مشاهدة النسخة كاملة : فرضيات 4 في حرب موريتانيا مع "القاعدة"


ام خديجة
10-03-2010, 04:27 AM
فرضيات في حرب موريتانيا مع "القاعدة"


http://img188.imageshack.us/img188/2210/119837.jpg


بسرعة قياسية، وصلت رسالة الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز إلى القوى الدولية بأن جيشه هو الجيش الوحيد في المنطقة الساعي لمواجهة إرهاب الجماعات المسلحة في المجال الصحراوي . لكن “الرد” الدولي على هذه الرسالة قد لا يكون بالسرعة المطلوبة أو الشكل الفاعل في ترسيخ تلك الصورة .

فبعد أيام من أشرس المواجهات مع مقاتلي الفرع المغاربي ل “القاعدة” في معارك “رأس الماء” غرب “تمكبتو” شمال مالي تمكنت وحدات الجيش الموريتاني من بسط السيطرة على شريط بحدود 200 300 كيلومتر داخل الأراضي المالية في صحراء “أزواد” (شمال مالي)، وضخ النظام الموريتاني بمزيد من التعزيزات العسكرية إلى المنطقة فيما أرسل مئات المخبرين التابعين للاستخبارات العسكرية للتغلل في البدو الرحل (قبائل العرب والطوارق) في شمال مالي .

صحيح أن الرئيس عزيز بهذه الخطوة نقل المعركة مع “القاعدة” من داخل الأراضي الموريتانية إلى (أرض القاعدة) في الصحراء الكبرى، أو “صحراء الإسلام” كما تسميها القاعدة، ولكن ما هو الثمن؟ عما انقشع غبار معارك “رأس الماء”، و”عرش هندي”؟ وما هي الخلاصات التي وصلت النظام الموريتاني بخطوته تلك؟

لنبدأ بتفاعلات الحدث على مستوى الساحة السياسية الموريتانية، فبعد دعوة الأغلبية الحاكمة المعارضة إلى مساندة الجيش والكف عن المهاترات اللفظية في هذا الظرف الحساس من تاريخ الدولة، أعلن زعيم المعارضة أحمد ولد داداه مساندته للجيش، لكنه طالب بكشف الحكومة للسياسة التي تتبعها في هذا المجال .

غير أن منسقية أحزاب المعارضة الموريتانية اتهمت الرئيس عزيز بالزج، وبقرار فردي، بموريتانيا في “حرب غير شرعية” و”حرب بالوكالة” واتهمته بالخطأ في حساب ما قد يترتب على هذه الحرب من “عواقب تمس أمن المواطنين وكيان البلد” .

بل تساءلت المتعارضة في بيانها المشترك: “لماذا نحن وحدنا في هذه الحرب دون مشاركة دول المنطقة التي تواجه معنا المخاطر نفسها”، و”لماذا نخوض هذه الحرب على أرض بلد آخر؟”، و”لماذا نفضل التنسيق مع قوة أجنبية (فرنسا) على حساب التعاون والتنسيق مع دول المنطقة المعنية؟” .

وختمت المعارضة تساؤلاتها بالقول “هل يجوز لنا أو هل بمقدورنا أن نمارس وحدنا دور الدركي المسؤول عن أمن المنطقة؟” .

وفي نفس السياق طرح عشرات المحللين والمراقبين والخبراء الاستراتيجيين في وسائل الإعلام المغاربية والإفريقية والغربية تساؤلات عن الخطوة الموريتانية، وهل هي مبنية بالفعل على قرار فردي مدروس؟ وبالتي “هل وجد الساحل نابليونه” على حد تعبير أحدهم، أم هي خطوة جاءت تمهيداً لمجهود سياسي أو حربي غربي لتأمين منطقة الساحل؟

إن هذه الأسئلة مبنية على ما يطرح بقوة في الساحة الموريتانية وهو إلى أي مدى سيصل الرئيس عزيز في “الحرب الاستباقية”، كما يسميها، وهي تعني التوغل في الصحراء وضرب معاقل التنظيم في مواقعه البعيدة داخل أراضي الدول المجاورة .

ومرد هذا السؤال إلى صعوبة المهمة على الجيش الموريتاني الذي أقدم على ما أحجم حتى الآن عنه أكبر جيوش المنطقة (الجيش الجزائري) .

لا يتوقع أحد أن النظام الموريتاني يراهن على المعطيات الاستخباراتية عن حجم الفرع الصحراوي للقاعدة (300 مقاتل) في وقت يكثف فيه التنظيم حملاته لكسب عشرات الشبان من دول منطقة الساحل الإفريقي، إلى جانب تغلغله في قبائل الصحراء وتحالفه مع مئات المرتزقة .

كما لا يراهن النظام على تعاون دول الساحل بعد التباين الكبير في وجهات نظر القادة السياسيين والعسكريين في هذه الدول حول جدوى هذه الحرب في وقت ترى فيه الدول الإفريقية (مالي، النيجر، بوركينافاسو) أنها غير معنية بحروب بين الدول العربية ومواطنيها (السلفيين)، وأنها حتى لو أرادت لا تستطيع مواجهة تنظيمات عقائدية عجزت أعتى جيوش العالم عن حسم المعركة معها .

كل “الخيارات صعبة” أمام موريتانيا في هذه المرحلة، فبقاء الجيش الموريتاني في أراضي “أزواد” مقبول من السلطات المالية، لكنه يحمل مخاطر في أرض كسبت “القاعدة” ود أهلها الذين باتوا يعولون على النشاط الاقتصادي الذي تدره “القاعدة” ومن تحميهم من شبكات التهريب وبائعي الرهائن الغربيين، وهو نشاط اقتصادي وليد سيكون بالفعل مؤثرا في الوضع المعيشي للآلاف من سكان الصحراء .

وكان من اللافت أن تنظيم “القاعدة” قبل بيانه عن حصيلة المعركة، تسابق مع قيادات مدنية في “أزواد” إلى التنديد بالخسائر التي أحدثها القصف الجوي الموريتاني في صفوف المدنيين الماليين .

كما أن الوضع العسكري الميداني يتطلب قوة طيران لا تتوفر للجيش الموريتاني في الوقت الراهن، فضلاً عن تمويل حرب مفتوحة في الصحراء وانعكاس ذلك على اقتصاد البلد .يضاف إلى ذلك أن الوضع السياسي في جمهورية مالي، التي تدور حرب موريتانيا الاستباقية على أراضيها، معرض لهزات وقد يطرح موضوع “السيادة” بشكل قد لا يعمل لصالح الجيش الموريتاني .

هل وقع النظام الموريتاني في ورطة؟ وهل كانت حربه في “أرض القاعدة” خطأ استراتيجياً؟ وما الذي سيكون عليه حال الجبهة الداخلية الحساسة اجتماعياً؟

لعل الرئيس عزيز (الجنرال) يعول على فهم نخبته العسكرية والأمنية لعدم وجود خيار أمام موريتانيا في حرب “القاعدة”، بعد أن حشرت في تلك الحرب من خلال المذابح التي تعرض لها الجيش في عمليات “لمغيطي” و”الغلاوية” و”تورين” و”النعمة” وبعد نقل “القاعدة” نشاطاتها إلى داخل العاصمة نواكشوط، وضربها للاقتصاد الموريتاني، وخاصة قطاع السياحة .

أما على المستوى الإقليمي فلا شك في أن النظام الموريتاني تأكد بعد عملياته العسكرية الأخيرة من أن الفوضى في صحراء الساحل “فوضى مقصودة” وتستهدف إعداد الأرضية لحسم صراع إقليمي ودولي متعلق بمحورين مهمين: الأول محور السيطرة على ثروات الطاقة غير المستغلة في دول الساحل، والثاني محور النفوذ الإقليمي من جهة والنفوذ الدولي من جهة أخرى، هل سيكون فرنسياً أم أمريكياً أم نفوذاً “غربياً مشتركاً؟” .

بالفعل قد يعتبر مستوى الدعم الفرنسي والأمريكي للجيش الموريتاني، ودعم المجموعة الدولية بالتمويلات لصالح اقتصاد البلد هو المحدد الأساس لاستمرار الحرب في استراتيجيتها الحالية، ولكن العديد من السياسيين الموريتانيين يخشون من أن أي استراتيجية لا تقوم على الشراكة والتنسيق بين دول المنطقة سيكون مآلها الفشل حتماً .

فرضيات

من دون الخوض في فرضية إمكانية إطاحة الحرب برأس النظام، كما تروج لذلك قوى في المعارضة الموريتانية، هناك أربع فرضيات لمستقبل حرب موريتانيا على “القاعدة”:

فإما أن يحقق النظام انتصارات عسكرية تفرض معطيات جديدة على الوضع الأمني في منطقة “الصحراء الكبرى” .

وفي حال لم تجر الأمور وفق طموح الرئيس عزيز، فسيبقى الطريق سالكاً أمام “العودة” بالاقتصار على عمليات محدودة، أو التوصل سراً إلى اتفاق مع “القاعدة” تبدو بحاجة ماسة إليه لتركن نظامين في الساحل (مالي وموريتانيا) في استراتيجيتها بالبحث عن (الأرض الآمنة) .

أو يلجأ النظام إلى مظلة إقليمية بالتحالف الاستراتيجي مع الجزائر في الحرب على “القاعدة”، خاصة أن الجزائر تملك النفوذ والقدرة الأكبر على مواجهة الأوضاع في مجال “القفار السائبة” الممتدة بين دول النيجر ومالي وموريتانيا والجزائر .

وقد لوحظ خلال الأسبوع الحالي أن النظام الموريتاني تحرك باتجاه الجزائر، فقد عقد رئيس الوزراء الموريتاني مولاي ولد محمد الأغظف ووزيرة الخارجية الناها بنت مكناس اجتماعاً مع وزير الخارجية الجزائري على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالتزامن مع مشاركة قائد أركان الجيش الموريتاني الجنرال محمد ولد الغزواني ب “تمنراست” في اجتماع رؤساء أركان جيوش دول منطقة الساحل (الجزائر وموريتانيا، مالي والنيجر) وهو الاجتماع الساعي للخروج ب “استراتيجية موحدة” لمواجهة الخطر المتنامي ل “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” .

وإذا صح ما نقلته وسائل إعلام موريتانية من أن الجنرال “غزواني” تواجد بالجزائر لمدة يومين قبل اجتماع قادة أركان الجيوش، فهذا يعني أن الموريتانيين سعوا إلى ترتيب “الأوراق” مع الجزائر وتسوية الخلافات المتعلقة باستراتيجية الحرب على الفرع الصحراوي للقاعدة .

أما الفرضية الأخيرة، فهي أن يدفع الوضع العسكري الميداني النظام إلى القبول بتواجد عسكري أجنبي يسمح باستغلال ثروات الشمال (النفط والغاز واليورانيوم) وهي الثروات التي تعول عليها موريتانيا، ويتردد بقوة في كواليس نواكشوط أن “مجرد التفكير” في استغلالها هو السبب أصلاً في كل الهزات التي عرفتها البلاد سياسياً وأمنياً منذ تدشين التنقيب عن النفط سنة 2004 .

وبغض النظر عن الخيار الذي ستسلكه موريتانيا إزاء الوضع السياسي والعسكري الجديد، فإن قلق النخبة السياسية الموريتانية هو من ضيق الهوامش المتاحة لبلد كموريتانيا في منظومة إقليمية بالغة التعقيد .

نقلا عن دار الخليج