مشاهدة النسخة كاملة : هل يحترق لبنان؟


ام خديجة
10-11-2010, 03:51 AM
هل يحترق لبنان؟
http://alquds.co.uk/today/10qpt97.1.jpg
عبد الحليم قنديل

هل يذهب لبنان إلى حــــرب أهلــــية مجــــددا، وهل تعــود حواجز القتل على الهوية والفـرز الطائفي والمذهبي، وهل يحترق لبنان الجميل الصغير المثقل بمخاطر اللحظة وهمومها وحروبها؟
بالفعل، ثمة خطر حقيقي في بلد تبدو صيغته السياسية الحاكمة هشة جدا، وعلى كف عفريت، وتبدو استقطابات الجماعات فيه على قدر مفزع من الحدة، وتبدو تصريحات الأطراف على قدر من السخونة المنذرة، وتبدو البيئة الداخلية مهيأة لإطلاق البيان الأول للحرب الأهلية .
العنوان هذه المرة اسمه المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري، و'القرار الظني' للجنة التحقيق الممهدة للمحاكمة المتوقع صدوره، الذي يتحول هذه المرة عن اتهام سورية، ويتوجه بالاتهام إلى كوادر وقيادات في حزب الله، وفي المرتين بدا الاتهام سياسيا محضا، ويخلو من شبهة قانون أو حياد قضائي، بدا الاتهام مصنوعا بشهادات زور وتلفيقات أجهزة مخابرات غربية وأمريكية وإسرائيلية، إلى حد أن سعد الحريري ـ نجل رفيق ـ اعتذر عن تورطه هو الآخر في اتهام سورية، وعزى ما جرى إلى تضليل شهود الزور، وبدا باعتذاره لسورية كأنه يشكك في عمل المحكمة الدولية ولجان تحقيقها، لكنه لم يواصل الشوط لآخره، وترك الباب مواربا لإمكان تكرار الخطأ ذاته، وبصورة أخطر، وتحويل دفة الاتهام السياسي لحزب الله، وجعل واقعة اغتيال الحريري الأب سببا في دمار لبنان .
وقد توالت تفاعلات القرار الظني ـ إياه ـ حتى قبل أن يصدر رسميا، حزب الله ـ ومعه الحق ـ أسقط الاعتراف بالمحكمة الدولية ولجان تحقيقها، واعتبر توجيه الاتهام لعناصره إعلانا للحرب ضده، ويسعى ـ مع حلفائه ـ لإيقــــاف تمــــويل المحكمة الدولية، وإلى التعجيل بفتح ملف شهود الزور الذين صدر ضدهم استدعاء قضائي سوري، ولو جرى فتح الملف فسوف تنقلب المعادلة كلها، وربما يتحول سعد الحريري ـ وحلفاؤه في جماعة 14 آذار ـ إلى قفص الاتهام، فبعــــضهم متهم بتدبير قصة شهود الزور من الألف للياء، والتواصل مع أجهزة مخابرات عربية وغربية في اخفائهم وتلقينهم، وافتعال تلال من قرائن وشهادات مزورة تراكم بعضها فوق بعض، وقيادة حملة سياسية صاخبة تحت شعارات مزيفة من نوع حرية وسيادة لبنان، وسعت لإخراج سورية عسكريا من لبنان.
وعلى ظن أن ذلك ربما يتيح لهم الانفراد بسلاح حزب الله، والدعوة لنزعه وتفكيكه، وحين لم يتحقق الهدف، كانت حرب صيف 2006 التي شنتها إسرائيل على حزب الله، ولما فشلت الحرب في تحقيق أهدافها، كانت العودة إلى نقطة البدء، وتوجيه الاتهام بقتل الحريري إلى حزب الله بدلا من سورية، وأملا في استئناف الحرب ضد سلاح حزب الله، وباســــتخدام قميص الحريري نفسه، وبقرار لجنة تحقيق المحكمة الدولية نفســـــها، وبفـــوائض مضافة تجعل الحرب مــــزدوجة هذه المرة، تدخل فــــيها إسرائيل كطرف مساند لجماعة الحريري وحلفائه من ماركة سمير جعجع وعائلة الجميل، وللأخيرين تراث محفوظ من العمل تحت قيادة الإسرائيليين في الحرب الأهلية اللبنانية السابقة .
القصة ـ إذن ـ أكبر من جدال لا معنى له حول محكمة مشكوك في أمرها، والخطة هي تفجير لبنان من الداخل، وتوريط سلاح حزب الله في حرب أهلية، وإشعال التوتر بين السنة والشيعة بالذات، وتعبئة السنة اللبنانيين ضد حزب الله، وعلى قاعدة مذهبية لا تتخفى بعناوينها، ومن نوع طلب الثأر من التنظيم الشيعي الأكبر الذي قتل الزعيم السني الأكبر، وهنا وجه الخطر الأفدح في القصة كلها، فسنة لبنان كانوا دائما هم الوجه الأظهر لعروبته، وكانوا قاعدة التأييد الأرسخ للناصرية في سنوات زهوها، وللمقاومة الفلسطينية التي لجأت إلى لبنان بعد مطاردتها في الأردن، وفي المرحلة الحريرية، جرى تزوير عروبة غالب أهل السنة في لبنان، خاصة بعد تراكم التصرفات السيئة من القوات السورية، وخاصة بعد أن دخل المال السعودي على الخط، وتراجعت الاتجاهات القومية العربية والناصرية في أوساط السنة، وتصاعد الشحن الطائفي ـ المدعوم بالمال السعودي ـ ضد الشيعة، وضد حزب الله بالذات، وهو ما جعل العداوة لإسرائيل في أوساط السنة تنزل إلى المرتبة الثانية، فيما صعد العداء المفتعل لحزب الله إلى المرتبة الأولى، ثم يجيء الاتهام السياسي لحزب الله بقتل الحريري، ومن وراء القناع التنكري للمحكمة الدولية الخاصة، ويقلب الحقائق، ويزور الانفعالات والنفوس، ويطمس العداء لإسرائيل، ويجعل لدى السنة عداء وحيدا لحزب الله، وعلى قاعدة ثأر مذهبي مفتعل، وهي لعبة خبيثة مدمرة، تزرع الفتنة في الوجدان، وتنتقل بشياطينها إلى الميدان، في صورة عمليات تسليح خفية وظاهرة لشباب من السنة اللبنانيين، وفي استدعاء تعصب جماعات إسلامية تكفر الشيعة، وفي التغاضي عن تسلل جماعات قريبة من خط تنظيم القاعدة، وتسليح جماعات يشترونها من الفلسطينيين، ودفعهم للتعبئة على خطوط حرب محتمله مع حزب الله، وفي صياغة عبثية للحرب الأهلية المقبلة.
الصورة تبدو مفزعة، ومفادها استدراج حزب الله لمعركة داخلية، يفقد فيها قوته المعنوية، وتمهد لضرب قوته المادية، وربما لا يعصم من الخطر الذي يستهدف حـــزب الله سوى حزب الله نفسه، ولو كان حزب الله أقل قوة مما هـــو عليه، أو أقل عقــــلا ورشدا مما يتمتع به قادته، ربما مضى المخطط إلى آخره، ونال نهايته في تحطيم لبنان ومقاومة حزب الله معا، لكن حزب الله يعرف طريقه، ويعرف أنه صمام الأمان للبنان كله، ولو لم يكن حزب الله بهذه القوة، وهذا الرشد، ربما كان لبنان قد غرق في ألف حرب أهلية مسلحة، لكن الحروب اللبنانية ـ إلى الآن ـ بقيت محصورة في التوتر السياسي، وفي منابر الإعلام، ومن دون أن تنزلق إلى صدام مفتوح وحرب زواريب بالسلاح، السبب إدراك الأطراف الأخرى لنتائج الحرب سلفا، ومعرفتها بأنه لا قبل لها بتحمل هزائم فورية كاسحة، ربما لذلك سعت أطراف الفتنة ـ المدعومة أمريكيا وإسرائيليا ـ إلى حيل التغطية المعنوية بحكاية مسؤولية حزب الله عن اغتيال الحريري، وإحداث شرخ غائر في نفوس أهل السنة بالذات، وقد تصرفت قيادة حزب الله بحس مسؤول.
واعتبرت اتهام عناصر في حزب الله بمثابة إهانة للشيعة والسنة معا، وتفريقا لوحدة المسلمين واللبنانيين، وسعت لإبطال مفعول القنبلة الموقوتة بالدعوة لاستقصاء ملف شهود الزور، وقدمت قرائن موثقة تتيح توجيه الاتهام لاسرائيل صاحبة المصلحة الحقيقية في قتل الحـــــريري، وسارعت إلى الإدانة الفورية لكلام مسيء بحق السيدة عائشة ـ أم المؤمنــين ـ صدر عن رجل دين شيعي كويتي مقيم في لندن، ووسعت نطاق العمل المشترك مع قطاعات عروبية مؤيدة للمقاومة في أوساط السنة، إضافة للكشف المتصل عن علاقة جعجع وآل الجميل بإسرائيل، والتلويح المدروس بالقوة لردع الصغار الساعين إلى اللعب بنار الحرب الأهلية.
نعم، ثمة خطر حقيقي يريد للبنان أن يحترق، وربما لا توجد ـ بالمقابل- من ضمانة لأمان لبنان أهم من قوة حزب الله وسلامة تصرفاته في الدين والسياسة.
' كاتب مصري

نقلا عن القدس العربي