مشاهدة النسخة كاملة : "الحمساويون" والتنمية البشرية


ابو نسيبة
10-01-2010, 01:36 PM
"الحمساويون" والتنمية البشرية (1)
سليمان أبو ستة
لأن حماس بلا طائرات اف ستة عشر، وبلا دبابات سواء روسية كانت أو أمريكية، ولأنها لا تمتلك قنابل نووية، ولا صواريخ عابرة للقارات، ولا نفط لديها أو حديد ونحاس، أو حتى فوسفات، ولأنها كذلك بلا موارد مالية ناتجة عن تجارة الماس أو الذهب .. لأنها بعيدة عن ذلك كله، ولأنها تدخل في ذات الوقت معركة شرسة مع عدو يمتلك المال، والسلاح، والجنود، والإعلام، وفوق ذلك الإسناد الأمريكي، والعون العربي الرسمي، والعجز الإسلامي الشعبي، ولأنها تدخل تلك المعركة بهدف يصرخ في الناس جمعيا؛ بأن إزالة الكيان الصهيوني هو فقط ما يرضي طموحنا.. لأن حماس كذلك فلابد لها من الاهتمام بالمورد الوحيد لديها ألا وهو الإنسان، وفي تصوري أن حماس تملك طاقة بشرية هائلة تنتظر من يفجرها في الاتجاه السليم، لتصنع ثورة حضارية عميقة ..
والإنسان لا يمكن أن يتقدم، أو يصعد، أو يحقق نجاحا، إلا إذا اقترن بفكرة ما، أو هدف يسعى للوصول إليه.. ولذلك فإن كل داعية مسلم لابد أن يضع له هدفا دعويا، تتضح أمام عينيه كل أبعاده؛ ليشكل قطرة في بحر الدعوة المتلاطم، فمشكلة كثير من الشباب المسلم أنهم يريدون أن يخدموا هذه الدعوة، ولكن لا يعلمون كيف يفعلون ذلك، ونحن إذا نظرنا إلى الدعاة البارزين، نجدهم تألقوا لأنهم كانوا يعرفون وبمنتهى الدقة ما الذي يريدون أن يصلوا إليه، انظر على سبيل المثال إلى الشيخ رائد صلاح تجده علما لامعا من أعلام الدعوة المباركة، والسبب أن هدفه واضح وضوحا بالغا، ليس له فحسب بل لغيره من الدعاة، وغير الدعاة في كل مكان، والدليل على ذلك أنك فور سماعك لاسم الرجل تتذكر المسجد الأقصى، وفور سماعك للمسجد الأقصى والدفاع عنه تتذكر كذلك هذا الرجل..
ومن المعلوم أن الإنسان لن ينجح في الوصول إلى محطة ما، إلا إذا عرف الطريق إليها، وقرر أن يسير فيه، والقرار هنا غير التمني، فكثير من الناس يتمنى لكنه لا يريد، وإذا نظرنا اليوم إلى الشباب الذي -وفق الاصطلاح النبوي- نشأ في طاعة الله، لوجدنا كثير منهم لا يضيف إلى الدعوة إلا قليلا، والسبب في ذلك ليس نقصا في الهمة، وإنما جهلا بالطريق الذي لابد أن يُسلك..
ومن هنا فلابد لكل داعية مسلم أن يضع لنفسه هدفا واضحا، يعمل على النهوض بالدعوة والدعاة والمجتمع المسلم ككل، وقبل شروعي في كتابة هذه الكلمات بقليل كنت أتحدث مع صديقي العزيز مهند حول هذا الموضوع، وكان مما قلته أن كل داعية بعد أن يتشبع بالفكر الدعوي لابد أن ينتقل إلى مرحلة أخرى من العمل الإسلامي، فيحدد لنفسه مهمة دقيقة يخدم من خلالها الدين، فأجاب بأن هذا يحتاج دعاة أصحاب فكر.. لكنني اعترضت قائلا بأن الدعوة لابد أن تعلم الدعاة ذلك، ويكون هذا جزء أصيلا من منهجها التربوي، ليتعلم الدعاة أن من لم يزد شيئا على الحياة كان زائدا عليها، وينطبق هذا حتى على عامة الدعاة، فأحد المزارعين مثلا يبني مؤسسة تنشر زراعة النخيل في رفح –هكذا قلت- وآخر يبني مؤسسة تتحدث عن تربية النحل وفوائده ويساعد المزارعين على ذلك، وآخر يعمل على إصلاح ما يمكن إصلاحه من خلل في الطرقات، وطبيب أسنان ينشر ثقافة الحفاظ على الأسنان، وقياسا على ما ذكرته لصديقي أقول: إننا بحاجة إلى داعية يقرر أن يكون خطيبا بارعا، أو كاتبا حاذقا، أو صحفيا قديرا، وآخر يبني مؤسسة لصناعة الخطباء، أو مؤسسة لرعاية الطفل، وداعية آخر يتبنى نشر قيمة معينة؛ حتى ولو كانت تتمثل في كلمة واحدة، وتخيل إنسانا يعيش لينشر بين الناس قيمة التوكل، ويهب حياته كلها لذلك، وآخر ينشر قيمة التواصل مع الناس، بل إنني اعرف شخصا رسالته في الحياة تعليم الدعاة في أي مكان بقطاع غزة دورة تتحدث عن إدارة الذات، أما أنا شخصيا فرسالتي هي العمل على امتلاك اكبر قدر ممكن من المال؛ لاستخدامه في زراعة ثقافة الإنتاج بين الدعاة في غزة ثم بقية العالم، لنكون قادرين على تحرير فلسطين، وبناء الخلافة الراشدة، وثقافة الإنتاج أعني بها ألا يظل داعية إلا وله هدف محدد، يعمل جاهدا على الوصول إليه مهما كان هذا الهدف صغيرا أو كبيرا..
وقد يقول قائل: وما هو تأثير إنسان واحد على المجتمع، فأقول، وقد قلت ذلك في مقال سابق، بأن الديانات كلها سماوية أو غير سماوية كالبوذية والكونفوشيوسية، بدأت بفرد واحد ثم ملئت سمع الدنيا وبصرها، بل أن عبادة الأصنام انتشرت في الجزيرة بفعل رجل واحد هو عمرو بن لحي، والنبي عليه الصلاة والسلام يخبرنا بأن من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها..
ومن المبادئ التي لابد أن تنتشر بين الدعاة قضية التوقف عن الشكوى والمبادرة للحل، واذكر أنني ذات مرة ركبت مع أحد السائقين، وطوال الطريق الذي يستمر لحوالي أربعين دقيقة من رفح إلى غزة، وهو يتحدث عن قضية واحدة يتصورها حقيقة واقعة يعاني منها المجتمع الفلسطيني ككل، أو على الأقل في قطاع غزة، وأنا اعتقد أنها مشكلة شخصية بالنسبة له فقط ولا يمكن تعميمها بالشكل الذي ذكره، وهذه المشكلة المزعومة هي فقدان الحب بين الناس لدرجة أن الابن يكره أباه والأخ يكره أخيه -هكذا قال- ولو كان قوله صحيحا لكان بإمكانه أن يساهم في حل جزء من المشكلة وبمنتهى البساطة، فلو انه وضع في جهاز التسجيل بسيارته شريطا يتحدث عن الحب في الله وفضله، لساهم بنشر هذه القيمة في المجتمع بشكل كبير جدا، فيوميا يركب معه على الأقل خمسين راكبا، سينصتون لأكثر من أربعين دقيقة لحديث جميل عن فضل هذه العبادة الراقية..
وبهذا المنهج يمكننا علاج كثير جدا من المشكلات الخطيرة التي نعاني منها، فليس بإمكان واحد منا علاج المشكلة الحضارية الخطيرة؛ التي تعاني منها الأمة اليوم معاناة تظهر في فعلها السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي، لكن هذه المشكلة لو قسمت إلى مئات المشكلات الصغيرة بحيث يغدو بإمكان شخص واحد منا إن يساهم في علاجها، لتغير الحال وارتقت الأمة إلى حيث تريد، فقطرة الماء تحفر في الصخر، ليس بالعنف ولكن بالتكرار.. بل خطر لي قبل أيام أن داعية لا يجيد أن يقدم للدعوة أي شيء على الإطلاق، لو انه جعل رسالته أن لا يرى طفلا صغيرا، أو شابا ناشئا، إلا ودعا له بأن يتفوق في حياته ويخدم الدعوة من خلال تفوقه، لو أنه لم يفعل إلا ذلك لخدم المجتمع خدمة رائعة، لأننا وبعملية حسابية بسيطة، سنجد انه لو دعا يوميا لخمسة أطفال فسيدعو عبر ثلاثين سنة قادمة من حياته لحوالي خمسين ألف إنسان، ورب أشعث أغبر لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره، وليس هذا التأثير الناتج فحسب بل الأخطر أن هذه الفكرة ستنتشر، وستجد بدلا من الواحد عشرات يطبقونها عبر تقليد مبتكرها..
وهكذا لو أن بارعا في رياضة الكاراتيه قرر استخدمها في الدعوة إلى الله، بأن عزم على أن يدرب كل عدة شهور عشرة أشبال على هذه الرياضة، ثم يحملهم عبر سفينة الرفق إلى بيوت الله، فانظر كم سيكون نجاحه، خاصة أن عددا من تلاميذه سيفعل كما فعل، وسيجد نفسه وقد بدأ فردا واحد ينتهي بعد سنوات بمئات يدربون الأشبال على هذه الرياضة؛ ليتخرجوا منها إلى رحاب الإيمان، ومما قرأت في كتاب الديباج المذهب: أن أحد علماء القاهرة وهو عبد الله الشبيبي العبدري المتوفي سنة 622هـ، أنشأ مدرسة قرب داره وأوقف لها مرتبات، الأمر الذي يؤكد أن هذا الفكر موجود في أذهان المسلمين القدماء، وكثرة المساجد والمدارس القديمة المنتشرة في كل مكان تؤكد هذا..
ولكي ينجح الإنسان في تحقيق هدفه فلابد أن يتمتع بعزيمة وإصرار لا حدود لهما، ومن القصص التي أذكر أنني قرأتها في إحدى كتب إبراهيم الفقي أو سمعتها في إحدى محاضراته، أن شابا جاء لكاتب أمريكي شهير، وقال كيف يمكن أن أصبح كاتبا مشهورا مثلك؟ فأجاب عندما تصبح عندك الرغبة المشتعلة، قال: وما هي الرغبة المشتعلة؟ فأجابه: عندما تأكل وأنت تفكر في الكتابة، وتشرب وأنت تفكر في الكتابة، وتنام وأنت تفكر في الكتابة، وتحلم بها ليلا، وتتذكرها في أول لحظة تستيقظ صباحا، عندما تصبح الكتابة حياتك كلها، وعندما تسري في دمك، عندها فقط ستصبح كاتبا مشهورا..
وهذا ما نريد للدعاة اليوم نريد أن يحددوا أهدافهم، وتصبح لديهم الرغبة المشتعلة لتحقيقها، وعندئذ فحسب سينجحون في تغيير واقع الأمة، والنهوض بها، هذا ما يجب على حماس أن تبادر به اليوم وعبر مؤسسة تكون وظيفتها ألا يظل رجل من رجالها، أو امرأة من نسائها، بل أو حتى طفل من أطفالها، إلا وله رسالة لا يموت إلا عندما يحققها

نقلا عن المركز الفلسطيني