مشاهدة النسخة كاملة : المصالحة الفلسطينية بين الشك والأمل


ام خديجة
10-07-2010, 03:42 AM
المصالحة الفلسطينية بين الشك والأمل

http://img709.imageshack.us/img709/8183/120987.jpg

كان توصل “فتح” و”حماس” في لقائهما الأخير في دمشق إلى صيغة للتفاهم على النقاط الخلافية الواردة في الورقة المصرية للمصالحة، وحالت دون توقيع حركة “حماس” عليها مفاجئاً للجميع، ليس لأن التوصل إلى هذه التفاهمات جاء من دون مقدمات فحسب، وليس لأن هذا اللقاء جاء صدفة وبعد إعلان قصير عن رحلة وفد حركة “فتح” لدمشق التي لم تثر أي جدل، بل لأن حجم الخلاف الذي كان بادياً على السطح فجأة تبخر وصار الحديث يجري عن التوصل إلى تفاهمات تتجاوز الخلاف .

الفلسطينيون يبدون سعادة لا تخلو من الشك بإمكان التوصل فعلاً إلى اتفاق ينهي قطيعة لأكثر من ثلاث سنوات بين الحركتين الكبيرتين، ويضع حداً للانقسام المدمر الذي تسبب في تدهور خطير في مناحي الحياة كافة في الساحة الفلسطينية .

قلق الفلسطينيين مرده إلى التجارب السابقة التي فشلت فيها الحركتان في التوصل إلى اتفاق على قواسم مشتركة تتجاوز النقاط والقضايا الخلافية بينهما، وآخرها فشل الجهود المصرية في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي عندما رفضت حركة “حماس” التوقيع على ورقة المصالحة بسبب تحفظات لها على بعض بنودها رفضت القاهرة وحركة “فتح” التعاطي معها وأصرتا على التوقيع وعدم فتح الورقة للنقاش من جديد .

ويمكن حصر النقاط التي حالت دون توقيع حركة “حماس” على الورقة وهي: الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية، وصلاحياته أثناء الفترة الانتقالية، وتشكيل لجنة ومحكمة الانتخابات، وتشكيل اللجنة الأمنية العليا وتحديد صلاحياتها، ومسألة المعتقلين السياسيين .

هذه الملاحظات من جانب حركة “حماس” ظلت في بؤرة التركيز والضوء كون “حماس” أحد طرفي الانقسام والحركة الأكبر إلى جانب حركة “فتح”، رغم أن هذه الملاحظات ليست الوحيدة على الورقة المصرية للمصالحة، فقد قدمت الكثير من الفصائل والشخصيات الوطنية الأخرى ملاحظات على الورقة، أهمها الاعتراض على صيغة تشكيل لجنة فصائلية مشتركة، أثناء المرحلة الانتقالية، بدلاً من حكومة واحدة تحكم في الضفة الغربية وقطاع غزة” .

نتيجة اللقاء بين الحركتين الكبيرتين في دمشق يبعث على التفاؤل لكنه يبقى تفاؤلاً مشوباً بالشك والحذر خشية الفشل نتيجة الغرق في التفاصيل وكما يقولون فإن “الشيطان يكمن في التفاصيل”، وهذه التفاصيل مهما كانت صغيرة وجانبية، إلا أنها كانت سبباً في أحداث سابقة في تفجر الأوضاع والعلاقات بين الطرفين .

وفي تفاصيل ما حدث في دمشق فقد نجح وفدا الحركتين برئاسة رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” خالد مشعل وعضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” عزام الأحمد في التوصل إلى تسوية في شأن النقاط الخلافية الواردة في الورقة المصرية .

مصادر قيادية في الحركتين قالت إنه بالنسبة إلى مسألة تشكيل “لجنة الانتخابات”، تم الاتفاق بين الجانبين على تحديد أسماء أعضائها بالتوافق على أن يتم استكمال المعالجة الكاملة لهذا البند بعد عرض الأسماء على الرئيس محمود عباس وأخذ موافقته عليها حتى يمكن صدور مرسوم في شأنها .

وفي الملف الأمني تم الاتفاق على أن تحال النقاط الخلافية على اللجان الأمنية المختلفة لبحثها والتوصل إلى صيغة توافقية بحيث تكون جاهزة لطرحها في جولة الحوار المرتقب عقدها في دمشق مطلع شهر الشهر الجاري ومنح الفرصة الكافية للجان الأمنية لتقوم بعملها في بحث القضايا الأمنية ومناقشتها من أجل محاولة إيجاد مخرج مناسب ومقنع يقبل به الطرفان .

وفي بند منظمة التحرير، تم الاتفاق على إعادة العبارة التي تم التوافق عليها خلال جلسات الحوار وحذفت في الورقة المصرية، والمتعلقة بالمرجعية (الإطار القيادي المؤقت) التي سيتم تشكيلها إلى حين إجراء انتخابات يكون من أبرز مهماتها معالجة القضايا المصيرية والتي تتعلق بالشأن الفلسطيني واتخاذ القرارات فيها بالتوافق، علماً بأن بنداً في مهمات هذا الإطار تم حذفه في الورقة المصرية، بحسب حركة “حماس”، وينص على “أن مهمات هذا الإطار القيادي المؤقت غير قابلة للتعطيل باعتبارها إجماعاً وطنياً تم التوافق عليه” .

وما يزيد من أهمية ما تم التوصل إليه في دمشق بين الحركتين هو الدعم المصري لهذه الجهود الفلسطينية الفلسطينية، إذ أعلنت القاهرة أنها تدعم الحوار الثنائي بين الحركتين وتأمل في التوصل إلى تفاهمات في ما بينهما على القضايا كافة، وأنها تنتظر ما ستسفر عنه هذه اللقاءات من أفكار وأشكال يمكن أن تسهم في إنجاز المصالحة، وأنها فتحت الباب لاستئناف جهود المصالحة ولم تضع شروطاً مسبقة .

قيادي مصري أوضح أن جوهر الموقف المصري هو تسهيل حل الأمور وليس تعقيدها، وأن الخطوة الأولى في طريق إنهاء الانقسام هو التوقيع على الورقة المصرية، فيما هناك خطوات لاحقة هي جزء لا يتجزأ من إنجاز المصالحة، وهي آليات التنفيذ ثم التنفيذ والتطبيق على الأرض، الأمر الذي قد يخلق حقائق جديدة، وقد يكشف أموراً غير واضحة، داعياً لأن يأخذ الحراك الحالي بين الحركتين وقته وعدم استعجال الأمور .

وكان قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واللجنة المركزية لحركة “فتح” مطلع الأسبوع الجاري والقاضي بوقف المفاوضات مع دولة الاحتلال “الإسرائيلي” احتجاجاً على إصرارها عدم تمديد فترة تجميد الاستيطان، وترحيب حركة “حماس” بالقرار، عاملاً مهماً قد يشجع الطرفين على المضي قدماً وتسريع خطوات المصالحة وإنهاء الانقسام .

بعد تجربة الانقسام المريرة وما خلفته من تدهور خطير في مختلف مناحي الحياة الفلسطينية، وتجربة المفاوضات الفاشلة في ظل استمرار التعنت “الإسرائيلي”، ينبغي على الطرفين أن يدركا أهمية استعادة الوحدة الوطنية، التي بغيابها يتغول المحتل ويستفرد بهما، ويفتك بالأرض بينما كل طرف مشغول بالمناكفة وبمصالحه الحزبية الضيقة . لقد آن الأوان لتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية الضيقة وتنازل كل حركة لمصلحة الأخرى لا يقلل من شأنها بل يزيد من مكانتها في الشارع الفلسطيني التواق للوحدة .

ويرى الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري أن اتفاق المصالحة يجب أن يرتكز على عدة أمور، أولها التمسك بالبرنامج الوطني الفلسطيني، الذي يقوم على إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في العودة إلى دياره وممتلكاته والتعويض وفقا للقرار ،194 وتمكينه من ممارسة حقه في تقرير مصيره بما يشمل حقه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس على حدود 1967 وتمكين الشعب الفلسطيني في مناطق 1948 من نيل حقوقه الفردية والقومية .

وأوضح أن الركيزة الثانية هي إنجاز شراكة سياسية وطنية حقيقية بالقول والفعل تؤمن لكل طرف حقه وما يستحقه فعلاً، بالمشاركة على مختلف المستويات على أسس وطنية وديمقراطية في منظمة التحرير والسلطة الوطنية .

والركيزة الثالثة بحسب المصري يجب أن تؤكد المحافظة على الأساس الديمقراطي للنظام السياسي، والسعي لتطويره باستمرار، بما يضمن استمرار وتعميق التعددية بكل أشكالها وتحقيق مبدأ التداول السلمي للسلطة، مع مراعاة ضرورة توفير حد أدنى من التوافق الوطني المتناسب، مع كون فلسطين تحت الاحتلال، وتمر بمرحلة تحرر وطني ديمقراطي وضمان الحقوق والحريات العامة للإنسان وسيادة القانون واعتماد الانتخابات الدورية والمنتظمة . ويقول القيادي في حركة “حماس” أحمد يوسف: “لاشك ونحن نعمل لإعادة التواصل والحيوية داخل ساحتنا السياسية أن نؤسس بشكل حقيقي - لنظام سياسي فلسطيني يحترم التعددية ويقوم على التداول السلمي للسلطة، ويعتمد مبدأ الشراكة السياسية كي يضمن حظوظ الجميع في إدارة الشأن الوطني، ضمن الرؤية التي يتوافق الجميع عليها، لحماية حقوقنا وثوابتنا الوطنية، والقائمة على المزاوجة المتوازنة بين الفعل المقاوم والعمل السياسي، حيث إن تعقيدات قضيتنا وضخامتها تقتضي استدعاء جهد الجميع وتوظيف طاقاته التنظيمية وعلاقاته الإقليمية والدولية من أجل هدف التحرير والعودة” .

هذا هو ما ينتظره الشعب الفلسطيني ويصب في مصلحته، فمن المهم التوصل إلى اتفاق على قاعدة صلبة تؤسس لعلاقات وطنية سليمة ومتينة تمنع العودة مجدداً إلى لغة السلاح والعنف في حسم الخلافات الداخلية، فليس من مصلحة أحد أن يتم تكرار نموذج اتفاق مكة مثلاً عندما وقعت الحركتان على الاتفاق في فبراير/ شباط 2007 ولم يصمد لأكثر من ثلاثة شهور وعاد الاقتتال والاحتكام للسلاح في الشارع وقاد في النهاية إلى الانقسام المدمر الذي يعاني منه الفلسطينيون حتى اليوم ولا يتمنون أن يطول عمره أكثر من ذلك .

ليس مطلوباً من الحركتين تبادل القبل والعناق والابتسام أمام عدسات المصورين على هامش التوقيع على اتفاق بينما كل طرف يكن في نفسه العداء والكراهية للآخر وينتظر الفرصة المواتية للانقضاض عليه، وإنما المطلوب أن يتحلى كل طرف بالنوايا الصادقة لإنهاء الانقسام والنظر إليه كضرورة وطنية ومصلحة عليا للشعب الفلسطيني .

ويبقى الحكم على هذه النوايا لقابل الأيام وللتاريخ.

نقلا عن دار الخليج