مشاهدة النسخة كاملة : أسباب ازدياد غلواء التطرف الصهيوني


أبوسمية
10-02-2010, 02:03 PM
أسباب ازدياد غلواء التطرف الصهيوني

حسين عطوي
من العلامات الفارقة في الكيان الصهيوني هذه الأيام تنامي ظاهرة التطرف، والعنصرية، وتحولها من كونها سياسة تنتهجها الأحزاب الصهيونية التي توالت على الحكم منذ احتلال العصابات الصهيونية (الهاغانا وشتيرن) عام 1948 أرض فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني عليها لتصبح هي السمة التي تحكم مواقف أغلبية الرأي العام الصهيوني، حتى أن المراقب لمسار التطورات السياسية يلحظ بشكل لافت أن الفوارق الشكلية التي كانت موجودة في فترة سابقة بين أحزاب اليمين، واليمين المتطرف، وبين ما يسمى أحزاب الوسط واليسار قد تلاشت وأصبح الخطاب السياسي العلني واحداً فيما خص التوسع الاستيطاني ورفض أي تجميد، أو وقف له وكذلك فيما خص العمل على دعم مصادرة الأراضي الفلسطينية في القدس الشرقية والضفة الغربية إلى جانب تهويد الأماكن الدينية المقدسة في محاولة قسرية لتغيير معالم الأرض والتاريخ، والمقدسات، ولم نعد نسمع لغة الرياء والمناورات، والدبلوماسية الخادعة التي كانت تتسم بها سياسة حزب العمل الصهيوني الذي كان يشتهر بها إلى جانب الحروب التي شنها ضد العرب، والمجازر الوحشية التي ارتكبت في ظل حكمه.
وأصبحت اللغة السائدة على الأرض، وفي العلن هي ذاتها لغة العدوان، والتطرف ومواصلة الاستيطان وسياسات الفصل العنصري، والعداء المقيت للعرب والفلسطينيين بغض النظر عن طبيعة سياساتهم ومواقفهم من المفاوضات، والحل السياسي مع الكيان الصهيوني.
وفي هذا السياق يمكن لفت النظر إلى العديد من المواقف لسياسيين، ورجال دين تعكس مستوى هذا العداء، والتطرف والتشدد:
- تصريح الحاخام اليهودي المتطرف عوفاديا يوسف الزعيم الروحي لحزب شاس المشارك في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو حيث قال: فليمت أعدؤنا وكارهونا أبو مازن، وكل هؤلاء الأشرار فليذهبوا من العالم ليضربهم الرب، تبارك اسمه، ضربة مبيدة هم وهؤلاء الفلسطينيين الأشرار طغاة إسرائيل».
- إعلان الحكومة الصهيونية رفضها أي تراجع عن مواصلة الاستيطان وتمسكها في سياسة تهويد القدس، وسلب أراضيها، ومقدساتها من أهلها الأصليين، وتنفيذ سياسة عنصرية تعسفية لإجبارهم على الرحيل عن منازلهم، وقد ترجم نتانياهو هذا الموقف أخيراً عندما رفض تمديد مدة التجميد المؤقت للاستيطان رغم مناشدة الولايات المتحدة، والدول الغربية، واستجداء أبو مازن الذي يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، وهو يفاوض من دون أن يحصل حتى على تجميد مؤقت لمدة ثلاثة، أو أربعة أشهر لتبرير استمراره في عملية تفاوض تقوم من ألفها إلى يائها على قاعدة الاستسلام للشروط الصهيونية.
- تصريح أحد نواب الكنيست الإسرائيلي من الاتحاد الوطني بأن ( الحاخام عوفاديا يوسف قال ما يفكر به معظم شعب إسرائيل) قائلاً «من وجهة نظري أن أبو مازن عدو أكثر خطراً على إسرائيل من حماس، وأن كليهما يريدان تصفية إسرائيل».
- دعوة حاخامان في مستوطنة قريبة من مدينة نابلس في الضفة الغربية إلى قتل كل من يشكل خطراً مباشراً، أو غير مباشر على إسرائيل، وأمن مواطنيها، ولم يستثنىِ الحاخامان في كتابهما، الذي يقع في 230 صفحة، حتى الأطفال الرضع، كما شجعا على الانتقام، والقيام بأعمال فظيعة لفرض توازن رعب أمام من سموهما «الأعداء من فئة الأغيار».
- استطلاعات الرأي التي تؤشر إلى تأييد مواصلة سياسة الاستيطان، والتي عكستها غياب أي مواقف تدين تصريحات الحاخامات في مؤشر واضح على ما يتمتع به اليمين، واليمين المتطرف من تأييد في الشارع الصهيوني، حيث بات التطرف حسب قول الكاتب الإسرائيلي يورام بنور «الأعلى صوتاً في إسرائيل».
ويضيف بنور يقول «وأهم وأكبر مشروع هو الجدار، إحنا اليهود الإسرائيليين قد وضعنا الفلسطينيين على القمر مدينة نابلس التي هي بعيدة 45 دقيقة عن مدينة تل أبيب، التي أنا موجودة فيها حالياً، موجودة نتيجة هذا الجدار على القمر، وبعيدة جداً، وأبعدنا الفلسطينيين عن نظرتنا ومن قلوبنا، ومن تفكيرنا، وبعد ذلك من أخبارنا، ومن أي شيء في حياتنا، ولذلك أصبحت المستوطنات أقرب شيء للإجماع الإسرائيلي، ومن تجربتي الشخصية كنت مراسلاً للشؤون الفلسطينية في أهم قناة إخبارية في القدس، هي القناة الثانية، ومنذ سنة 2000 حتى 2006 رأيت الوضع أنه لا يوجد زبون لبضاعتي، بضاعتي كانت قصصاً عن الشعب الفلسطيني، ولم يعد هناك اهتماماً لدى الجمهور، ولن تعد هناك رغبة عند الإدارة، وعمليا منعت من تنفيذ عملي».
ولذلك ومنذ تسلم بنيامين نتانياهو مقاليد السلطة أصبح خط التطرف، والعدوانية قولا، وعملاً هو المسيطرة في الحكم، وفي الشارع الذي صوت في الانتخابات الأخيرة بأغلبية لليمين، واليمين المتطرف، مما مكن هذا الاتجاه من تشكيل حكومة يطغى عليها لسياسات العدائية للعرب، والتي لا تتوان عن التصريح عن عزمها تنفيذ مخططات الترانسفير، والفصل العنصري، ورفض أي تراجع عن مواصلة سياسات الاستيطان والاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية، وطرد سكانها منها، ومن منازلهم في وضح النهار، وعلى مرأى من العالم أجمع، فيما عملية تهويد للأرض، والمقدسات في القدس وغيرها من المناطق الحيوية والإستراتيجية في الضفة الغربية تسير على قدم وساق من دون أي أن يكون هناك أي رادع يمنع الحكومة الصهيونية من مواصلة تنفيذ هذه السياسات التي تشكل عدوانا على الشعب الفلسطيني والإنسانية جمعاء، ويؤشر كل ذلك إلى أن الأحزاب والقوى الصهيونية المتطرفة، والمتشددة في سياساتها العنصرية، والنازية، والرافضة لأي تسوية تعطي الشعب الفلسطيني جزءاً من الحقوق العائدة له، لم تعد على الهامش، أو مجرد أقلية، بل أصبحت هي من يحكم، ويسيطر على القرار الصهيوني، ويصوغ سياساته، ويفرض أجندته، وأولوياته التي تقوم على ابتلاع المزيد الأرض لفرض الدولة اليهودية على كامل الأرض الفلسطينية، الأمر الذي يقضي حتى على أي هامش للأنظمة العربية السائرة في ركب مشاريع التسوية الاستسلامية ويضع السلطة الفلسطينية أمام الحائط المسدود لا بديل أمامها سوى:
أما الاستسلام الكامل من دون حفظ ماء الوجه، أو الخروج من دائرة، وفلك رهاناتها على المفاوضات، واستطراداً التخلي عن اتفاق أوسلو، الذي لم يخدم سوى الكيان الصهيوني، وحل سلطتها التي لم يستفد منها إلا العدو الصهيوني أمنياً وسياسياً، وكانت وبالاً، ومصيبة، وكارثة على الشعب الفلسطيني وقضيته.
على أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي الأسباب والعوامل التي غذت قوى التطرف والعدوان في الكيان الصهيوني، وجعلتها هي السائدة رسميا وفي الشارع؟
هناك تفسيرات كثيرة لطفو التطرف والعدوانية الصهيونية على السطح على هذا النحو، منها ما هو فلسطيني ومنها ما هو عربي، ودولي.
أولاً: على صعيد الفلسطيني: من دون أدنى شك شكل اتفاق أوسلو، وما تبعه من سياسات رسمية فلسطينية انتهجتها السلطة الفلسطينية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بعد التخلي عن ميثاقها الوطني، والقومي، عاملاً شجع على تعزيز مناخات التشدد، والتطرف في الكيان الصهيوني، على عكس ما اعتقده منظرو أوسلو، ونهج التسوية، حيث أدى الرضوخ للشروط والإملاءات الصهيونية الأميركية، ومن ثم الانخراط في الحرب ضد المقاومة، والاستعداد لتقديم المزيد من التنازلات عن الحقوق الفلسطينية، إلى تعزيز المنطق الصهيوني الذي يدعو إلى التشدد، وعدم التراجع أمام الفلسطينيين، خاصة بعد أن تبين للعدو الصهيوني أن نهج التشدد، ومواصلة الضغط على السلطة الفلسطينية نجح في انتزاع المزيد من التنازلات من دون أن يقدم بالمقابل أي شيء، وهو ما فاجأ وصدم الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز عندما كان وزيراً للخارجية في حكومة إسحاق رابين في مرحلة التفاوض التي سبقت التوقيع على اتفاق أوسلو حيث قال: كنا نفاوض أنفسنا.
وزاد من عنجهية وغطرسة، وعدوانية وتطرف العدو انخراط السلطة الفلسطينية، بعد اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بشكل كامل في المشروع الصهيوني الأميركي لتصفية المقاومة الفلسطينية لتمهيد الساحة أمام التوقيع على اتفاق نهائي يشمل قضايا المرحلة النهائية ومشاركة السلطة وتأييدها للحصار الإجرامي المفروض على قطاع غزة، الأمر الذي أدى إلى إضعاف جذوة المقاومة في الضفة الغربية، وخلق مصاعب كبيرة أمام حركات المقاومة في غزة تحول دون مواصلة عملياتها على النحو الذي يستنزف الكيان الصهيوني ويحول دون تمكنه من الشعور بالراحة.
ثانياً: على الصعيد العربي:لقد أدى اتفاق أوسلو إلى فتح جسور التطبيع بين العديد من الدول العربية، والكيان الصهيوني، وهو أمر لم يتمكن من تحقيقه اتفاق كامب ديفيد، ولا اتفاق وادي عربة الذي ما كان ليتم لولا حصول اتفاق أسلو.
وجاء هذا التطبيع من قبل الدول الدائرة في الفلك الأميركي، بذريعة أنها لن تكون ملكية أكثر من الملك، في إشارة إلى التطبيع الذي قامت به قيادة منظمة التحرير، وبعد ذلك السلطة الفلسطينية.
واسهم هذا الموقف في إضعاف الموقف العربي، وتفكيك نظام المقاطعة العربية الذي كان قائماً حول الكيان الصهيوني وتحقيق أحد أهم الأهداف الصهيونية، وهو تطبيع العلاقات مع الدول العربية، وتشريع وجود إسرائيل على أرض فلسطين بموافقة رسمية فلسطينية، وعربية، ومن دون أن يضطر العدو إلى دفع أي ثمن مقابل.
وبالقدر الذي أسفر ذلك عن توجيه طعنة لمركزية القضية الفلسطينية في نضالات الأمة العربية بالقدر الذي أراح الكيان الصهيوني وأخل في موازين القوى لمصلحته، وأفسح المجال أمامه كي يزداد صلفاً وتعنتاً، وقد بات على يقين بأنه ليس هناك ما يجبره على التراجع قيد أنملة في ظل استسلام قيادة منظمة التحرير، وتخليها عن المقاومة والميثاق الوطنيين، وإسهاماً في شق وحدة الصف الفلسطيني وإضعاف نضاله الوطني التحرري ضد الاحتلال، فيما خرج معظم الدول العربية من دائرة الصراع، ولم يبق عملياً في ميدان المواجهة سوى سورية، ولبنان، وفصائل المقاومة الفلسطينية، يلقون المساندة من الجمهورية الإسلامية في إيران التي حدت بموقفها الداعم للمقاومة والنضال العربي، ضد الاحتلال الصهيوني، من الخلل الذي حصل في موازين القوى لمصلحة الكيان الصهيوني إثر خروج مصر من دائرة الصراع، بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد.
وقد زاد الموقف الرسمي العربي سوءاً عندما رفضت الدول العربية الموالية للغرب معارضة غزو الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها للعراق الأمر الذي أدى إلى إحداث المزيد من الإخلال بموازين القوى لمصلحة الكيان الصهيوني الذي سارع إلى جني ثمار ونتائج تدمير العراق، والحضور العسكري الأميركي الكثيف في المنطقة لأجل تسريع وتيرة مشاريعه الاستيطانية في فلسطين المحتلة لفرض أمر واقع يرسم ملامح الحل الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية.
ثالثاً: على الصعيد الدولي: أدى صعود المحافظين الجدد إلى السلطة في الولايات المتحدة إلى إحداث ما يشبه التماهي بين الموقف الصهيوني، والموقف الأميركي الذي يدعم العدوان ويسعى إلى فرض أجندته الاستعمارية عبر إنعاش السياسات الاستعمارية التقليدية بواسطة الاحتلال العسكري لإخضاع المنطقة العربية والإسلامية، واستطراداً دول العالم لأحادية القرار الأميركي، وقد عزز هذا التوجه الأميركي السافر في عدوانيته عبر احتلال العراق، وأفغانستان، وتهديد دول المواجهة (إيران، سوريا) وسعيه للقضاء على قوى المقاومة في لبنان وفلسطين على تعزيز مواقع نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة على نحو لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقة الأميركية الإسرائيلية حيث ازداد تأثير اللوبي في رسم السياسات الأميركية الخارجية لمصلحة إسرائيل وسياساتها العدوانية والتوسعية، الأمر برز بشكل واضح بعد سقوط المحافظين الجدد في انتخابات الرئاسة، ونجاح مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما في الوصول إلى البيت الأبيض الذي لم يتمكن من إخضاع حكومة نتانياهو لأجندته السياسية التي قرر اعتمادها في المنطقة على قاعدة التقرير الذي وضعته لجنة بيكر هاملتون، واضطر أخيراً إلى الرضوخ لضغط اللوبي الشديد، والتراجع عن ممارسة أية ضغوط على إسرائيل لوقف الاستيطان كشرط لاستئناف المفاوضات، واستدار إلى الضغط على السلطة الفلسطينية، وأنظمة ما يسمى الاعتدال العربي للاستجابة لشروط نتانياهو لاستئناف المفاوضات غير المباشرة، ومن ثم المفاوضات المباشرة من دون أي شروط مسبقة.
وقد أسهم التخاذل الرسمي العربي وسقوط السلطة الفلسطينية في فخ الارتهان والتبعية للموقف الأميركي الإسرائيلي في دفع أوباما للتراصف مع موقف نتانياهو، وعدم إعارة أي اهتمام لمطالب العرب، مهما كانت بسيطة، كما يظهر حالياً إزاء استماتة أبو مازن ومعه أنظمة الاعتدال العربي لأجل تمديد فترة تجميد الاستيطان لمدة ثلاثة أشهر لإعطاء فرصة للمفاوضات، غير أن نتانياهو رفض ذلك وأصر على استئناف عمليات البناء في المستوطنات في ظل احتفالات صهيونية بهذا الانتصار الذي حققه نتانياهو، وفي ظل دعوة أميركية للسلطة الفلسطينية، وأنظمة الاعتدال للحكمة والعقل اللذين يعنيان في القاموس الأميركي دعوة للتسليم بالأمر الواقع، وعدم عرقلة المفاوضات التي هي حاجة أميركية مثلما هي حاجة إسرائيلية للتغطية على خطط نتانياهو لفرض مشروعه التوسعي الاستيطاني التهويدي في أرض فلسطين المحتلة.

نقلا عن المركز الفلسطيني