مشاهدة النسخة كاملة : ثلاثية الحرب والمعارضة و"الحراطين" في موريتانيا


ام خديجة
10-07-2010, 03:36 AM
ثلاثية الحرب والمعارضة و"الحراطين" في موريتانيا


http://img694.imageshack.us/img694/9894/121008.jpg

وزير في الحكومة الموريتانية يهاجم الجزائر، ومخاوف من انقسام المعارضة، وغضب متصاعد في قيادات العرب السمر، هذه هي أبرز عناوين الأسبوع السياسي في موريتانيا .

ولنبدأ مما كشفته “الخليج” خلال الأسبوعين الماضين عن “الغضب الموريتاني المكبوت” من موقف الجزائر من حرب الجيش الموريتاني على تنظيم “القاعدة” في شمال مالي .

فقد نشر هذا الأسبوع وزير الصحة الدكتور الشيخ ولد حرمة ولد ببانا مقالاً مطولاً هاجم فيه بشدة موقف المعارضة الموريتانية والجزائر من العمليات العسكرية الموريتانية الأخيرة ضد القاعدة .

دافع وزير الصحة بشدة عن السياسة العسكرية والأمنية لنظام الرئيس محمد ولد عبدالعزيز، مؤكداً أن الجيش الموريتاني، بعد أن كان في وضعية مزرية ولا تملك وحداته المعزولة في الصحراء سوى سيارات و”كميات قليلة من الذخيرة كأنها للذكرى” وبعد تسليحه وتجهيزه تمكن من نقل المعركة من شوارع نواكشوط إلى 600 كيلومتر خارج حدود البلاد، ونجح في وقف الهجرة السرية نحو أوروبا من الشواطئ الموريتانية لتصل هذه السنة إلى 4 مهاجرين فقط، في حين بلغت عمليات مكافحة تهريب المخدرات أعلى مستوياتها وتساقطت شبكات التهريب واحدة تلو الأخرى سواء في المدن، أو حتى في فيافي الصحراء على الحدود، مذكراً بالصورة السابقة حيث كانت عصابات تهريب المخدرات تقيم المطارات في الصحراء وتستخدم المطارات الرسمية .

وأكد ولد ببانا أن “القاصي والداني أصبح يدرك أن الجيش الموريتاني هو الجيش الوحيد في المنطقة المستعد لمواجهة الإرهاب في منطقة الساحل الصحراوي” .

وتساءل ولد ببانا “هل تم هذا الإنجاز العسكري على حساب البعد الديني والحضاري للبلد؟”، وأجاب “كلا، ففي موريتانيا، ومع بحبوحة الديمقراطية والحريات التي يعيشها البلد، الكل يعرف أن الرئيس (عزيز) أعاد الهيبة والاحترام اللازمين للمؤسسة الدينية في البلاد، وحارب الإرهاب بإذاعة القرآن الكريم، وطرد الصهيونية من البلد، وأطلق مشروعي مصحف شنقيط، وأكبر مسجد في تاريخ البلاد، ومجد العلماء وتم اكتتاب الأئمة، وإرسال بعثات الدعوة للدول الخارجية، وفتح الحوار الفكري مع التيار السلفي، واعتمد مقاربة الرحمة والإنسانية بإطلاق سراح السجناء السلفيين، وأعلن عن الانسجام مع الأهداف الكبرى للأمة” .

وقال إن “الرئيس محمد ولد عبدالعزيز كان ذكياً ومحقاً عندما أعلن، في حدث تلفزيوني، أن موريتانيا ليست في حرب مع القاعدة، لأن الرئيس يدرك أن تلك الحرب أوجدتها سياقات دولية هي المسؤولة عنها، وحدد الرئيس حربنا على أنها ضد جماعات مرتزقة تديرها قيادات أجنبية تمارس الخطف وتجارة المخدرات بدأت في استهدافنا وسفك دمائنا” .

وأكد أن “الانجاز العسكري والأمني” لم يتحقق على حساب مشروعات التنمية “فاقتصاد البلاد، بشهادة صندوق النقد الدولي، حقق إصلاحات باهرة في جميع القطاعات” في وقت “يتحقق فيه لفقراء موريتانيا ومواطنيها ما لم يحققه أي نظام في تاريخ هذا البلد” .

لكن المقال الذي كتبه الوزير الموريتاني حمل تصريحات واتهامات خطيرة للجزائر، هي الأولى من نوعها من مسؤول حكومي موريتاني .

فقد اتهم بعض دول الجوار (الجزائر) بالغموض في الموقف من الحرب على الفرع الصحراوي للقاعدة، وانتقد بصريح العبارة “الإعلام الجزائري الذي يتحول، بقدرة قادر، إلى إعلام ناطق باسم “المتطرفين” ساعة تقوم القوات الموريتانية بأي هجوم عليهم” .

وأضاف ولد ببانا “لماذا يمنع مجرد عمل خيري من شقيق تجاه سكان المنطقة الصحراوية وقبائلها التي عانت ويلات غياب التنمية وعدم الاستقرار” . مضيفاً “إن ذلك لا يتعلق بمسؤولياتنا” .

وفي تصريح يكشف بشكل واضح تداخل الحرب على الفرع المغاربي للقاعدة مع الصراع المتعلق باستغلال الثروات في شبه المنطقة، قال الوزير ولد ببانا “كل ما يعنينا هو أن نوفر الأمن لمواطنينا وبلدنا وإتاحة الفرصة أمام الشركات الاستثمارية العالمية لمساعدتنا في استغلال ثرواتنا الهائلة (حديد، نفط، غاز، ذهب، نحاس، يورانيوم . . إلخ) . لأننا ببساطة لن نبقى فقراء متسولين ونحن ننام على تلك الثروات التي يحلم بها أي بلد، وأي شعب” وقال بالحرف “هنا مربط الفرس” .

وعلق على ذلك “على كل حال نحن نبشر الأصدقاء والجيران بأننا سنستغل ثرواتنا مهما كان الثمن” .

وهاجم الوزير ولد ببانا بشدة موقف بعض فصائل المعارضة الموريتانية التي حذرت من زوايا متعددة في حرب النظام على الإرهاب ومن كونها لا تتم بالتنسيق مع دول الجوار وكونها حرباً بالوكالة .

وقال “إن موريتانيا أول من قد يستجيب لتلك الدعوات بوضع أراضيها وجيشها تحت تصرف دول المنطقة في أي عملية مساندة، أو عمل مشترك لتوفير الأمن في منطقة الساحل وعدم السماح بتحويل هذه المنطقة إلى “وزيرستان” أو “صومال” ثانية، وأن وجود القادة العسكريين والأمنيين الموريتانيين في دول الجوار الشقيقة والصديقة لتنسيق هذا المجهود أمر لا يمكن إنكاره” .

وأضاف “لكن موريتانيا، مع الأسف، لم تجد حتى الآن أي دليل عملي على رغبة بعض دول الجوار في عمل تنسيق حقيقي وجاد” .

وتابع “بل إنه من البداهة، وليس من الغرابة أننا لم نجد من الاستعداد الميداني للتنسيق مع تلك الدول إلا السخرية منا ومحاولة تثبيط عزائمنا، ووضع إعلامها تحت تصرف دعاية المجموعات الإرهابية التي نواجهها” .

واستطرد قائلاً “موريتانيا تقوم بعمل شفاف وعلني واستراتيجي لحماية أمنها وشبابها من موجة الإرهاب التي تضرب الساحل مدفوعة بإعصار إرادات متضاربة ومصالح أكثر تضارباً” .

ورأى أن الرئيس عزيز “بحسه الوطني المعروف أشد حرصاً من غيره على خلو البلاد من أي وجود عسكري أجنبي، ولن يكون هو الرئيس المغاربي الأول الذي يقحم بلده في جدل من هذا النوع، رغم علمنا بقواعد تنصت عسكرية أجنبية - وغيرها- في بعض دول الجوار” .

ووصف بيانات المعارضة بأنها “محاولة سرقة انتصاراتنا ضد الإرهابيين عبر حرب إعلامية غريبة تروج لتضخيم الخسائر الموريتانية وحتى التشكيك والسخرية من قدرات الجيش الموريتاني، ومن ثم اتهامه باحتلال أراضي دولة أجنبية ودولة مجاورة” .

وأكد “أن الاحتلال غير موجود إلا في أذهان أولئك الذين يسعون لقنبلة المنطقة ومساعدة المجموعات الإرهابية لأهداف غامضة الله أعلم بخلفيتها” .

وشدد على أن موريتانيا منذ عهد الرئيس محمد ولد عبدالعزيز “لا تتلقى الإملاءات من أحد، وإلا لما كانت قطعت علاقاتها بالكيان الصهيوني” .

واعتبر أن المعارضة واهمة إذا تصورت أن النظام لم يحسب جدياً على المستوى الداخلي والإقليمي والخارجي حساب الحرب على الإرهاب .

وخلص الوزير الموريتاني إلى “أن أحداً لا يستطيع مهما كانت خلفيته ودواعيه الداخلية والإقليمية وخروجه عن خيمة الواقعية الرحبة أن يتذاكى بالتقليل من شأن نجاح الرئيس محمد ولد عبدالعزيز في نقل المعركة مع الإرهابيين من شوارع نواكشوط إلى خارج حدود البلد”، مخاطباً المعارضة بالقول “أخيراً اعذرونا، فالقضايا الكبيرة لا تفصل على حجم العقليات التي أنشأتها” .

مهاجمة الجزائر في هذا الوقت الحساس إقليمياً ومن طرف وزير في الحكومة يوصف بأنه من أقرب مقربي الرئيس عزيز، طرحت السؤال: هل قرر نظام الرئيس عزيز الدخول في صراع سياسي وإعلامي مع الجزائر اللاعب الإقليمي القوي، أم هل ما جرى مجرد “خطأ بروتوكولي”، لكن المؤكد أن ملف الحرب على الإرهاب في الساحل يتداخل ب”حميمية فائقة” مع ملف الثروات ومشكل الصحراء الغربية وملف النفوذ الإقليمي في المنطقة .

خلافات في المعارضة

من المرجح أن تساهم العودة المرتقبة لزعيم المعارضة أحمد ولد داداه، الذي يوجد منذ فترة بالخارج، في حلحلة ملف الخلافات الداخلية في صفوف المعارضة، وهي الخلافات التي تكاد تنفجر من حين لآخر على خلفية الموقف من الحرب على الإرهاب .

وترى وسائل إعلام في نواكشوط أن تباين المواقف من الاعتراف الصريح بشرعية نظام الرئيس عزيز وملف الحرب على الإرهاب يشل عمل منسقية المعارضة وينذر بتفكيكها، لكن يبدو أنه جاء على خلفية صراع محلي على “النفوذ والقيادة” داخل المعارضة من جهة، ومن جهة أخرى ضمن تجاذبات المواقف الإقليمية والدولية في ما يتعلق بالنفوذ على القرار الموريتاني .

ويرى قياديون من أنصار زعيم المعارضة أحمد ولد داداه أن إنشاء منسقية أحزاب المعارضة جاء أصلاً على حساب “مؤسسة زعيم المعارضة” وضمن محاولات أحزاب بعينها (التحالف، التقدم) للاستحواذ على القرار السياسي المعارض أو حتى التوصل لصفقات سياسية مع النظام من وراء ظهر زعيم المعارضة كما حدث سنة 2007 مع نظام ولد الشيخ عبدالله .

ومن هنا لا يستبعد المراقبون أن يؤدي الجدل الدائر، بحكمة حتى الآن، في الكواليس إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية في معسكر المعارضة، وهناك ثلاثة دوافع وراء ذلك هي الموقف من الحرب على الإرهاب، والتعيينات المرتقبة في كفاءات وأطر المعارضة، والانتخابات القادمة .

العرب السمر غاضبون

لم يثر عرب موريتانيا السمر (الحراطين) مطالبهم برفع حصتهم في الدولة (وظائف وثروات) كما أثير في عهد الرئيس الحالي محمد ولد عبدالعزيز، وذلك، وفق مراقبين، عائد إلى النمو الديمغرافي لهذه الشريحة وتطور الوعي في صفوفها، وإلى عامل سياسي مرتبط بتأثر أغلب قيادات الشريحة بالطرح اليساري في وقت برهن الرئيس عزيز على أن اليسار هو عدوه الأول .

وهذا الأسبوع عاد الساموري ولد بي، السياسي والقيادي النقابي البارز، إلى مهاجمة الواقع السياسي والاجتماعي المسؤول عن تهميش “الحراطين” .

وقال إن رسالته السابقة إلى الأمم المتحدة في هذا المجال، جاءت بعد أزيد من ثلاثين سنة من العمل المفتوح مع مختلف القوى السياسية وهو العمل الذي ظنوا أنه سيكون كافياً من أجل أن تستوعب القوى الموريتانية “مطالبنا وتتأكد لها حسن نيتنا في الطرح . . كما أننا عملنا على اتخاذ المواقف التي تطمئن ورغم كل هذا فإننا لم نلاحظ أي تقدم ملموس لا من خلال النظام ولا كذلك من خلال المؤسسات الديمقراطية ولا من خلال الفاعلين، كل ما يمكن استخلاصه من جميع المواقف من طرف الجميع هي أمور هدفها الأساسي هو تهدئة الموقف ولي الأذرع بطريقة ذكية والعمل على عدول الناشطين من أبناء هذه الشريحة عن مطالبهم وحتى محاولة تحطيم البنية التي تعتبر مكسباً للبعض والعمل على جعل هذه الشريحة تقبع في قيود الذل” .

واعتبر أن مما زاد الطين بلة هو ما نعيشه يومياً ونباشره من إقصاء وحرمان ممنهج والتمييز الممارس (ضد الحراطين) من طرف نظام الدولة التي يفترض أن تكون دولة الجميع وأن تعمل على حماية الجميع والمساواة بينهم .

واعتبر ولد بي أن “الحراطين” محرومون من الثروات (الصفقات، وتراخيص الصيد)، والثروة العقارية، والوظائف، ويعانون عدم تكافؤ الفرص والسخرة، مذكراً بأن ما عرف في هذا المجال ب”ثورة الحمالين” قبل أشهر هي مجرد جزء من كل .

وقال إن الدولة أصبحت “أداة كبيرة” بيد من يعتبرون مصالحهم في الحفاظ على الواقع، متهماً شريحتي العرب البيض والأفارقة بالتحالف لإقصاء “الحراطين” من الثروة والسلطة .

وأكد أنه لا بد أن يحصل توازن سياسي من خلال محاصصة تضمن حصص الفئات في تعيينات الحكام والولاة والوزراء والسفراء والشركات .

وأكد أن من يتصور أن الواقع لن يتغير فهو مخطئ إلى أبعد الحدود، مشدداً في الوقت نفسه رفضه لكل ما من شأنه الإضرار بالوحدة أو الوئام الاجتماعي “لكن على العقلاء من هذا البلد أن ينتبهوا إلى أن الوضع بات بالغ الصعوبة ونحن لن نقبل باستمراره أبدا”.

نقلا عن دار الخليج