجي الأول للكيان الصهيوني فى المنطقة إلى السند الأول للموقف الفلسطيني والواقف الأول أمام الصلف الصهيوني، ولاشك أن الجميع يتذكر المواقف البطولية الرائدة التى سجلتها حكومة أردوغان منذ الحرب الصهيونية على قطاع غزة، بدء بمقاطعة أردوغان لحديث بيريز فى دافوس مرورا بإرغام الصهاينة لأول مرة فى تاريخهم على الاعتذار، وصولا إلى المواقف المصاحبة لأسطول الحرية، ولعل من المهم هنا الإشارة إلى أن التحول الحاصل في الموقف التركي من القضية الفلسطينية ليس تحولا فوقيا فقط، بل إنه تحول عميق فتركيا تشهد فى الواقع صحوة هائلة تجاه الموضوع الفلسطيني وقضية غزة حاضرة بقوة فى الشارع التركي فالجميع هنا يحس أن من واجبه أن يعد جيشا كبيرا لتحرير الأقصى كما يقول أحد النشطاء المدنيين الأتراك الذي زار فلسطين مؤخرا وتلقى من هناك نداء استغاثة رد عليه بالتعبير السابق، ولاشك أن استشهاد تسعة مناضلين أتراك على متن أسطول الحرية قد زاد من قوة التحام الأتراك بالقضية الفلسطينية وهو ما عكسته المظاهرات الحاشدة التى استقبل بها المشاركون فى الاسطون واستقبل بها من قبل أردوغان حين وقف شامخا أمام صلف بيريز تاركا خلفه الأمين العام للجامعة العربية يبتلع إهانات العجوز الصهيوني المتعجرف.
وبدل أن يضيق حكام تركيا ذرعا بالتضامن الشعبي مع فلسطين ويقفون حراس بوابات للصهاينة كما تفعل حكومات عربية عدة اليوم فقد وظفوه فى تكريس مزيد من الدعم للشعب الفلسطيني وتبني قضيته في المحافل الدولية فنحن نبني علاقاتنا الخارجية على رؤية واضحة لمصالح تركيا ونحرص أن نتحسس نبض شارعنا في توجهاتنا الدبلوماسية يقول رئيس الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية ، وتلك براعة أخرى من براعات رفاق أردوغان تذكر بالبراعة التى رفضوا بها فتح الأجواء التركية أمام النزق البوشي أيام العدوان على العراق فقد استدعت الحكومة يومها البرلمان وأحالت إليه الطلب الأمريكي وكانت النتيجة رفضا قاطعا لتوظيف الأجواء التركية في الحرب على عاصمة الرشيد ولم يجد بوش " المبشر" يومها بالديمقراطية بدا من ابتلاع الضربة والبحث فى الجوار العربي الخاضع عن أرض وسماء يتم منها تدمير العراق وإسقاط بغداد، وكما هو معروف فقد كان له ما أراد وزيادة.
لقد انعطفت تركيا إذا نحو الشرق ولكنها بقيت في الوقت نفسه منفتحة على الغرب وهو ما جعل الأوربيين يواجهون اليوم مأزقا حقيقيا في التعاطي مع الحالة التركية فهم من ناحية خائفون وجلون من إدخال " اللاعب التركي" المسلم في المنتدى الأوربي المسيحي وهم من ناحية ثانية يغارون من النفوذ الكبير الذي تحققه تركيا في محيطها الإسلامي ويرغبون فى نفس الوقت فى توظيف هذا النفوذ للمصلحة الأوربية، وقد سمحت هذه الوضعية للحكومة التركية بهامش مناورة كبير مع الإتحاد الأوربي فقد انتهى الزمن الذي كانت فيه تركيا تحصر رهاناتها في الانضمام للنادي الأوربي ويحبس الأتراك أنفاسهم في كل مرة يحين فيها موعد جلسة تفاوضية مع الإتحاد الذي تجاهر دول رئيسيه فيه أنه يجب أن يحافظ على " هويته المسيحية".
يتواصل ...
نقلا عن السراج الإخباري