مشاهدة النسخة كاملة : المصالحة أفعال لا أقوال والرجال مواقف!!


أبو فاطمة
09-30-2010, 04:50 PM
المصالحة أفعال لا أقوال والرجال مواقف!!
سعيد دويكات
المصالحة الوطنية والسلم الأهلي والوحدة الوطنية والمحافظة على النسيج الاجتماعي.. كلمات جميلة ومصطلحات تداعب النفس وتنعش القلب.. ولكن ما حظها من الواقع؟ وهل هي حقائق ماثلة على الأرض أم أنها لا تعدو كونها فقاعات تسرح في الفضاء؟
لا اعتقد أن هناك إنسانا سويا عاقلا لا يحب هذه الكلمات بل ويتمناها من كل قلبه واقعا نعيشه على الأرض أو على الأقل نحلم به ونتمناه إن لم نتمكن من ممارسته..
هل المصالحة قريبة...عاطفيا: من كل قلوبنا نأمل ونتمنى ذلك...
عقليا...المسافة شاسعة بين المصالحة المأمولة وبين الوقائع والحقائق على الأرض، ويجب أن يكون المرء صادقا وأمينا في طرحه وتحليله ولا يبني للناس قصورا في الهواء أو يجري بهم على الماء..
المصالحة ليست مجرد كلمات تقال أو ابتسامات تصنع أمام الكاميرات، بل أكثر من ذلك، فهي ليست توقيعا على ورقة ثم قضي الأمر الذي فيه تستفتيان...
فالأهم من التوقيع هو التطبيق والتنفيذ بعد التوقيع...وقبل التوقيع أيضا لا بد من إيجاد أرضية ملائمة على الأرض لهذا التوقيع..فهل هذه الأرضية متوفرة، وهل هناك على الأرض أي إجراء يشير إلى قرب المصالحة أم أن العكس هو الصحيح...
نظرة سريعة إلى واقع الضفة تغني عن أي كلام...
وهنا لا بد من الإشادة بكل جهد خير يدعو إلى رأب الصدع وجمع الشتات ولملمة الجراح ووقف النزيف..ولكن كيف؟
هل هناك وقف للممارسات التي فاقت كل حد وتجاوزت جميع التصورات..
هل هناك عمل اجتماعي بين الناس لإعادة الاعتبار ورد الحقوق إلى أصحابها ومحاولة إزالة ما علق بالنفوس من ضغائن وأحقاد تكاد تجعل المجتمع متشظيا إلى ألف شظية وشظية...
هل هناك شيء من ذلك... إن حصل هذا أو شيء منه فنحن على الطريق إلى المصالحة، إما إن كان غير ذلك فكل من يتحدث عن المصالحة، فهو إنما يتحدث عنها ربما في مجتمع آخر أو قل في عالم أخر..
القسوة والظلم يحفران في أعماق النفس أخاديد من الألم يصعب ردمها أو إزالة معالمها بين عشية وضحاها، وأبسط حق للمتألم للمظلوم هو أن يصرخ شاكيا ألمه وظلمه وان يقول كفى..بعد أن ذاق الأمرين.
فهل نستكثر عليه ذلك؟ ثم باسم المصالحة نجلد ظهره ونكيل له التهم والشتائم ونؤول شكواه حسب الميل والهوى،ونسجل على حسابه المواقف..
ألم يخطر ببالنا أن نضع أنفسنا مكانه ونتخيل ولو ساعة ألم واحدة.
ليس هناك أعظم من الوحدة وأجل ممن يدعو ويعمل لها، ولكن أن يكون ذلك على أسس سليمة قويمة يأخذ فيها كل ذي حق حقه، وأن يعالج أمر الانقسام والشقاق بروح مسؤولة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم... وليس عن طريق تملق طرف وسلخ جلد طرف آخر أو في أحسن الأحوال وضعهما في كفة واحدة.
ومنذ متى كان التملق والاسترضاء يصنع وحدة أو يمهد الطريق إليها...
وهل تعني المصالحة والوحدة تكميم أفواه المعذبين ومنعهم حتى من قول آه...وإلا كانوا من دعاة خراب البلاد والعباد وتعميق للانقسام...
ترى من الذي يلام...ذاك الذي يجلد أم ذاك الذي تشوي ظهره السياط...
من حق من شاء أن يقول ما شاء ولا ينكر عليه رأيه ولكن لا يحق له أن يكمم أفواه الآخرين وأن يوزع عليهم الاتهامات، لان (آهاتهم) لا تعجبه، أو ربما أن هناك حاجة في نفسه.
إن أعظم شيء في الإنسان مبدؤه وقيمه خاصة عندما يكون مبدأ حق وقيما سامية، فالمبادئ تضبط إيقاع أصحابها وتكسبهم احترام الآخرين واحترامهم لأنفسهم، ومن كان غير ذلك فقد الاثنتين معا.
لذا فإن من المبدئية أن يحافظ الإنسان على فكره ومفردات خطابه.ولا يغيرها حسب المواقف والجهات المخاطَبة...
وأن لا يداهن على حساب مبدئه..
فها هو قدوة المسلمين الأولى رسول الله خاطب هرقل الروم وكسرى فارس بتحية الإسلام (السلام) ولم يخجل منها، فعجبا لمن يدعي تبني النهج الإسلامي وتمثيله ثم يتخلى عن تحية الإسلام ويستبدلها بأخرى ما أنزل الله بها من سلطان لأجل شيء أقل ما يقال أنه لا قيمة له.
وأخيرا أقول: إن المصالحة هدف عظيم ومصلحة عليا نبيلة ولكنها لا تعني بحال من الأحوال التفريط بالحقوق والتخلي عن المبادئ. ومن لم يكن أمينا على مبادئه فلا يمكن أن يكون أمينا على أي شيء آخر.

نقلا عن المركز الفلسطيني