مشاهدة النسخة كاملة : عندما يصبح الهدف تجميد الاستيطان!!


ابو نسيبة
10-01-2010, 01:29 PM
عندما يصبح الهدف تجميد الاستيطان!!
أ. د. سليمان صالح
منذ زمن ليس بعيداً كانت السلطة الفلسطينية تخدع شعبها بالترويج لمقولة إن الهدف الوحيد للمفاوضات ولعملية السلام مع "إسرائيل" هو إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وهذا لم يكن يرضي شعب فلسطين الذي يصر على التمسك بحقه في العودة إلى أرضه التي اغتصبتها "إسرائيل".
وعندما عقد أبو عمار اتفاقية أوسلو تم تقديم تلك الاتفاقية على أنها مرحلة أولية في طريق سيؤدي في نهاية خريطته إلى انسحاب "إسرائيل" إلى خط الخامس من يونيو 1967.
ومر على تلك الاتفاقية 18 عاماً ولم تتضح لذلك الطريق نهاية، والتفاوض مع "إسرائيل" ينقطع ليبدأ من جديد بغطاء عربي مرة ودولي مرات دون أن يصيب المفاوض الفلسطيني ملل أو سأم أو يأس.
إخلاص السلطة
وما أوضحته تلك الفترة الطويلة هو إخلاص السلطة الفلسطينية في تنفيذ التزاماتها التي فرضتها عليها الاتفاقية الظالمة، فاستخدمت السلطة كل قوتها لمطاردة المقاومة واعتقال المقاومين وسجنهم وتعذيبهم وتسليمهم ل"إسرائيل"، أو إبلاغ القوات الإسرائيلية عن أماكن وجودهم لتقوم باعتقالهم أو اغتيالهم ورغم أن السلطة تبرهن كل يوم على أنها أكثر كفاءة في حماية أمن "إسرائيل" من القوات الإسرائيلية نفسها، فإن هذه السلطة لم تحقق أي تقدم حتى الآن في رحلة مفاوضاتها الطويلة، وما زال رموز تلك السلطة يرددون خطابهم الضعيف الذليل حول خيارهم الإستراتيجي، ورفضهم للعنف، ومطالبتهم بتطبيق خريطة الطريق، والخضوع لشروط الرباعية.
لكن الأخطر من ذلك أن أهداف السلطة ورئيسها أبو مازن، ومفاوضيها وكبيرهم بدأت تتناقص وتضيق حتى أصبح الهدف الوحيد المعلن لتلك المفاوضات التي تنتقل من واشنطن إلى شرم الشيخ هو تجميد الاستيطان.
وقد أصابت رئيس السلطة الفلسطينية نوبة شجاعة جعلته يهدد بوقف المفاوضات إذا لم يتم تجميد بناء المستوطنات لمدة أربعة أشهر!!.
هكذا نسيت السلطة القدس وحق العودة وأرادت أن تقدم إنجازاً لشعبها كنتيجة لمفاوضاتها المباشرة هو تجميد الاستيطان لأربعة أشهر قادمة.
إنه نصر مبين وسوف يرضي رئيس الوزراء الإسرائيلي في النهاية، ويخاف من تهديد أبي مازن بوقف المفاوضات ويومئذ تنتفخ أوداج أبي مازن والرؤساء والملوك العرب بهذا الإنجاز العظيم. ثم ماذا بعد؟!! وماذا تريدون بعد ذلك، ألم تنهزم "إسرائيل" وتوقف بناء المستوطنات خوفاً من وقف المفاوضات.
ويومئذ سيهاجم اللوبي الصهيوني في أمريكا مستر أوباما بكل قسوة.. أما الصحف العربية الحكومية فستخرج بعناوين صارخة تؤكد أن الرؤساء العرب هزموا اللوبي الصهيوني في أمريكا، وأقنعوا أوباما بأن يضغط على "إسرائيل" لكي تجمد بناء المستوطنات لمدة أربعة أشهر جديدة!!.
وبالطبع فإن صحف كل دولة عربية سوف تؤكد أن رئيسها هو صاحب ذلك الإنجاز العظيم.. وأنه لولاه ما اقتنع أوباما بالضغط على "إسرائيل"، وستقوم بفبركة الصور لوضعه في مقدمة الرؤساء وهم يسيرون مبتسمين على البساط الأحمر في طريقهم إلى قاعة المفاوضات الجديدة.
افرحوا يا عرب!!
وتلك القصة سوف تشكل تمهيداً لإقناع الرأي العام العربي بتأييد عملية السلام، فها هي "إسرائيل" تنهزم أمام الإصرار العربي، وتجمد الاستيطان.
ووسائل الإعلام العربي تختار ضيوف برامجها من مدعي الثقافة، وأصحاب الأحلام التافهة البسيطة... ليؤكدوا أن هذه أول مرة تقف أمريكا مع الحق العربي ضد "إسرائيل"، وهذا يشكل في حد ذاته إنجازاً على العرب أن يفرحوا به... وبعدما تنتهي فرحتهم يعود المفاوض الفلسطيني بغطاء عربي ليطالب بتجميد الاستيطان مرة أخرى، وهكذا تمر السنون حتى يموت جحا أو يموت الحمار أو يموت الرئيس.
والحقيقة التي لم تحاول وسائل الإعلام العربية أن تكشفها ربما دعماً للمفاوض الفلسطيني وربما خداعاً للجمهور العربي أن الاستيطان لم يتوقف يوماً، وأن "إسرائيل" قد قامت ببناء آلاف الوحدات السكنية بحجة إكمال بناء هذه الوحدات خلال الشهور الماضية التي ادعت فيها تجميد الاستيطان، كما حولت "إسرائيل" محيط القدس إلى غابة من الكتل الخرسانية التي شوهت الجمال التاريخي والجلال الحضاري للمدينة.
وبالطبع فإن "إسرائيل" تساوم على تجميد بناء مستوطنات جديدة، وتحرك المستوطنين للتظاهر ضدها والتهديد بإسقاط الائتلاف الحاكم حتى لا يتطلع أحد أو يطوف بخياله حول إمكانية الجلاء عن هذه المستوطنات، وإعادتها إلى شعب فلسطين.
وإذا كان تجميد بناء المستوطنات لمدة أربعة أشهر احتاج كل ذلك العناء، فكم سيستغرق التفاوض على إزالة تلك المستوطنات وما الثمن الذي يجب أن يدفعه شعب فلسطين مقابل الجلاء عن بعض المستوطنات.
التفاوض فن وعلم!
والعرب يتفاوضون مع "إسرائيل" منذ عام 1974 حتى الآن بشكل مباشر وغير مباشر.. وطوال تلك الفترة الطويلة كان العرب يخسرون و"إسرائيل" تكسب.
وبالرغم من خطورة هذه الإستراتيجية التفاوضية، حيث يعرف كل خبراء المفاوضات أنه عندما يصر طرف على أن يكسب وأن يخسر الطرف الآخر، فإن ذلك يؤدي إلى توقف المفاوضات وفشل الأطراف في التوصل إلى حلول وسط.
36 سنة تصر "إسرائيل" على أن تكسب وأن يخسر العرب، ومع ذلك لم تتوقف المفاوضات ولم ينسحب العرب، ويستمر تقبيل الوجنات والرؤوس وربما الأيادي في الغرف المغلقة.
وهذا الوضع لا يمكن تفسيره علمياً، وهو ضد المنطق، ويتنافى مع كل الأصول والأعراف، ويشكل إهانة مستمرة للعرب.
والذي أهان الكرامة العربية، وضيع هيبة العرب وجعلهم سخرية للعالم هم الرؤساء والملوك العرب، فمن الذي يقبل أن يتفاوض بهذا الشكل؟!!.
هناك خصومة تاريخية بين هؤلاء الرؤساء والعلم، فلم يهتم أحد منهم بأن يسأل علماء السياسة رغم كثرتهم.
وأعتقد أن الكثير من علماء السياسة العرب قد درسوا تجربة الفيتناميين في التفاوض ويمكنهم أن يخبروا الرؤساء بأن المفاوض الفيتنامي أذل أمريكا لأنه كان يمثل المقاومة، وكان يضع أمام أمريكا خيارين: إما الانسحاب أو استمرار المقاومة حتى التحرير الكامل لأرض فيتنام.
ولهذا رضخت أمريكا أمام مفاوض يمثل شعبه وتسند ظهره مقاومة تصر على تحرير الأرض.
ورفض المفاوضون الفيتناميون أن يأكلوا أو يقيموا في فنادق على حساب أمريكا.
أصروا على أن يقيموا في فندق على نفقتهم وأن يأكلوا في أرخص المطاعم وحدهم، وألا يشربوا حتى الماء داخل المفاوضات، وأن تكون مائدة المفاوضات بشكل يوضح المساواة بين طرفي التفاوض.
لكن المفاوض الفلسطيني أعلن قبل أن تبدأ المفاوضات أن السلام هو خياره الإستراتيجي الوحيد، وقامت السلطة بحماية أمن "إسرائيل" وضرب المقاومة ورفض أبو مازن المصالحة مع حماس خضوعاً لأوامر أمريكا وإسرائيل. فكيف يمكن أن يتفاوض ذلك المفاوض البائس؟. وكيف يمكن أن تتنازل "إسرائيل" لمفاوض أعطاها كل شيء وحرق كل أوراقه وأعلن ضعفه واستسلامه وحدد هدفه الوحيد في تجميد الاستيطان لمدة أربعة أشهر لكن على "إسرائيل" أن تدرك أن ذلك المفاوض لا يمثل شعب فلسطين، وأن شعب فلسطين يدرك أن مستقبله سيتشكل بكفاحه وجهاده لتحرير أرضه، وأن مشروع المقاومة هو الذي يحفظ الحقوق والكرامة... والأحرار الذين يحبون وطنهم ويؤمنون بالله هم وحدهم الذين يحملون هذا المشروع.
و"إسرائيل" في النهاية سوف تخسر لأنها اغترت بضعف السلطة الفلسطينية، ونسيت أن المقاومة هي التي تعبر عن آمال شعب يصر على تحرير أرضه.

نقلا عن المركز الفلسطيني