مشاهدة النسخة كاملة : حرب القاعدة على موريتانيا الدوافع وخيارات الرد


أبوسمية
09-29-2010, 04:11 PM
حرب القاعدة على موريتانيا الدوافع وخيارات الرد

باشرت موريتانيا في يوليو 2010 استراتيجية دفاعية جديدة تتمثل في مباغتة تنظيم قاعدة المغرب الإسلامي في مراكزه الواقعة على الأراضي المالية. و قد تعالت الأصوات المنتقدة بالترهيب تارة و تهميش الدور الموريتاني حينا و أخيرا القول إن موريتانيا تخوض حربا بالوكالة وهو ما يعني أن قاعدة المغرب الإسلامي تخوض حربا ضد فرنسا و الغرب و أن موريتانيا حولت جيشها مرتزقة يحارب عن الآخرين.
و رد هذا الطرح (الحرب بالوكالة) من ثلاث جهات. الجهة الأولى صحافة بعض دول الجوار التي ترى أنظمتها أنها الوحيدة القادرة على الإضطلاع بقيادة أي مجهود حربي ضد الجماعات المسلحة. الجهة الثانية جزء من المعارضة الموريتانية التي كانت سنتي 2008 و 2009 تتهم الجيش بالإنصراف عن مهامه إلى ممارسة السياسة متسائلة لماذا لا يتعقب "الإرهابيين"؟ أما الجهة الثالثة فهي بعض المحللين الوطنيين ومنهم مفكرون لا نشك في إخلاصهم و حرصهم على موريتانيا. الفئة الأخيرة هي من يدفعنا إلى كتابة هذا الرأي بادئين بالتذكير بالوقائع.
1- خلال شهر يونيو 2005 هاجمت الجماعة السلفية للدعوة و القتال ثكنة للجيش الموريتاني في بلدة المغيطي مخلفة 17 قتيلا و أكثر من 20 جريحا.
2- في 24 دجمبر 2007 قرب مدينة ألاك اغتيل أربعة مواطنين فرنسيين منهم شقيقان ماتا أمام أبيهما الجريح الوحيد الناجي بعد الهجوم الذي نفذه ثلاثة شبان موريتانيين منتمين إلى تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.
3- 27 دجمبر 2007 وقعت سيارة استطلاع تابعة لثكنة الغلاوية قرب مدينة وادان في كمين للقاعدة نجم عنه قتل العسكريين الأربعة الموجودين في السيارة.
4- مارس 2008 هوجم مقهى قرب السفارة الإسرائيلية في انواكشوط و جرح فيه شخصان
5- 7 إبريل 2008 في انواكشوط اشتبكت مجموعة مسلحة مع فرقة من الشرطة قتل فيها ضابط الفرقة محمد سالم ولد سيدي محمد و جرح عدة شرطيين.
6- 9 سبتمبر 2008 وقعت وحدة من الجيش الموريتاني في كمين قرب تورين قتل فيه 11 جنديا موريتانيا صائمون في شهر رمضان ومثل بجثثهم. من بين القتلى قائد الوحدة النقيب أج و لد عابدين الحافظ للقرآن العظيم.
7- سبتمبر 2009 استهدفت السفارة الفرنسية في انواكشوط بتفجير انتحاري مات منفذه و أصيبت سيدة موريتانية بجروح
8- نوفمبر 2009 خطف ثلاثة مواطنين إسبان على طريق انواكشوط – انواذيبو و تم اقتيادهم إلى قواعد التنظيم في مالي.
من يعتقدون أن هذه العمليات ليست موجهة ضد موريتانيا، أو من يرون أن اغتيال و اختطاف الرعايا الأجانب و استهداف السفارات على الأرض الموريتانية جهادا ضد دول هؤلاء الأجانب و هذه السفارات، أحرار في اعتقادهم و في رأيهم. بالنسبة لنا تمثل هذه الأعمال حربا مفتوحة على موريتانيا بحيث يُجهَل هدف الهجوم القادم كزمانه ومكانه. و غني عن القول إن كتائب القاعدة لم تهاجم القوات الفرنسية التي تملك عدة قواعد في إفريقيا و لم يركب مجاهدوها البحر متوجهين إلى موانئ فلسطين المحتلة و لا خطر ببالهم الوقوف على مركز التصنت والمراقبة الأمريكي الموجود في المنطقة خارج الحدود الموريتانية...
يعتمد أحد الكتاب على مشاركة فرنسا في عملية يوليو 2010 – وهي بالمناسبة مشاركة اقتصرت على معلومات استخباراتية – و على انطلاق العمليات الأخيرة قرب تمبكتو منتصف سبتمبر2010 نفس اليوم الذي تم فيه اختطاف فرنسيين في النيجر للتدليل على أن الجيش الموريتاني تحرك من أجل فرنسا. متسائلا لماذا لم يتعقب الجيش الموريتاني مقاتلي القاعدة بعد مهاجمة المغيطي و الغلاوية و تورين؟
لقد فاجأني طرح الكاتب و معرفته بالوقائع و من ثم استنتاجاته.
فمن حيث الطرح لا أعتقد أن الكاتب ممن ينفون الإرادة و إمكانية الفعل عن الإنسان الموريتاني ما لم يكن مدعوما من طرف ما. فتبدل الأنظمة السياسية بالإنقلابات أو غيرها لا بد أن يكون تدبيرا فرنسيا يضمحل إلى جانبه تضافر العوامل الداخلية و إجماع القيادة العسكرية. و استباحة البلاد و القيام بعمليات عسكرية ضد جيشها وضيوفها لا يشكلان سببا كافيا يدفع السلطة إلى محاولة فرض هيبة الدولة. فالجيش المدعوم بقطاع كبير من الشعب الموريتاني تحول إلى مرتزقة تخوض حروب الآخرين.
حول الوقائع نذكر أن وحدات من الجيش الموريتاني توغلت داخل التراب المالي تتعقب القاعدة في يوليو 2005 بعد الهجوم على المغيطي. و بعد هجوم الغلاوية أواخر 2007 صرح الوزير الأول وقتئذ أن العملية ليست من تدبير القاعدة. و في مقابلة مع يومية لموند الفرنسية بتاريخ 23 يناير 2008 قال رئيس الجمهورية الأسبق إن اغتيال الفرنسيين الأربعة قد جرى تضخيمه و إن الإرهاب لا يمثل خطرا على موريتانيا. لم تكن السلطة السياسية يومها ترى في القاعدة تهديدا أمنيا. بعد تورين 2008 كانت الإستراتجية تقضي بإعادة تأهيل الجيش و تجهيزه و إحكام السيطرة على الحدود قبل الإنتقال إلى عمليات هجومية. للتذكير كان لدى المنطقة العسكرية الشمالية سبع سيارات يوم مباغتة وحدة تورين بقيت منها أربع. إن جيشا هذه معداته لا يمكن أن يلقى به لخوض حرب على آلاف الكيلومترات من مواقعه.
يستنتج الكاتب ضرورة الإكتفاء بحرب دفاعية محدودة أسوة بدولة مالي التي تسرح هذه الجماعة على أرضها و تمرح.
إن خطف شيخ في الثمانين من عمره جاء لبناء مدرسة ثانوية جمع تبرعاتها في بلده ثم قتله لا يهدد مصالح فرنسا أو أي كان بل هو منكر تتعين إدانته على كل مسلم. تجدر الإشارة إلى أن فرنسا لم تتبن في الماضي الحلول العسكرية وسيلة لإطلاق سراح رهائنها.
قاعدة المغرب الإسلامي تخوض حربا ضد موريتانيا كدولة و ككيان بغض النظر عن النظام السياسي الحاكم و توجهاته خارجيا و داخليا. هذه الحرب حلقة في الصراع الخفي حول مصادر الطاقة. إذ يوجد اليوم شبه إجماع لدى خبراء النفط على أن صحراء النيجر و مالي و موريتانيا تزخر بالغاز و البترول إلى جانب اليورانيوم (الوقود النووي). و أخيرا رأى النور مشروع أوربي يهدف إلى بناء محطات للطاقة الشمسية في نفس المنطقة ستغطي ما يقارب العشرين بالمائة من استهلاك أوروبا من الكهرباء. قادة تنظيم قاعدة المغرب الإسلامي المرتبطون بتجارة المخدرات و بجهات أخرى مأجورون بهدف تقديم المنطقة كبؤرة عدم استقرار لا سلطان لدولها. تحرك هذه الحرب إذن دوافع و غايات لا علاقة لها بالجهاد و لا بحالة الأمة، وإنما جهات لا تستطيع تحمل التبعات السياسية و الأخلاقية الناجمة عن حرمان أفقر دول العالم من استغلال ثرواتها.
تفرض هذه الحرب على موريتانيا إحدى خيارات ثلاث: التعامل مع النتائج انتظارا للعملية اللاحقة، التسليم للجهة المهاجمة والقبول بصيغة ما للتعايش معها، و أخيرا المواجهة.
التعامل مع النتائج و تجاهل كينونة خطر أمني اتبع بعد مقتل المدنيين الفرنسيين قرب ألاك والهجوم على ثكنة الغلاوية كما أسلفنا. أما التسليم فيعني تفاوض موريتانيا مع الجماعات المسلحة والقبول بالتعايش معها. وغني عن القول إن هذه الخيار سيكون له ثمن عيني مباشر تؤديه الدولة و نتيجة سياسية هي نفي موريتانيا و صوملتها.
الخيار الأخير أن تتحمل موريتانيا مسؤولياتها دفاعا عن حوزتها الترابية و ضمانا لأمن ساكنة ربوعها مواطنين و أجانبا و فرضا لهيبتها ضد المتربصين بها. و هو ما يعني الرد على المعتدين بعمل عسكري يعيد المبادرة إلى الجيش الموريتاني و يباغت الجماعات المسلحة في قواعدها و مأمنها حتى يزول تهديدها وتتوقف هجماتها. هذا الحل تبنته موريتانيا بعد تعرض جيشها لهجوم مباغت في المغيطي سنة 2005. غير أن الإحتقان السياسي في تلك الفترة و عدم جاهزية الجيش الوطني و ترهل قيادته و سوء تسليحه وضعف تدريبه كادت أن تقود إلى خسارة هذه الحرب.
نفس الخيار تبنته السلطة الحالية محاولة استدراك نواقص 2005 بإعداد العدة اللازمة وعلاج البعد السياسي. فلم تدفعها أقاويل من قبيل انشغال الجيش بالسياسة أطلقت بعد هجوم تورين 2008 إلى التسرع في تتبع المعتدين. بل تم خلال سنتين تأهيل الجيش تدريبا و تسليحا و أعيد بناء سلاح الجو و وجهت الاستخبارات ضد العدو الخارجي. فتحققت نتائج إيجابية نذكر منها السيطرة النسبية على الحدود (للتنبيه، الهجرة السرية وتهريب المخدرات إلى أوربا و أمريكا بشكل يومي ينفيان إمكانية السيطرة على حدود الدول بشكل مطلق و كامل) و وقف حركة التهريب، و نجاح الأمن في اعتقال العديد من الناشطين فور عودتهم إلى البلاد أو بالتنسيق مع دول الجوار، تحديد هوية خاطف المواطنين الإسبان ثم ملاحقته و اعتقاله خارج الأراضي الموريتانية، التمكن من اعتقال قتلة الموطن الأمريكي كريستوفر لكيت، و تفكيك خلايا التنظيم على الأراضي الموريتانية...

سياسيا يتمتع المواطن الموريتاني بحريات سياسية يكاد ينفرد بها في الوطن العربي و إفريقيا. و قد تمت تلبية مطالب شعبية مثل قطع العلاقات مع إسرائيل و نزلت السلطة عند بعض الآراء الوطنية الداعية إلى فتح حوار فكري مع أتباع الجماعات المسلحة ليستفيد بعض سجنائها من العفو. في ذات الوقت تتعدد الإشارات المُرسَلة إلى المقاتلين ليتوبوا موعودين بالإستفادة من إجراءات تخفيفية.
لا مناص من الإستراتجية الحالية من أجل ردع التهديد الذي يواجهه الكيان الموريتاني و ما يعنيه ذلك من الدخول في معارك تتطلب الصبر و المزيد من الجهد الإعلامي المدروس. لا ينبغي أن يعول الموريتانيون في حماية دولتهم إلا على أنفسهم و لهم القدرة التامة على كسر شوكة المتربصين بهم. فموريتانيا لا تحتل أرض أحد و إنما تدافع عن أمنها و سيادتها. وتمتلك موريتانيا الكثير من مقومات النصر التي لَمَّا تستغل. وعلى السلطة أن تحرص على التشاور مع المؤسسات و قادة الأحزاب معارضة و أغلبية و مع العلماء و قادة الرأي و ما يقتضيه ذلك من الإستماع إلى آراء المنتقدين حسني النية الحريصين على الوطن و في مقدمتهم الكاتب المشار إليه أعلاه.

محمد المختار ولد عثمان
مهندس و حقوقي موريتاني مقيم في فرنسا

نقلا عن السراج الإخباري