مشاهدة النسخة كاملة : كأسك يا وطن


ahmed
01-22-2010, 04:04 PM
http://aqlame.com/local/cache-vignettes/L200xH197/arton509-3a837.jpg

عل المتابع للساحة السياسية الموريتانية، هذه الأيام، يلاحظ ميلا إلى إلقاء نظرة على ماضي الجمهورية الإسلامية، التي بلغت أشدها... فقد استقبل رئيس الدولة رئيس رابطة المقاومين، وتذكر اليساريون أحد قادتهم، ونشرت بعض المواقع الإخبارية تسجيلات تعود لمرحلة التأسيس، ونظم الحزب الحاكم، بمشاركة بعض الأحزاب، التي يصعب تصنيفها، في الموالاة أو في المعارضة، أياما تفكيرية حول "الحكامة"، ونظمت ندوات حول كتاب يتناول تاريخ موريتانيا السياسي... وكأن الجميع انتبهوا إلى أن تاريخ الجمهورية السياسي لا يمثل تراكما، عبر الزمان، وإنما يمثل مجموعة "قطائع"، ينفي فيها اللاحق السابق، ليبدأ من الصفر. ألم يوظف انقلابيو العاشر من يوليو، القرآن في هذا الاتجاه، حين استهلوا "البيان رقم واحد" بقوله تعالى:"وقل جاء الحق وزهق الباطل"، في استعادة واضحة لموقف الرسول صلى الله عليه وسلم، يوم فتح مكة، وحطم الأصنام وهو يردد هذه الآية، مع الاحتفاظ بالفوارق.

ومن تاريخه، أصبح كل نظام سياسي جديد، يبدأ من الصفر، لسبب بسيط، هو أن النظام الذي سبقه لم يترك أساسا يشاد عليه. ينسحب هذا الواقع المؤلم، على النظام السياسي، الذي نهض بأعباء الدولة لأول مرة. فقد أصر على أن يبدأ جمهوريته من الصفر؛ فشاد عاصمة جديدة، بعيدة عن الوطن وأهله؛ فهي أقرب إلى (ندر)، وداكار، منها إلى ولاته، وتيشيت، وشنقيط، ووادان. واختار، أو اختير له، علم شبيه بعلم جمهورية باكستان الإسلامية، في أقاصي آسيا، وتبنى قصيدة وعظ صوفي، لا يثير جرسها حماسا، ولا يدعو معناها إلى وطنية، أو ولاء لمبدأ، وإنما هي نظم تعليمي، من تلك الأنظام، التي شاعت في عصر الانحطاط، ويسميها الموريتانيون، حتى اليوم، شعرا! أصبح ذاك النظم، الذي يبدأ على هذه الوتيرة الرتيبة: كن للإله ناصرا وأنكر المناكرا... نشيدا وطنيا للجمهورية الفتية!!!

ولتكتمل لوحة القطع، مع تاريخ البلد وثقافته، أطلق على الجمهورية الجديدة ذاك الاسم الذي أخرجه (كبلاني) من مجاهل تاريخ الرومان في المنطقة، فأصبح الشناقطة موريتانيين!!!

كان هذا الاسم الغامض فاتحة للغموض في كل شيء.. ولد الاسم في ظروف غامضة، وتحت أول خيمة موريتانية، لم تكن شبيهة بخيام الشناقطة، وإنما مثلت نعيا لها. كانت خيمة الاستقلال، بالنسبة للشناقطة، شبيهة بخيمة (الرق)، تطوى بعد الاحتفال، وتبقى الخيام، سواها، مكانها. لكن خيمة الاستقلال بقيت بعد الاحتفال، لتنشر تأثيرها إلى باقي (لفريق).. من يومها تقلصت مساحة الخيام، لصالح الحجارة والطين، فكان لا بد للعمران الجديد من أن ينشر قيمه، وكان لا بد لتلك القيم من أن تكون على هيئة ذلك العمران.

كان العمران عشوائيا فجاءت القيم شبيهة به؛ فرضت خيمة الاستقلال لغة غريبة، ظل مجتمع الشناقطة محصنا في وجهها، وأقامت نظاما اجتماعيا على أنقاض ذاك الذي عرفه المجتمع قرونا عديدة، وأعلت من شأن القيمة الرمزية للنقود.. من هنا خطاب رئيس الدولة حول الأزمة الأخلاقية، ومن هنا أيضا إحجام المثقفين، والسياسيين عموما، عن مؤازرة الحملة على الفساد، تحت ذرائع مختلفة، أحيانا، ومختلقة أخرى...

أسندت خيمة الاستقلال، التي تحولت سريعا إلى إسمنت مسلح، السلطة إلى زعامات جديدة، بحجة يراها المجتمع دليل إدانة؛ رضى النصارى عنهم، وإتقانهم لغتهم!

لم يكن المجتمع متحمسا لمظاهر السلطة الجديدة، وهو ما يشير إليه المختار ولد داداه، رحمه الله، في مذكراته، فقد قامت تلك السلطة على أنقاض مصادر السلطة، التي كانت معروفة لديه. لكن مشروع السلطة الجديدة استمر في النمو، فأقيمت الدولة، بديلا عن الإمارة، والقبيلة، وإن ظلت كلتاهما تنهض بدور رمزي، ضمن إطار المجتمع التقليدي.

لكن المشكل الجوهري هو أن مشروع الدولة ظل، مثل اسمها، غامضا. فلم يستطع المؤسسون، رغم جهودهم، وحسن نواياهم، وضع مشروع مجتمعي واضح، بفعل اختلاف التيارات الفكرية التي تنازعتهم؛ فقد كان بعضهم اشتراكيا، والبعض الآخر ليبراليا.. بعضهم قوميا عروبيا، وبعضهم قوميا إفريقيا، بعضهم يدعو إلى الانضمام إلى هذا الجار أو ذاك، وبعضهم يريد الذوبان في الاتحادات الإقليمية... لم يكن يجمع بين المؤسسين سوى التعلق بالثقافة الفرنسية، والطموح السياسي، لذلك وجد المختار عنتا شديدا في السيطرة على هذه الفسيفساء، مدعوما بالفرنسيين؛ كان عليه التخلص من كاريزما ولد يحي انجاي، وطموحات سليمان ولد الشيخ سيديا، ووأد أحلام بوياقي ولد عابدين.

بعد أن تخلص المختار من خصومه السياسيين شرع في بناء دولته، دون مشروع مجتمعي واضح، فعلى المستوى الثقافي لم يستطع تحديد هوية دولته بشكل واضح، فابتكر مقولة، للهروب من الإشكال، فسماها (trait d,union)، وترجمت الكلمة إلى العربية لتصبح (همزة وصل)، وهي ترجمة غير دقيقة؛ ذلك أن الكلمة الفرنسية (خط وصل)، في المعجم، تعني: "خط صغير يربط أجزاء كلمة مركبة". وهو، في بنيته، لا ينتمي لأي من الجزأين الذين يربط بينهما، كما في كلمة (sous-officier)، مثلا. فالخط هنا يسمح بربط الكلمة الأولى بالثانية، عن طريق تخصيص معناها. وإذا ربطت نفس الكلمة بأخرى، فإنها تعطينا معنى مختلفا تماما، كما في كلمة (sous-alimentation). أضف إلى ذلك أن (خط الوصل) ليس له معنى، في ذاته، فهو ليس حرفا، منتميا للغة، وإنما هو شكل هندسي، استعير لأداء وظيفة لغوية، بينما تنتمي همزة الوصل، انتماء أصيلا إلى إحدى الكلمتين، ولم تكتسب وظيفة الوصل إلا بحكم موقع الكلمة التي تنتمي إليها، في النص.

رغم هذه الفروق، فإن (خط الوصل)، و(همزة الوصل)، يجتمعان في صفة الحذف، عند القراءة. لكن عملية الحذف هذه تؤثر في شكل الهمزة، بفعل وظيفة الوصل، فتصبح ألفا (مهملة)، بينما لا يتغير شكل الخط...

سواء اعتمدنا الكلمة الفرنسية، أو ترجمتها العربية، فإننا نجد أنفسنا أمام تصور للدولة الموريتانية، يلغي خصوصيتها وتميزها، لتصبح مجرد رابط، بين كيانين، لا تنتمي لأي منهما، أو مهملة بكل بساطة!

أضف إلى ذلك أن هذه الصيغة لم تكن ابتكارا من الرئيس المؤسس، وإنما كانت استعارة من الموروث الاستعماري، كما استعيرت منه أشياء أخرى كثيرة. فقد عد الفرنسيون موريتانيا خط وصل بين مستعمراتهم في شمال إفريقيا، وغربها، لذلك استخدموا الخط استخداما هندسيا، فجعلوه مستقيما ليكون أقرب مسافة بين مستعمراتهم. كانت موريتانيا، بالنسبة لهم معبَرا، فلم يعمروها كما عمروا المستعمرات في شمالها، وجنوبها، لذلك ظلت مهملة...

تصور الرئيس المؤسس دولته (خط وصل) بين العالمين العربي والإفريقي، فظلت تتردى بين المجموعتين، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، وظل الرئيس المؤسس يتحرك على خط رفيع، بين المكونين الإثنيين لشعبه، فاعتقد أن اللغة، والثقافة الفرنسية، يمكن أن تكون قاسما مشتركا بينهما، بدل أن يؤسس على الإرث الثقافي الإسلامي، الذي جمع بينهما قرونا!

وفي المجال الاقتصادي لم يحسم الرئيس المؤسس أمره أيضا. فلم يكن قادرا على تبني النهج الاشتراكي، بسبب علاقاته الحميمة بفرنسا، ولم تكن لديه بنية اقتصادية تسمح له بتبني الرأسمالية. سمح النهج الاشتراكي في مالي بتطوير البنية التحتية، فشقت الطرق المعبدة، ووصلت الكهرباء إلى الأرياف. وسمح تراكم ثروات المستعمر في السنغال، بإقامة اقتصاد رأسمالي ثبت دعائم الدولة، بينما ظل الاقتصاد الموريتاني قائما على الصدقات، والبنية التحتية معدومة.

في وجه هذا التعثر الداخلي توجه الرئيس المؤسس إلى السياسة الخارجية، فحقق سمعة طيبة، بصفته وسيطا دائما، يمكن الاعتماد على نزاهته، لأن دولته بلا طموحات، راضية بوضعها، مستكينة لقدرها؛ فهي خارج الأحلاف، ليس لها انتماء أيديولوجي واضح؛ تداهن الجميع وتسأل الله السلامة، فعل الزوايا، قبل الاستقواء بالمستعمر...

من الملاحظ أن الهروب إلى السياسة الخارجية مثل، غالبا، طوق نجاة للمتعثرين في أوطانهم؛ فقد أسس ستالين مكانته الدولية على قمع الشعوب السوفييتية وإبادتها، واكتسب عبد الناصر صيتا لا يضاهى في العالم العربي، بينما ظلت أوضاع المصريين مأساوية، وكان المختار ولد داداه، وجها مرموقا، بينما لم تكن موريتانيا سوى كيان هش، مبتور من جذوره، بلا مشروع، ولا رؤية...

كان الرئيس المؤسس يعاني، في سبيل تأسيس دولة حقيقية، في الرقعة الجغرافية التي منحتها له فرنسا، فقرر توسيع تلك الرقعة (حطب الخادم)، في عملية هروب مألوفة لدى الأنظمة المتعثرة..

لم يكن قادرا على بناء موريتانيا (المهملة، مثل همزة الوصل)، فروج لموريتانيا الكبرى، "من الذراع، إلى أزواد، ومن أزواد، إلى شواطئ نهر السنغال."، حسب ما ورد في خطابه الشهير!

زج ب"قواتنا المسلحة، وقوات أمننا الباسلة"، في حرب تحرير"ذلك الجزء الغالي من وطننا"، ليلهي الناس، في الجزء المهمل، عن أوضاعهم المعيشية البائسة، كما فعل عبد الناصر، حين ورط الجيش المصري في اليمن، وكما فعل جنرالات الأرجنتين، حين اجتاحوا جزيرة المالفيناس... ولأن نفس الأسباب، غالبا ما تعطي نفس النتائج، خرجت قواتنا المسلحة، وقوات أمننا الباسلة، من الحرب، لتخرج الرئيس المؤسس من البيت الرآسي، كما أخرج الجنرال (غالتييري) من السلطة، حين استعادت تاتشر جزيرة الفولكلاند.

تلك هي الصورة، على مستوى الممسكين بالسلطة. أما على مستوى التيارات السياسية المعارضة، فقد تم استلهام أيديولوجيات بعيدة عن بنية المجتمع الثقافية والفكرية، أصبح القوميون العرب ماركسيين، بعد هزيمة 67، يبشرون بالثورة الثقافية، التي قامت في الصين ذات التراث البوذي، الكونفشيوسي، ويؤججون صراع الطبقات، كما نظَّر له يهودي ألماني، في إحدى غرف المتحف البريطاني الباردة!

لقد "كدحوا"، دون كلل، أو ملل، لاسترجاع "فائض القيمة"، الذي يسرقه الإقطاعيون، والرأسماليون من الفلاحين، والعمال، ولإقامة "دكتاتورية البروليتاريا"، في مجتمع بداة، يحفظ أطفاله القرآن، ويستظهر شيوخه المختصرات!! وتكلل النضال بانقسامهم، في السبعينيات، إلى "مناشف"، و "بلاشفة". انضم "المناشف" إلى حزب الشعب، واختطف "البلاشفة" ثورة العاشر من يوليو المجيدة... واستمرأ "الكادحون" لعبة الازدواجية هذه، حتى اليوم، حيث "يكدح" بعضهم للنظام، و"يقدح" بعضهم في المعارضة.

وفي كل الأحوال، غاب الحس الوطني، ولم يكن هناك تصور واضح لمشروع مجتمعي ينبع من واقع الناس، وحياتهم، التي يعيشونها فعلا. مشروع مجتمعي، يأخذ في الحسبان مكونات المجتمع، المختلفة، وتاريخه.. لم تكن الدولة واضحة المعالم، ولا متصورة ككيان يتجاوز الخصوصيات، ويصهر الاختلافات.

واليوم، بعد نصف قرن من الاستغلال، لا يزال مفهوم الوطن والدولة غامضين بالنسبة للنخبة الموريتانية، ناهيك بالمواطن العادي. فقد جاءت ديمقراطية "لابول" بعشرات الأحزاب السياسية، لكن أيا من الأحزاب الرئيسة، لا يحمل صفة "الوطني"؛ فهي إما جمهورية، أو تقدمية، أو ديمقراطية... ولم يفكر أي سياسي في إنشاء حزب وطني!

والأغرب من هذا أن بعض ممثلي الدولة لا يدركون أنهم يمثلون وطنا، وشعبا، مما يفرض عليهم سلوكا يليق بصفتهم الاعتبارية! فقد قبَّل أحد دبلوماسيينا يد الملك، الذي يمثل الدولة الموريتانية عنده، وهو لا يعلم أن تقبيل يد جلالته، امتياز خاص لمواطني المملكة!

ومنذ أسابيع تناقلت بعض مواقع الأخبار، من باب الإشادة، والاستحسان!، أن وزيرة خارجيتنا، وقفت في طابور المسافرين العاديين، في مطار القاهرة، لإتمام إجراءات سفرها بنفسها، ورفضت الدخول إلى قاعة الشرف في المطار!

لم تدرك الوزيرة أنها بذلك أهانت الشعب الذي تمثله.. فامتياز الجواز الدبلوماسي، وقاعة الشرف ليس لشخصها، الكريم، لتتنازل عنه متى شاءت، وإنما هو امتياز لصفتها الاعتبارية، التي تعبر عن دولة ذات سيادة، يعامل موظفوها السامون معاملة خاصة.. وحين تقرر التنازل عن تلك الامتيازات، عليها أن تترك وظيفتها. أما تنازلها عنها، وإصرارها على المنصب، فهو إهانة للدولة، وللشعب.

فليس هناك وزير خارجية، في العالم، يجرأ على فعلتها، بل إنهم يحرصون على التمتع بامتيازاتهم، لإدراكهم أنهم يمثلون دولة، وشعبا، حقيقا بالإكرام والتبجيل. ألم تقم الدنيا، في تركيا، ولم تقعد إلا بعد اعتذار رسمي، لأن سفيرها أهين، بإجلاسه على كرسي منحدر عن كراسي مضيفيه! ومن قبل تذرعت فرنسا، لاحتلال الجزائر بإهانة سفيرها من قبل داي الجزائر.

يظهر هذا التصرف عدم الفصل بين الدولة والشخص؛ فالوزيرة تكيف الوزارة لمزاجها الخاص، بدل أن تخضع مزاجها لمقتضيات الوظيفة. ويعود ذلك إلى غياب التراكم المؤسسي، والتقاليد المرعية، التي تظل ثابتة، وإن تغير شخص الوزير. يجعل هذا الفراغ المؤسسي كل وزير يرتجل، حسب معرفته، وحسب مزاجه.

وما يؤسف له، هو أن البعض صنف ذلك الفعل الشنيع في دائرة التواضع! وهذه رؤية تظهر مدى الخلط بين الشخص، والوظيفة. يحق للشخص، بل ينبغي له، أن يكون متواضعا في سلوكه الخاص، لكن لا ينبغي له الإضرار بهيبة الدولة، ومكانتها في الخارج، لأن سلوكه، الشاذ، لن يفسر في خانة التواضع، وإنما سيفسر بجهله للأعراف المتبعة في مجال عمله، أو عدم إدراكه لطبيعة وظيفته. من هنا دهشة موظف الجوازات، حين وجد أمامه وزيرة خارجية تمد جوازها بنفسها، وتزاحم (الغلابة)! ولعلها سافرت في الدرجة السياحية، وركبت تاكسي من المطار، لتنزل في فندق شعبي...إمعانا في التواضع...

تلك هي كأسك، يا وطني! نصفها مليء بالانقلابات العسكرية، ونصفها الآخر؟

دكتور/محمد إسحاق الكنتي
منقول من أقلام حرة