مشاهدة النسخة كاملة : العرب وسحر التواريخ


أبو فاطمة
10-06-2010, 03:58 PM
العرب وسحر التواريخ

الحسين الزاوي

مباشرة بعد انطلاق مسلسل المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، أي منذ قرابة عقدين من الزمن، عرفت الساحة الإعلامية الإقليمية والدولية مهرجاناً فوضوياً من الأرقام والتواريخ التي يصعب حصرها تتحدث وتعلن بحماسة زائفة عن محطات افتراضية تؤدي، بحسب زعم أصحابها، إلى نهاية النزاع العربي الصهيوني والإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية الموعودة. لكن تطورات الأحداث أثبتت كذب وبطلان كل التواريخ المعلنة من طرف "إسرائيل" والإدارة الأمريكية. فالفلسطينيون فقدوا خلال هذه المفاوضات،سواء تلك التي سبقت اتفاقيات أسلو أو حتى تلك التي جرت بعدها، ما لم يفقدوه طيلة سنوات عديدة من الاحتلال المباشر لأراضيهم، ففي اللحظة التي كان يُنتظر من تلك التواريخ أن تكون مناسبة للإعلان عن حصول الفلسطينيين على حقوقهم الوطنية، تحولت محطاتها إلى مناسبات أليمة تسهم في ولادة نكبات جديدة تفاقم من معاناتهم وتضاعف آلامهم.
إن المفاوضات التي تحرص "إسرائيل" كل الحرص على إجرائها، أضحت تمثل بالنسبة لقيادتها السياسية ضرورة حيوية لأنها تسمح لها بتوفير الأجواء المناسبة من أجل ممارسة نشاطاتها الاستيطانية بكل حرية واطمئنان. لأن الطرف الآخر عادة ما يكون منغمساً من أخمص قدميه حتى مفرق رأسه في مناقشة تفاصيل وجزئيات، ليست ل''إسرائيل" لا الرغبة ولا حتى النية الصادقة من أجل حسمها، لأنها تُوفِّر لها المبررات الضرورية من أجل الإبقاء على الوضع كما هو عليه. ف"إسرائيل" تريد أن تجعل من أطروحتها الخاصة بيهودية الدولة أمراً واقعاً، من خلال المضي قدماً في تطبيق سياسة الفصل العرقي والعنصري، وتسعى من ناحية أخرى إلى تحميل القيادة الفلسطينية ومعها قسم من المجموعة الدولية، أعباء وتبعات التسيير الاقتصادي والاجتماعي وحتى الأمني للأراضي المحتلة، من دون أن تسمح في المقابل بإنشاء كيان فلسطيني مستقل وكامل السيادة على أراضيه وأجوائه ومياهه الإقليمية.
وبالتالي فإن "إسرائيل" تهدف من خلال كل ذلك إلى الظفر بقربة السمن وبثمنها في اللحظة نفسها كما يقول المثل الدارج؛ وتقوم باستثمار هذه الوضعية الناجمة عن طول المفاوضات ودخول الطرف الفلسطيني في حالة من التعب والإعياء الشديدين، من أجل اختراق الصف الفلسطيني وتقسيم أبناء الوطن الواحد، الذين يؤمنون بخيار التحرير، إلى معتدلين ومتشددين.
ويمكن القول إن أخوف ما يخافه الفلسطينيون هو أن يتحول التاريخ الجديد الذي "بشَّر" به الرئيس الأمريكي مؤخراً في خطابه أمام الجمعية العامة،والذي يقضي بإعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ودخولها إلى الأمم المتحدة كعضو كامل الحقوق، إلى تاريخ خيبة جديدة قد يؤدي إلى تصفية ووأد القضية الفلسطينية بالكامل، فتجربة الشعب الفلسطيني مع تواريخ الاحتلال وحليفه الأمريكي الراعي الرسمي لعملية السلام، هي في منتهى المرارة، لكن مرارة التاريخ الجديد ستكون من طبيعة مختلفة وقد تتحول، في ظل الظروف والأجواء العاصفة التي تمر بها المنطقة، إلى سم قاتل يحوِّل المنطقة إلى برميل بارود ينفجر في وجه سماسرة السياسة "الإسرائيلية" الذين يصرِّون على تجاهل الحقوق المشروعة للفلسطينيين التي أقرتها لوائح الأمم المتحدة والشرعية الدولية.
ما الذي يمكن أن يرجوه الفلسطينيون من تاريخ لا يختلف في جوهره عن التواريخ السابقة إن لم يكن أسوأها من حيث الصياغة والتوقيت، خاصة في ظل ضعف فلسطيني غير مسبوق وفي ظل تخاذل مهين من قبل النظام الرسمي العربي الذي حطم كل الأرقام القياسية الممكنة في مجال الانبطاح والانصياع الأعمى للإرادة الغربية، وأيضا في ظل وجود حكومة صهيونية من أكثر الحكومات "الإسرائيلية" تشدداً وصلفاً. لقد أفرغ ليبرمان تاريخ أوباما الجديد من محتواه عندما أكد ببرودة دم وصفاقة لا يقوى على تحملها إلا من كان في مثل انحطاط أخلاقه، أن الغرض من مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية الدولة "الإسرائيلية" هو الوصول إلى مرحلة يصبح فيها ممكناً التخلص من المواطنين العرب الموجودين داخل الخط الأخضر.
وهكذا وبدل أن ينقلب السحر على الساحر، فإن دجل الساحر ينطلي في كل مرة على المسؤولين العرب الذين يتلهون ويلهون شعوبهم بسحر تواريخ أمريكا، التي لا يساوي سعرها ثمن الحبر الذي تكتب به. فعندما يعلن العرب في قممهم أن السلام يمثل خياراً استراتيجياً، فإنهم لا يفقدون فقط، كل ما يملكونه من إمكانات وبدائل جدية، ولكنهم يرهنون بالقدر نفسه كل خياراتهم المستقبلية التي يمكنهم توظيفها كورقة ضغط من أجل إحداث قدر من التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني.في الوقت الذي يملكون فيه من المؤهلات والإمكانات الحضارية والاقتصادية ما يسمح لهم، أن يفرضوا على الطرف الآخر تواريخ يمكنها أن تغيِّر من قواعد الصراع مع الطرف الآخر، وتُفضي من ثمة إلى فرض معادلة سياسية جديدة في المنطقة.

نقلا عن المركز الفلسطيني