مشاهدة النسخة كاملة : الطاهر بن احميدل قصة برائحة المشوي


أبوسمية
09-29-2010, 01:11 PM
الطاهر بن احميدل قصة برائحة المشوي

يرتبط اللحم المشوي كثيرا بالصحراء، لذلك ورثته بلاد السيبة عن صحراء جزيرة العرب التي خلده شعراؤها القدماء "صفيف شواء أو قدير معجل"..وقد اشتهرت مدينة "ألاك" عاصمة ولاية لبراكنة عند سابلة طريق الأمل بجودة"المشوي"..واشتهر اسم واحد من أولئك الطهاة..عاش 45سنة ممسكا بالمطهاة..السراج زارته في مطعمه العتيق بمدينة ألاك وأعدت عنه التقرير التالي:
"كان الزبناء الأوائل يسألون عن"المشوي" الجيد ولا يناقشون الثمن، أما اليوم فقد جاء زمن يفضل الناس فيه الثمن القليل على حساب الجودة"..هكذا يقول "الشواي"أو"الشواط"الطاهر بن احميدلي وهو يحكي بداية رحلته مع مهنة"شي اللحم" التي مارسها منذ 45 سنة.. وأصبح أشهر "شواط"على طريق الأمل.. فاسمه يتردد في أطراف مجالس ساسة موريتانيا الأوائل..وفي حكايات قدماء متقاعدي سائقي السيارات..فكل أولئك له مع محل الطاهر قصة غداء أو عشاء لذيذ.
"مشوي الطاهر"و"شي الطاهر"و"مطعم الطاهر"..كلمات تسمعها لدى السائقين والراكبين كلما سلكوا طريق الأمل وتذاكروا محطة استراحة ينفضون فيها وعثاء الطريق وسغب السفر الطويل.
شهرة قادتنا إليه في مطعمه بمدينة"ألاك"..مطعم عمره 29سنة..فقد أنشأه الطاهر قفوله من نواكشوط "بعد ثلاث سنوات من الانقلاب على الرئيس المختار بن داداه"..هكذا يقول الطاهر فهو يؤرخ بالأحداث لا بالسنوات.
حين تسأله عن بعض تفاصيل تلك الرحلة التي اغترب فيها 18سنة دون أن يرجع إلى ملاعب صباه"ألاك"..يغيب عدة ثوان كأنه يبحث في إرشيف كثير غير مرتب..لكنه حين يمسك بخيط الذاكرة تأخذه نشوة ترغمه على استطراد التفاصيل بحنين ممتع.
بداية المشوار
خرج مغاضبا أهله المقيمين في مدينة ألاك متجها إلى نواكشوط عام 1963 أو"سنة استقلال موريتانيا الثالث" كما يسميها هو، ركب عزمه واستقل شاحنة بأجرة زهيدة لم يعد يتذكر قيمتها بالضبط لكنه يتذكر وعورة الطريق الذي سلكته تلك الشاحنة..كان ذلك قبل إنشاء طريق الأمل.
يقول الطاهر عملت بداية مجيئي لانواكشوط في شاحنات نقل التراب والحجارة..حصلت على رأس مال فأصبحت جزارا ثم عملت مع"مبارك الشلحي" في مهنة"شي اللحم"..عرفت خلالها الكثير عن هذه المهنة..حملت عشقها من تلك الأيام.
العودة لـ"ألاك"
يصمت الطاهر طويلا ثم يقول ببراءة"سبحان الله"..قررت أن أرجع لوالدتي في ألاك بعد ما يقارب عشرين سنة بقرار مفاجئ..كان ذلك ثاني أيام رمضان"بعد سنتين من الانقلاب على ولد داداه"..ما يزال الطاهر يؤرخ بالأحداث..يتابع الطاهر قائلا"خرجت كالعادة لأداء عملي، فجاءني خاطر بالعودة لـ"ألاك"..لوالدتي..رجعت مساء لزوجتي وأخبرتها وقررنا السفر.."..بدأت ببناء عريش في مدخل المدينة جعلته مطعما لبيع"المشوي".
سر التميز
يقول الطاهر"كان الشائع في ألاك هو ما يسمى(شي الفور)..حين جئت لم أكن أعرف سوى الشي على شباك الحديد(المطهاة)..كان الشواة يتهيبون تلك الطريقة لأن إتقان الشي عليها دون أن يتعرض اللحم لـ(التزلاف)أو(اشياط) أمر عسير..كنت أتقن هذه..لعلمك ـ يضيف الـطاهرـ (شي الكرياج) أشهى لدى الزبناء من (شي الفور)..لذلك بدأ الإقبال يزداد على المطعم..أذكر أن أحد السياسيين من ولاية الحوض الغربي يسمى أبي بن دوسو كان لا يأكل في سفره إلا في من اللحم الذي أنضجه له..قال لي ذات مرة(أنا عندما أذهب من لعيون لا أتوقف إلا عندك وعندما أذهب من انواكشوط أفعل نفس الشيء..إنضاجك للحم يعجبني جدا)".
مسابقة في الشي
سألنا الطاهر هل وجد أمامه في ألاك طهاة آخرين؟ فقال:نعم وجدت هنا طاهيين رحمهما الله هما ديده والمختار بن أنولي..كان لكل منهما "فور"لشي اللحم..استطعت في الأخير أن أفوقهما في الشهرة والخبرة.كانت هناك مسابقة قام بها بعض أعيان المنطقة بيني والمختار بن أنولي رحمه الله..جاء القوم بشاتين..أعطوني واحدة لأشويها وأعطوا المختار الثانية..طلبوا مني أن أشويها على "الكرياج" دون أن أقطعها لأنها مملوءة بالكسكس والتوابل..لم أكن جربت هذه الطريقة من قبل..كنت أعرف الطريقة العادية..أن أقطع اللحم وأشويه إربا... إربا..وافقت وبدأت في العملية..نجحت في طهيها كاملة بنفس الطريقة..كان طهيي أشهى..فأحرزت الشهرة والزبائن.
الحرص على الجودة
كان الطاهر يكرر أثناء حديثة مفردة(نصح اللحم)..تعني هذه المفردة عند الطاهر الحرص على إتقان المهمة بدءا باختيار الشياه السمينة ومرورا بإنضاج اللحم شيا دون أن تظهر عليه آثار حرق النار ولا رائحة الدخان..لذلك ـ يقول الطاهرـ كنت حينما تقل الغنم وتهزل في فصل الصيف أتبع الرعاة بعيدا لأشتري الغنم السمان.
"المشوي" بين عهدين
من الأمور التي تسكن الطاهر عقدتها في رحلته مع"المشوي"..الفوارق بين زبناء الأمس وزبناء اليوم، يقول الطاهر""كان الزبناء الأوائل يسألون عن"المشوي" الجيد ولا يناقشون الثمن، أما اليوم فقد جاء زمن يفضل الناس فيه الثمن القليل على حساب الجودة، وأنا لا أعرف "اتفلفيش" أي عدم الإتقان"، ثم إن خمسة شياه كنت أشويها يوميا في ذلك العهد لا تساوي شاة واحدة أو اثنتين أشويهما اليوم..يتابع الطاهر في حنين جارف للماضي"كانت الغنم رخيصة الثمن والزبناء كراما"..
أسعار متباعدة
رحم الله زمانا كانت"أيد بجنبها" تباع بـ300أوقية وكان الذراع بـ100أوقية وكانت500تشتري شاة ضأن "مكتنزة لحما مطبقة شحما"..حين بدأ الطاهر في ذكر أسعار الأمس حن ودفعنا للحنين..أما اليوم يقول الطاهر فإن ذراعا أو كتفا يباع بـ1500و1200..لكن العملة متدنية..أفضل 500أوقية من نقود الأمس على 5000أوقية من نقود اليوم.
حنين لا يموت
لا يأسف الطاهر لشيء أسفه على ذهاب تلك الأيام الخوالي حين كان قوي البنية..ذائع الصيت..كثير العلاقات مع الساسة ورجال الأعمال الذين يحجونه بحثا عن لحم مشوي بيدي الطاهر البارعتين في طهي اللحم..وأسفه على موت زبنائه الأوائل الذين كانوا لا يسألون عن الثمن وكذا أسفه على هجر أصحاب الشاحنات الكبيرة للمطاعم حيث كانوا يشترون الكثير ويعطون بغير حساب.

نقلا عن السراج الإخباري