مشاهدة النسخة كاملة : حماس والثورة المضادة


ابو نسيبة
10-01-2010, 03:14 AM
حماس والثورة المضادة

د. عطا الله أبو السبح
حماس ثورة سيقف التاريخ عندها طويلاً لدراسة تجربتها ؛من حيث المنطلقات والدوافع والغايات والأداء، وإذا سلمنا بأن الإنسان هو محور التجربة فسيقف التاريخ –أيضاً- طويلاً أمام إنسانها والعوامل التي صاغته، وأمدته بهذا الزاد الفكري والعقدي الذي حقق به هذا الصمود العجيب في فترة هي الأعقد من حيث تشابكاتها وتأثيرها وضغطها بل ضغوطها...
وسيجد الدارسون أن حماس لا تزيد عن غيرها من الأمم أو الممالك أو الحضارات ؛ من حيث الأساس الذي نشأت عليه، والذي لا يجادل في قوته أحد، كما لا يجادل أحد بأن مقياساً طردياً يحكم العلاقة ما بين قوة الأساس، وعمر تمكين الأمة أو المملكة أو الحضارة، ثم يتناقص العمر بتآكل قوة (المداميك ) التي علت ذاك الأساس، حتى إذا انهارت (المداميك ) فإن أجل الأمة أو الحضارة أو المملكة قد حان،وكلما كان البناء قوياً طال أجل الأمة وتمكينها...
وهذه قاعدة مطردة تكاد لا تشذ عنها أمة من الأمم أو مملكة أو حضارة، وجعل فلاسفة التاريخ أن أهم ناظم في البناء هو (الأخلاق) وهو أمر جامع لكل فضيلة، يأتي في مقدمتها العدل، ثم يقظة الضمير الذي تمثل غفلته عامل هدم، قد يستعصي تداركه إذا ما تسلل فتور إلى جهاز أشد أهمية؛ أعني الجهاز الرقابي الدقيق،ذا الكفاية والأمانة...
فيما اختصره القرآن الكريم بقوله (إن خير من استأجرت القوي الأمين) القوة في ناحيتيها؛ المادية والتخصص، والأمانة التي تتوجها مراقبة الله الدائمة، وهما مما يعتريه الفتور بالانشغال أو التشاغل أو المحاباة،والميل عن الحق وبالتالي الحيد عن العدل؛ بسبب حب أو بغض أو أثرة،أوالضعف أمام الفتنة...
وكما هو حال الضوء ؛فكلما ابتعدنا عن مصدره خَفَت،حتى إذا ما دخلنا شبه الظل أوشك أن يتلاشى،عند أول دخولنا إلى منطقة الظل، وكذا كلما ابتعدنا عن المنطلقات والدوافع والغايات،كلما اقتربنا من منطقة شبه الظل فالظل، ولعل أهم مظاهره يتمثل في توسيد الأمر لغير أهله، أو لمن كانوا من أهله فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، فابتعدوا عن بؤرة الضياء أو أخذ الضياء يخبو في قلوبهم...
فإن لم يتدارك الناصحون الأمر أولاً بأول استعصى العود إلى الأساس فضلاً عن (المداميك)،وقد يتفاقم إذا تخاذل الناصحون وانزوى المخلصون؛ بذريعة ما قالته زنوبيا يوماً (لا يسمع لقصير رأي) أو على حد قول الإمام علي كرم الله وجهه (لا رأي لمن لا يطاع ) الأمر الذي يستوجب فتح النوافذ على مصاريعها ليرى صانع القرار الحق حقاً ليتسنى له اتباعه،والباطل باطلاً ليتسنى له اجتنابه...
وليس له من عذر إن تذرع بكثرة المشاغل ووعورة الطريق، كما أنه ليس بمعذور إن لم يتخذ القرار فيمن خان أو فرط، أو من غلب عليه عشق (البرستيج )،وعلى حد قول سيدنا عمر ( قد يخون الأمين و يفرط الحريص).
وحتى لا يظن أحد أنني ابتعدت عن العنوان أقول :يجب أن تتوقف حماس أمام الكثير من الوقائع وأصحابها، وينبغي ألا تحتكم إلى الاستصحاب في الحكم على أداء (الرجال) بل تعتمد متابعة الخط البياني لأدائهم وفق معايير واضحة ومحددة وقابلة للقياس في كل مجالات العمل،وخاصة في تلك التي لها مساس بالمواطن بالدرجة الأولى ؛بضرورات حياته وحاجاته، ولا بأس من الأعذار في تحسينات الحياة وتزاويقها..
وكي يتحقق حسن الأداء بقوة وأمانة، و لا تبتعد عن المنطلق والباعث والغاية، فلا تسمع من يقول : (اللي ملوش سند بنضرب على قفاه) وحتى لا يضيع الحق في زحمة الطريق، وحتى لا تضيع الأوراق في الأدراج،وحتى لا تستشري البيروقراطية، التي لا تلد إلا القيل والقال والأحقاد والإحن، وحتى تظل القاعدة الذهبية (العدل أساس الملك ) هي الحكم فيمن يقود وفيمن يقاد... ولتحذر من عدو داخلها ؛ فهو الأضر عليها من ألف يقفون على حدودها أو بمحاذاة أسوارها ؛ شأنها في ذلك شأن كل أمة أو مملكة أو حضارة، فهي ليست بدعاً من التاريخ.

نقلا عن المركز الفلسطيني