مشاهدة النسخة كاملة : ظاهرة العمالة.. بين مشهدين!


أبوسمية
09-29-2010, 02:18 PM
ظاهرة العمالة.. بين مشهدين!

لمى خاطر

لم يكن جهداً عادياً ذلك الذي بذلته وزارة الداخلية في غزة على مدى السنوات الثلاث الماضية في ملاحقة عملاء الاحتلال وتفكيك شبكاتهم، وكان طبيعياً أن ينشط جهاز الأمن الداخلي في حربه على ظاهرة العمالة بعد حرب غزة التي كان للعملاء فيها دور مركزي في كشف أماكن المقاومين وجزء من تكتيكاتهم، وفي إفشال جانب من خطط مواجهة الاحتلال عند اقتحامه بعض المناطق في غزة.
فالاعتماد الصهيوني على العملاء يعد حجر أساس في منظومته الأمنية والعسكرية، فما بالنا في بيئة مثل القطاع ليس له فيها تواجد ميداني، ولا إمكانيات لاستئصال المقاومة وجهاً لوجه، ولذلك فما من شك بأن الضربة الأخيرة التي وجهتها الداخلية لظاهرة العمالة قد أصابت الاحتلال في مقتل وأربكت الكثير من حساباته القادمة سواء فيما يتعلق بسيناريوهات الحرب المحتملة على غزة، أو بآليات تجنيد مجموعات بديلة من العملاء.
ومن جهة أخرى فإن الرسالة الداخلية التي تضمنها الإعلان عن تفكيك العديد من خلايا العمالة لا تقل أهمية عن تلك المرسلة للاحتلال، فلا مجال بعد اليوم لأن يأمن أي عميل العقوبة، أو يستهين بالقدرات الأمنية للحكومة في غزة، أو يعوّل على حماية الاحتلال له سواء المباشرة أو تلك التي تترجمها الاتفاقات الأمنية مع الاحتلال كما كان الحال سابقا في غزة وكما هو الوضع الحالي في الضفة، وهذا يعني أن بيئة القطاع ستغدو شيئاً فشيئاً نظيفة وشبه خالية من العملاء، أو على الأقل ستتناقص حدود تأثيرهم ومساحات عملهم إلى حدها الأدنى.
ويكفي أن نلاحظ مدى حرص الحكومات الإسرائيلية على تضمين جميع اتفاقيات السلام بنوداً تخص العملاء وتحظر ملاحقتهم، ومدى اجتهاد سلطة أوسلو منذ نشأتها في تجنب المساس المباشر بهم لندرك الثقل الذي كان ولا يزال العملاء يشكلونه في معادلة الأمن الصهيونية.
مما يحسب لوزارة الداخلية في غزة أنها وقبل أن تتوج حملتها ضد العملاء بالمؤتمر الصحفي الذي أعلن الكشف عن شبكاتهم وطبيعة نشاطهم وآليات تجنيدهم ووسائل اتصالهم بالاحتلال كانت قد نظمت حملة لمواجهة التخابر متعددة الجوانب، إضافة لفتحها باب التوبة أمام العملاء، وهو ما أدى في النهاية لتسهيل مهمتها ومكنها من الإمساك بخيوط العديد من الشبكات.
لكن هذا الجهد الذي استغرق فترة زمنية ليس قصيرة غاب عن منظمات حقوق الإنسان المحلية التي حصرت تفكيرها في تنفيذ أحكام إعدام بحق عدد من العملاء المتورطين بشكل مباشر في تصفية قيادات وطنية أو مقاومين، وأدانته معتبرة إياه انتهاكاً لحق الإنسان في الحياة، وكأن التآمر لاغتيال مواطن فلسطيني بالتعاون مع الاحتلال ليس انتهاكاً لهذا الحق يستوجب عقوبة مماثلة!
لقد أحسنت وزارة الداخلية صنعاً إذ لم تعلن عن أسماء المعتقلين لديها، ولا شك أن هناك اعتبارات أمنية واجتماعية وربما سياسية خلف الأمر، فخوف العميل من الفضيحة والانكشاف يعدّ إحدى العقبات التي تحول دون تراجعه وإقراره بارتباطه مع الاحتلال. فكان كافياً الاقتصار على عرض أبرز جرائم العملاء، وهي جرائم -كما لاحظنا- طالت مختلف الفصائل المقاومة وليس حماس وحدها، وهذا مؤشر على انتفاء النفَس الفصائلي أو الانتقامي أو الحسابات الحزبية من هذه الحملة، وعلى أن التوجه للقضاء على ظاهرة العمالة ومتعلقاتها هو توجه وطني عام لدى الحكومة في غزة، وأولوية على أجندة عملها كون هذه الظاهرة تستهدف جوهر مشروعها المقاوم المناوئ بالضرورة للارتباط بالمحتل، وذلك على النقيض من المشروع المعتمد على المحتل وعلى دعم حلفائه.
إن أي نظام فلسطيني حاكم قادر على امتلاك مقومات التحرر الفعلية وعلى اجتراح آليات مواجهة مضادة لجميع أشكال العبث الصهيوني في الساحة الفلسطينية، المهم أن يكون حرّ الإرادة، وممتلكاً زمام أمره، وغير خاضع لضغوطات خارجية من أي نوع قد تعيق مسيرته في البناء الوطني السليم.
ولهذا فإن تَقيّد سلطة فتح بنصوص اتفاقات التسوية وما تمليه استحقاقاتها لم ينعكس سلباً على المشروع الوطني برمته وحسب، بل خلّف نظاما مشلولاً عاجزاً عن تنفيذ أي إجراء مواجهٍ لانتهاكات الاحتلال بمختلف أشكالها، وهو النظام الذي تحول مع الوقت إلى الموالاة المطلقة للاحتلال، كما تحول أنصاره وموظفوه إلى عملاء بشكل غير مباشر له، وذلك عبر ما بات يعرف بالعمالة المقنعة، فأجهزة أمن الضفة لديها جيش من المناديب والعيون، وهؤلاء يعدّون ما يقومون به من وشاية بعناصر حماس والمقاومة واجباً وطنياً لا عمالة مقنعة، ويرون أنه أحد متطلبات تقدّم (المشروع الوطني)، فتجدهم يقدمون المعلومات دون أن يرف لهم جفن، ودون أن يقعوا تحت سطوة تأنيب الضمير والشعور بالذنب الذي قد يصيب المتعاملين مع الاحتلال، فضلاً عن أنهم يعملون علناً وليس في الخفاء، وهذا بطبيعة الحال يوفر لهم فرصة أوسع للتحرك الميداني دونما حاجة لغطاء من أي نوع يبرر تحركاتهم أو يرفع عنهم الشبهة!
لقد نجحت وزارة الداخلية في غزة في استئصال شأفة العملاء الصريحين والمباشرين للاحتلال وصار المجتمع على وعي بمخاطرهم وشبه محصن تجاه ذلك الداء، فمن لنا بالقضاء على ظاهرة العمالة المقنعة.. توعية ومواجهة وقدرة على الاجتثاث؟!

نقلا عن المركز الفلسطيني

ام خديجة
09-29-2010, 06:06 PM
شكرا على نقل المقال الجيد