مشاهدة النسخة كاملة : إشراقات شنقيطية الحلقة الثامنة "...وتعرب الملثمون تعربا لارجعة فيه "


محمد فاضل بن أحمدو
10-07-2010, 08:36 PM
إشراقات شنقيطية الحلقة الثامنة
"...وتعرب الملثمون تعربا لارجعة فيه* "

لئن كانت المدن التاريخية الصحراوية-كشنقيط وأخواتها- قد عرفت نشاطا ثقافيا متناميا خلال العصور اللاحقة لقيام دولة المرابطين، وتطورت فيها الدروس الإسلامية عامة ودرس الفقه المالكي خاصة ، فإن نزوح قبائل بني حسان ، قد شكل تحولا نوعيا في الثقافة العربية الإسلامية في هذه المدن وقطيعة حاسمة عن ما قبله ، حيث أنتجت المدارس الصحراوية بعد نزوح القوم " ثقافة عربية إسلامية واسعة الانتشار ثرة العطاء[1]".
ومن المعلوم أن نشر الإسلام في حد ذاته لم يكن للمعقليين وظيفة خلال رحلتهم الطويلة وترسيخ اللغة العربية لم يكن لهم مقصدا ، لكنهم رغم ذلك كانوا سببا في تعريب بلاد الملثمين "من حيث لا يدرون ولا يريدون [2]" كما كانوا قبل ذلك سببا في "تعريب بلاد المغرب العربي [3] " وإذا كان تعرب منطقة الصحراء قد جاء متأخرا عن باقي المناطق الأخرى فإنه كان أشد وأعمق وأشمل وأرسخ وأسرع .
اخترقت اللغة العربية " بلاد صنهاجة " مع قدوم الإسلام لكنها ظلت مقصورة طوال عدة قرون على النخبة المثقفة من المجتمع الصنهاجي بل "كان ذلك على نطاق ضيق لا يتجاوز المعارف الإسلامية[4]" .
كان بعض أساتذة "صنهاجة " الأوائل متبحرا في العلوم العربية ، لكن التحول الثقافي بمعناه الاجتماعي ومستواه الشعبي لا يتأتى – في الغالب – بسهولة لما تتمتع به الثقافة من حصانة وانغراس في اللاشعور، وفي السلوك وفي الوجدان ، ولذلك فقد ظل السواد الأعظم من سكان الصحراء – حتى في المدن – يتكلم الصنهاجية " البربرية " و " الآزيرية " المركبة من بربرية وزنجية حتى دخول بني حسان ، حيث اكتسحت " الحسانية " عموم البلاد وحلت محل تينك اللهجتين وأصبحت تدريجيا هي وسيلة عامة الناس للتعبير عن أغراضهم اليومية حتى نسي بعضهم أن أسلافه قد تكلموا "الصنهاجية والآزيرية" والتزم البعض الآخر بازدواجية ظلت في تناقص وانسفال لصالح لغة الضاد .
أثر انتشار "الحسانية " تأثيرا عميقا على مستوى النخبة المثقفة المهتمة بالعلم والمعرفة من أبناء الصنهاجيين "فتر سخت التقاليد المعرفية العربية الإسلامية بين صفوف قبائل الزوايا [5] " وبدأ الاهتمام بالدرس اللغوي بأقسامه المختلفة يزداد يوما بعد يوم "... فكانت الحسانية هي القنطرة لأهل هذا العهد إلى العربية[6]" .
وظل تعريب قبائل صنهاجة يتعمق يومابعديوم، فأقبلوا على دراسة اللغة العربية " بشغف حتى أخذوا بناصيتها وراضوا أوابدها وذللوا قطوفها تذليلا ، فصارت الفصاحة لهم سمة كالجبلة وأدركوا أن اللغة العربية هي العامل الأول في الانتماء القومي ... ولقد بلغ حبهم للعربية والدين ... أن إرتدوا جلباب العروبة ، فتشبثوا بأنساب عربية نقية فمنهم من زعم ... الانتماء لقريش ... ومنهم العلويون والهاشميون والبكريون والأمويون والفهريون والأوس والخزرج ... ومنهم من أقر بصنهاجيته وتمسك بعروبة صنهاجة .. [7]".
ولم تخل أشعار الشناقطة في القرون الموالية – بعد ما نضجت تجربتهم وقوي عودها - من الإنكار على من يشكك في عروبتهم جميعا أو يشك في عروبة قبيلة معينة، فهذا الشاعر الحسني محمد فال بن عينين [8] يدلل على عروبة قبيلته بشاهد حاضر هو التمكن من اللغة العربية وتطويعها شعرا ونثرا :

إنا بني حسن دلت فصاحتنا * أنا إلى العرب العرباء ننتسب
إن لم تقم بينات أننا عرب * ففي اللسان بيان أننا عرب
أنظر إلى مالنا من كل قافية * لها تذم شذور الزبرج القشب
الطفل يولد فينا كابن ساعدة * منقحا دررا أصدافها ذهب

أما الشاعر محمدي بن أحمد فال فإنه يبرهن على عروبة قومه بالشكل واللون بالإضافة إلى الإيمان واللسان :

يا قائلا طاعنا بأننا عرب * قد كذبتك لنا لسن وألوان
وسم العروبة باد في شمائلنا * وفي أوائلنا عز وإيمان
أقيال حمير والأسياد من مضر * شم الأنوف فما ذلوا وما لانوا

أما محمذ بن الهاشمي الأيد مسي الألفغي فيفتخر بانتماء قبيلته إلى الأنصار لكنه لا يقدم من الدليل سوى أن " أرباب الأسنة " لهم العلم بذلك وكأن الأمر أصبح من المفشو بحيث لا يحتاج إلى دليل :

وتعلم أرباب الأسنة أننا * نسبنا إلى أنصار صفوة هاشم

لا يمكن في نظرنا الجزم بأن الدرس اللغوي لم يكن موجودا على الإطلاق في " زوايا " المدن الصحراوية قبل عهد بني حسان ، والذي يمكن الجزم به هو أن تعلم اللغة العربية بمختلف فروعها قد شهد ازدهارا في بداية القرن العاشر الهجري 16م وقد أعطى هذا الازدهار أكُله على المستوى الفكري المتمثل في الكتابة والتأليف ، الأمر الذي لم نجد ذكرا له قبل منتصف القرن العاشر الهجري ، فأقدم مؤلف معروف في الفقه حسب مراجعنا – هو مواهب الجليل شرح مختصر خليل الذي كان مؤلفه[9] حيا سنة 953هـ /1546م كما أن أقدم مصنف في النحو هو شرح الأجرومية وكان مؤلفه[10] حيا سنة 937هـ /1526م .
مع نهاية القرن العاشر عرفت حركة التأليف تزايد مضطردا ، فانتشر التأليف في القرن الحادي عشر هـ 17م إلا أن بواكير التأليف عند الشناقطة قد اقتصرت – أساسا – في الاختصارات والشروح والهوامش والحواشي والتعاليق والتفسيرات والمقدمات[11].
ساهمت الرحلات العلمية إلى العربية والإسلامية في ترسيخ تعلم اللغة العربية وتوسع المعارف الأخرى بوجه عام بالأخذ عن العلماء والسماع منهم واستجلاب الكتب من تلك البلاد ، فإلى جانب السفر الذي شكل شريانا مهما في تزويد المنطقة بالعلم والعلماء منذ فجر الإسلام ، فقد عرفت شنقيط كذلك رحلات متمحضة لطلب العلم "فلم يتردد كثير من الشناقطة في ضرب أكباد الإبل شرقا وغربا أو السير على الأقدام ، لحج بيت الله الحرام ولاكتساب العلم واقتناء الكتب [12]".
"... وكثيرا ما يعمل النابهون من المجازين الرحلة إلى المغرب أو إلى المشرق لاستكمال زادهم العلمي والتحلى بإجازات جديدة تكون – ما أمكن – عالية السند [13] ". وقد كان للرافدين المغربي والمصري أكبر الأثر على الثقافة الشنقيطية [14] وخاصة الأول حيث كانت الثقافة الشنقيطية عموما في بدايتها "ميدانا للثقافة العربية الإسلامية كما كرستها السنة المغربية الأندلسية من أشعرية سنوسية في العقائد ومالكية خليلية في الفقه تساندهم علوم اللغة لمدونة في المتون التعليمية خاصة مؤلفات ابن مالك في النحو والخطيب القزويني في البلاغة [15]" .
وفي أواخر القرن العاشر الهجري توسعت المعارف في البلاد الصحراوية بعد تحول الثقل الثقافي من المدن إلي الأرياف وانتشار "المحاظر"علي نطاق واسع في المدن والأرياف .


الهوامش
----------------------------------------------------

- العنوان مقتبس من كلام لأستاذنا المرحوم أحمد (جمال) بن الحسن

[1] - أحمد بن الحسن: الشعر الشنقيطي ص 73 (م س ).
[2] - الخليل النحوي المنارة والرباط، ص 32 (م س).
[3] - أحمد بن الحسن: الشعر الشنقيطي... ص 74 (م س ).
[4] - المرجع السابق ص 79.
[5] - المرجع السابق، ص 75
[6] - محمد اليدالي: كتاب الجيم.
[7] - الخليل النحوي المنارة والرباط ص 285 (م س).
[9] - هو محمد بن أحمد بن أبي بكر الوداني وقد عرف كتابه ب ( الجامع ) وفي ترجمة البر تلي له قال:صاحب الجامع ( انظر الطالب أحمد بن أبي بكر البر تلي الولاتي: فتح الشكور في معرفة علماء التكرور ط2 – دار الغرب الإسلامي 2007م ص 113 ).
[10] - هو اند عبد الله بن سيد احمد المحجوبي الولاتي ت (937هـ / 1526م ) ص 159 (م س ).
[11] - -المختار ولد حامد: حياة موريتانيا ج2، ص 6 ( م س ).
[12] - عبدا لله ولد بن احميدة : الشعر العربي الفصيح ص 92 ( م س ).
[13] - المختار ولد حامد: حياة موريتانيا ج2، ص 6 ( م س ).
[14] - محمدالمختار ولد السعد إمارة الترارزة ج1، ص 279 ( م س ).
[15] - احمد ولد الحسن: الشعر الشنقيطي ، ص 77 ( م س).