مشاهدة النسخة كاملة : امبيريك ولد ارشيد..معماري بذائقة ألمانية


ام خديجة
10-10-2010, 06:31 PM
امبيريك ولد ارشيد..معماري بذائقة ألمانية
الأحد, 10 أكتوبر 2010
http://www.essirage.net/images/img/imberique1.jpg
(أذكر مرة خرجت "حجْرة" عن نظام التصفيف بأقل من 2سم أثناء بناء أحد المقرات الفرنسية فناداني المسيو ميشون بلكنته الخفيفة"امبيريك البناء لم يعد مستقيما"..

قلت له: ليس ذلك صحيحا لأني كنت دقيقا في عملي فأكد الأمر، ولما أخذنا المقياس كان الأمر على ما وصف ميشون، إنهم دقيقون جدا..إنهم أكثر دقة من الآلة التي صنعوها"، هكذا استطرد امبيريك في لحظة خاطفة عادت فيها لذاكرته صور من الزمن الغابر أيام كان يعمل مع "النصارى" في بناء المنازل وتشييد السدود في الحوضين.



امبيريك بن ارشيد الرجل السبعيني المنحدر من ضواحي مدينة لعيون الواقعة في الشرق الموريتاني حاليا، عمل منذ نعومة أظافره مع "النصارى"، كان في البداية يكسر الحجارة وينحت منها اللبن(جمع لبنة) لكن الفرنسيين اكتشفوا دقته الفنية في البناء وذوقه المعماري السامي فاعتمدوه بناء رسميا لمساكنهم وإداراتهم كما استعانوا به في بناء السدود في المنطقة.
http://essirage.net/cache/imbeirique21286712130_thumb_medium444_33 3.jpg
امبيريك و"المسيو مرلو"..خلف لسلف

تبدأ قصة امبيريك مع بناء المنازل منذ سنة 1955..كان حينها فتى قوي البنية تام العقل ـ كما يقول ـ رغم صغر سنه إذ لم يكن تجاوز آنذاك الخامسة عشر من عمره..رغم أنه بدأ عمله في أواخر العهد الفرنسي بالمنطقة إلا أنه عمل مع فرنسيين كثر كانت تتوارد أسماؤهم عليه ببطء أثناء حديثه معنا..ميشون..بدلpedel..دي كونتاسي..كلفز..اكروب..اكليمى..غيرهم..كان امبيريك يستعين بقريبه ورفيقه في العمل ليذكره بأسماء بعض الفرنسيين الذين عمل معهم..لكن واحدا من هؤلاء لا ينساه امبيريك رغم أنه لم يدرك إلا أواخر أيامه في الإشراف على عمال البناء..ذلك هو"المسيو مرلو" الألماني الذي ألهم امبيريك كثيرا من خبرته في العمران."المسيو مرلو"..اسم تردد على لسان أكثر من متحدث مع مراسل السراج..كل الشيوخ الذين لقيناهم يذكرونه في عرض الحيث عن بداية العمران بمدينة لعيون.."المسيو مرلو" ـ حسب الرواية المحلية ـ جندي ألماني أسرته فرنسا في الحرب العالمية الثانية وسرعان ما اكتشفت أنه خبير عمراني فبعثت به مع قواتها المتمركزة في موريتانيا لكي يساعدهم في العمران..هذا هو "المسيو مرلو"في ذاكرة أهل لعيون لكنه عند امبيريك شيء آخر..فهو ملهمه الأول الذي أورثه خبرته المعمارية وترك له قبسا من الذوق الألماني في البناء.ذوق "المسيو مرلو" وخبرة امبيريك كانا وراء الجمال العمراني الذي تتميز به مدينة لعيون، تلك المدينة المطرزة بيدي امبيريك بعد أن طرزت تضاريسها يد البارئ القدير.
تاريخ من العمران

واكب امبيريك بناء كل المنشئات الرسمية في لعيون والنعمة وضواحيهما قبل الاستقلال..يقول"كنت معهم في بناء سد كرني وسد لعويتكات وسد أهل عبد الله ثم شارك في بناء دار النصارى في لعيون ثم دار الوالي والطب ودار الأشغال العامة..ويضيف امبيريك".بعد الاستقلال ورحيل النصارى أصبحت بناء رسميا لأهل المدينة بل إن بعض السياسيين كان يطلب مني أن أذهب معه إلى مدينته كي أبني له هناك..لكنني رفضت ..إني أحب مدينة لعيون..لا أطيق البعد عن هذا المكان..بنيت مسجد ادويرارة لأنها قريبة من لعيون.كانت المرة الوحيد التي ذهبت فيها ـ يقول امبيريك ـ عام سقوط طائرة بن بوسيف..كنت حينها في مدينة كيفة منهمكا في بناء منزل المحاسب مالك انجاي الذي ألح علي في ذلك ونقلني في سيارة مع حجارة العيون..سألناه عن تاريخ ذلك فقال"أنا لا أعرف التاريخ الجديد، ما أعرفه هو أن خبر الطائرة جاءني وأنا في حر ظهيرة مايو بكيفة أرتب الحجارة في المنزل المذكور".
ذكريات الفرنسيين

حينما تحدث امبيريك عن راتبه الذي كان يتقاضى من الفرنسيين أجاب بكل اعتزار"كانوا يعطونني قيمة 1500من العملة الأولى..وكنت العامل الوحيد الذي يتقاضى هذا الراتب..كان العمال يتقاضون ما بين1000 و500 من العملة الأولى..".سألناه هل كانوا يضايقونكم في الشعائر الدينية وهل دعوكم للمسيحية فانتفض كالمذعور قائلا:لا..لا..لا..لو فعلوا لتركنا العمل معهم..كل ما كانوا يفعلونه أنهم لا يعوضون لنا أيام عيد الفطر والأضحى والمولد، ولا يجبروننا على الحضور فيه..لكن أعيادهم يمنحونا فيها عطلا ويعوضونا عنها..مثل1ماي و14 يوليو وكانوا يخلدون الأخير بكثير من الاحتفال ولا أعرف معنى ذلك.
http://essirage.net/cache/imbeirique12867122521286712130_thumb_med ium444_333.jpg
شهادة كادت تضيع

هل منحك الفرنسيون شهادة؟..وقع هذا السؤال على منجم من الذكريات في مخيلة امبيريك..وكان قائما فجلس..قال"لما أزمع الفرنسيون الرحيل..دعوا كل العمال الذين كانوا معهم..وفي مراسيم مهيبة من الوداع بدأوا توزيع الشهادات مرتبة حسب الخبرة..كان الحاج بن اميس مقربا من النصارى ولذلك كلفوه بإعداد لائحة بالعمال المتميزين..كان المسيو بدل يدخل ويخرج..ولما نودي كل العمال لم أكن من بينهم..كانت بيني وبين الحاج بن اميس مشكلة فأراد أن (يضرني بذلك)..فجأة خرج المسيو بدل مسرعا وقال لماذا لم أسمع اسم امبيريك..لم يتكلم الحاج..قال له بدل:امنحه شهادة من الدرجة الأولى إنه أحقهم بها"..لكن شهادة امبيريك التي منحه الفرنسيون ضاعت منه في زمن البادية ـ كما يقول ـ
الهجرة المؤجلة

يتذكر امبيريك آخر فترته مع الفرنسيين حيث ألح عليه المسيو ميشون أن يذهب معه إلى فرنسا وأغراه بالراتب الكبير والعيش المريح..يقول امبيريك"رفضت ذلك..كان يلح علي جدا..وأرسل إلي شفيعا كي أوافق لكنني رفضت أشد الرفض".بقي امبيريك في لعيون بعد أن ذاع صيته وشاعت خبرته بين الناس فأصبح البناء الرسمي في ولاية الحوض الغربي..جل منازل المدينة خصوصا القديم منها بناه بيديه وألبسه ثوبا من الذوق الألماني في العمران..تلك الزخرفة التطريزية التي علمه "المسيو مرلو" معماري ألمانيا الأسير.
ما تبقى من بناء قديم

الآن بدأ امبيريك يخطو نحو الشيخوخة وضعف عن كثير من العمل ذلك ما يعيقه عن إكمال منزله الذي بادر ـ حسب ما قال ـ لبنائه قبل أن يقعده الضعف وكبر السن..لم يعد يملك من ذلك الزمن إلا خيوط من الذكريات تحتفظ بأشلائها ذاكرته التي خرقتها الشيخوخة..

نقلا عن السراج