مشاهدة النسخة كاملة : أحمد ولد داداه مصلحة البلد تقتضي التهدئة


ابن تيارت
09-28-2010, 05:21 PM
أحمد ولد داداه رئيس حزب تكتل القوى الديمقراطية: "
مصلحة البلد تقتضي التهدئة"

ليس سهلا أن تمثل الرأي الآخر في مجتمع تقليدي تتعاقب على حكمه أنظمة أحادية مسكونة بهاجس البقاء لأطول فترة في الحكم مهما كلفها ذلك، وليس سهلا أن تضحي بكل مصالحك الخاصة من أجل مصلحة عامة وتدفع الثمن حرمانا وإقصاء وتشويها وأحيانا تنكيلا... أحمد ولد داداه رجل من طراز خاص... من عيار وطني ثقيل... خبير اقتصادي ومالي.. مسير مجرب اجتذبته السياسة، لكنه لم يعتبرها رغم ثقافته الاقتصادية الراسخة عرضا أو طلبا... اعتبرها مبادئ وقيم وممارسات غايتها تجسيد تحمل الأمانة وإنجاز أعمال تنفع الناس وتمكث في الأرض... ناضل الرجل بوفاء وثبات من أجل تجسيد الديمقراطية وسعى ما وسعه ذلك لمنح خيار آخر لموريتانيا... خاض الاستحقاقات حصد الأصوات... نال ثقة الشعب.. وحاز مصداقية الأصدقاء والأشقاء عن جدارة... يعتبره البعض السياسي الموريتاني الأول الأوحد الذي حاز على مكانته دون إغراءات السلطة...

هو قطب سياسي لا يمكن تجاهله... هو حزب قائم بذاته.. هو رمز وطني لهذا الجيل الموريتاني الجديد المؤمن بالحرية والليبرالية وبقيم التداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الإنسان ومصالحة موريتانيا مع حقائقها العميقة مع انفتاحها على متغيرات العولمة.

الرأي المستنير: كيف تقيمون الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد؟

أحمد ولد داداه: تمر البلاد بمنعطف خطير يمكن القول بأنه يتسم بغموض التوجه السياسي الذي تنتهجه السلطة، لا من حيث التوجه العام ولا من حيث الاختيارات السياسية والاجتماعية ولا من حيث العلاقات الاقليمية والدولية، هناك غموض يلف الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، هل نحن أمام خيار ليبرالي؟ أم اجتماعي يساري؟ ما هو دور الدولة؟ هل سيكون غائبا وبالتالي ليبراليا مغلقا أو متوحشا؟ أم أن الدولة ستكون هي المحرك للاقتصاد؟ أم نحن أمام اقتصاد مختلط يكون فيه حضور لكل من الدولة والقطاع الخاص؟ يمتد هذا الغموض أيضا ليشمل طريقة التعامل من الناحية السياسية، هل تنوي السلطة متابعة التجربة الديمقراطية وترك الأحزاب تحتل مكانتها حسب حجمها وحسب اختياراتها الذاتية وحسب علاقاتها؟ وحسب الانتماءات إليها؟ أم ستعمل على الهيمنة على الساحة السياسية كما لوحظ قبل أسابيع من خلال تأسيس حزب للدولة؟ أي توجه إقليمي تنتهجه هذه السلطة وما هي سياستها تجاه دول الجوار ومع الدول الكبرى؟ وما هو دورها العربي والإفريقي والإسلامي؟ وكيف تتعاطى مع متغيرات وتحديات العولمة؟

كل هذه الأسئلة تبقى حتى الآن من دون إجابات واضحة، ولذلك يمكن القول إن الحالة شبه متوقفة، فالمواطن العادي بحاجة إلى أن تكون الرؤية أمامه واضحة، يمكن أن يوافق على الاختيار أو أن يعارضه لكنه في كلتا الحالتين يرغب في أن تكون الخيارات واضحة له.

وبفعل هذا الغموض يحصل نوع من الارتباك للاستثمارات، إذ أن المال جبان، فلا أحد يريد أن يخاطر بماله ولا مشاريعه وهذا ما قاد إلى حالة التوقف الاقتصادي الحالية. وحين نلقي نظرة على الوضع الاجتماعي نكتشف وجود مغالطة، فقد سمى الجنرال ولد عبد العزيز نفسه رئيسا للفقراء من دون أن تظهر في الواقع سياسة ميدانية تحمل هذا الشعار، فالفقراء يزدادون فقرا وعوزا والشعارات لا تسمن ولا تغني من جوع وبالتالي فيمكن القول بأننا في مفترق طرق لم نحسم خياراتنا بعد .

الرأي المستنير: ما ذا جرى خلال لقائكم الأخير مع محمد ولد عبد العزيز؟ وما هي النقاط المثارة؟ وهل تم الاتفاق على نقاط محددة؟

أحمد ولد داداه: قبل أسابيع قليلة استقبلني رئيس الدولة محمد ولد عبد العزيز بالقصر الرئاسي وجرى الحديث حول القضايا العامة التي تخص البلد سواء تعلق الأمر بالقضايا الأمنية أو بالقضايا الاقتصادية العامة أو العلاقة بدول الجوار، وبدوري أعربت عن عدة أمور تهم البلد مثل الحالة العامة وضرورة وجود جبهة داخلية متماسكة بغض النظر عن التوجهات الايديولوجية والسياسية، نظرا لوجود قضايا جوهرية يمكن للجميع الاتفاق عليها منها الأمن الوطني، الدفاع عن الحوزة الترابية والسيادة،والحكامة الرشيدة...

وهذه القضايا قدمت حولها رأيي منطلقا من المصلحة العامة. وبالطبع جرى الحديث حول العلاقات بين السلطة والمعارضة، وبصفتي أرأس أحد أحزاب المعارضة عبرت عن أهمية التشاور بين الجميع حول مجالات يمكن الحصول على مواقف متقاربة بشأنها.

تعرضت أيضا لقضايا التسيير ولموضوع التلوث الذي يتطلب حلولا سريعة سواء ما يتعلق منه بالزيوت التي تلقيها السفن في البحر وبنفايات استخراج النفط والغاز. ولفت النظر حول ما يحدث في خليج المكسيك والولايات المتحدة حيث حصل عجز عن السيطرة على التسرب الذي حصل هناك، فكيف ببلادنا لو حصل شيء من هذا القبيل واقترحت اتخاذ قرار حاسم وفوري بترك استخراج كميات النفط والغاز المكتشفة في البحر للأجيال القادمة وإعطاء الأولوية للمخزون المكتشف على اليابسة على أمل أنه خلال السنوات القادمة ستكتشف حلول فنية لتفادي التلوث البيئي مستقبلا. الرأي المستنير: لكن البلاد بحاجة إلى هذا النفط المكتشف في المحيط؟

أحمد ولد داداه: المشكلة تكمن في إمكانية تدمير الثروة الأساسية للبلاد التي هي الثروة السمكية، فاستخراج النفط في الظروف العادية يلوث البيئة البحرية أما في حالة -لا قدر الله- حصول تسرب كالذي حصل في خليج المكسيك فسنكون أمام كارثة عظمى ستطال ثروتنا الأساسية. لذلك أعتقد أن الأمر يتطلب الكثير من الشجاعة ومن التحلي بنظرة مستقبلية ثاقبة، فعائدات النفط التي تصل 30 مليون دولار ينبغي الاستغناء عنها ريثما تكتشف حلول فنية للقضايا المرتبطة باستخراج النفط والغاز. وكما يقال فحفظ الموجود أولى من طلب المفقود.

الرأي المستنير: ماذا عن حقوق الشركات المتعاقدة؟

أحمد ولد داداه: لم أهمل هذا الجانب لأني اقترحت إعادة التفاوض مع هذه الشركات لإيجاد حلول عادلة تحفظ لهم مصالحهم لكن في نفس الوقت تحمي مصالح بلادنا المهددة بتلويث بيئتها البحرية والقضاء على ثروتها السمكية. وأظن أي مستثمر حين يطرح معه موضوع كهذا للنقاش بروح يطبعها الانفتاح والبحث عن البدائل المتاحة، لا يمكن أن يشكل عقبة كبيرة في وجه إيجاد الحل المعقول والمقبول.

هناك أيضا موضوع التلوث الناجم عن استخراج الذهب -والذي لم يصل بعد مرحلة خطرة تماما حسب علمي- لكن من رأيي أن يتم اتخاذ إجراءات احترازية عاجلة بخصوصه حتى لا تفاجئنا كارثة في هذا المجال وخصوصا ما يتعلق بتسرب النفايات إلى المياه الجوفية.

الرأي المستنير: هل اتفقتم مع ولد عبد العزيز على مسائل سياسية محددة؟

أحمد ولد داداه: لا يوجد أي اتفاق من أي نوع ولم أذهب إليه لإبرام أي اتفاق، ولست ممن يرغبون في عقد الاتفاقات السرية وراء الستار. وعندما تمت المقابلة ذهبت إلى المنسقية وأحطتهم علما -حرفا بحرف- بما جرى بيني مع رئيس الدولة بما في ذلك نقاشاتنا المتعلقة بدول الجوار. فأنا ممن يعتقدون بأن دول الجوار هم بمثابة ذوي القربى لا يتم اختيارهم لكن لابد من التعامل معهم بصورة معقلنة تحفظ مصالح الجميع ، أحيانا يكون هذا التعامل سلسا وأحيانا يكون عكس ذلك لكن يجب التعامل معهم بطول نفس وبنوع من المرونة من دون أية تضحية بمصالح البلد مادية كانت أو معنوية أحرى حين يتعلق الأمر بحدود البلد وسيادته. استعرضنا أيضا التسيير العام وأكدت على ضرورة الحوار بين السلطة والمعارضة كل من موقعه، مع الاحترام المتبادل وعدم التطاول على حق كل جهة.

الرأي المستنير: ما هو تعليقكم على الخرجة الصحفية الأخيرة لمحمد ولد عبد العزيز؟

أحمد ولد داداه: يمكن أن لا أعلق عليها، لكن بكل صراحة أرى أن جانبها المتعلق بالمعارضة تنقصه اللباقة والاحترام، كنت أرجو له أن يكون أكثرا احتراما وأن يأخذ في الحسبان حقيقة أن المعارضة شريك لا مفر منه، فالوطن يتسع للجميع ومصالحه فوق كل اعتبار وأهم من كل المهاترات فالمهاترات لا تبني الأوطان، ولا تغير الواقع المرير.

الرأي المستنير: تصف أوساط المعارضة اعترافكم بنتائج الانتخابات وبمحمد ولد عبد العزيز بأنه جاء متأخرا ومن دون مقابل، ما رأيكم؟

أحمد ولد داداه: أولا لم أعترف ولن أعترف بنتائج الانتخابات لأنها بالنسبة لي كانت مزورة وما زلت أعتبرها كذلك. ولكن الانتخابات شيء واستتباب الأمر لرئيس دولة شيء آخر. وحين اعترفت به بصفته هذه - وأنا الأخير من الطيف السياسي المعارض الذي أعلن هذا الاعتراف- كرئيس للجمهورية فعلت ذلك انطلاقا من المصلحة العليا للبلاد مع تحفظي من حيث المبدأ على نتائج الانتخابات وعلى الظروف التي جرت فيها، غير أنني ارتأيت أنه لا داعي للتمسك بهذا الموقف في وقت تواجه فيه البلاد صعوبات أمنية خطيرة وعلاقات إقليمية متوترة وحالة اقتصادية واجتماعية غير مريحة، وأن المطلوب هو نوع من المهادنة بين الفاعلين السياسيين.

ربما يعتبر الأمر سذاجة فأنا لا أساوم في المواقف السياسية ولا أقبض مقابلها ثمنا، وأهم المبادئ بالنسبة لي هي استقرار البلد وازدهاره وأمنه. إنني أقول كلمتي في وقتها وحين أرى أن مصلحة البلد تقتضي الهدوء وخفض وتيرة الصراع بين الفاعلين، أبادر إلى ذلك. ذلكم هو الدافع الأساسي والوحيد من وراء هذا الموقف ولا أريد من الرئيس محمد ولد عبد العزيز مقابله جزاء ولا شكورا لأني لم أتخذه من أجله وإنما من أجل ما أعتبره مصلحة البلد.

الرأي المستنير: هل تعتقدون بجدوائية الحوار؟ ومع من تتحاورون؟ ولأية غايات وانطلاقا من أية مرجعيات؟

أحمد ولد داداه: لا أعتقد بجدوائية الحوار فحسب وإنما أعتبره أيضا واجبا سياسيا وطنيا، وأن الخيار هو بين الحوار والمواجهة. فنحن نعلم أن الكل بإمكانه خوض مواجهة سياسية وحتى مواجهة عسكرية، لكن السؤال الجوهري هو أين تكمن مصلحة البلاد؟ بالنسبة لي تكمن هذه المصلحة في تحاشي المواجهة ومحاولة تسهيل الحوار قدر الامكان الذي هو الطريق الأمثل للتعامل السياسي بين أية سلطة وأية معارضة.

وبالنسبة لي فالحوار ينبغي أن يكون مفتوحا وشاملا بين السلطة وكل الأحزاب السياسية والنقابات والمثقفين وقادة الرأي في المجتمع، لأنه عند تراكم الآراء يخرج الصواب ونحن بلد صغير من حيث عدد السكان يمتلك ثروات كبيرة ومترامي الأطراف مما يجعله حلقة ضعيفة بالنسبة لكافة دول الجوار. وعليه فمن واجب الساسة (سلطة ومعارضة)أخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار ومحاولة الاتفاق على أرضية مشتركة من حيث التعامل والاحترام المتبادل وقبول الرأي والرأي الآخر وتنظيم انتخابات شفافة ومنصفة.

يجب أن يتناول الحوار مختلف هذه القضايا، ومن شأنه إذا جرى وفق هذه الروح أن يقود إلى استقرار البلد وإعطاء كل ذي حق حقه ويعيد الثقة ويساعد في القضاء على التزوير والتحريف والظلم والغبن، وبالتالي يساهم في توفير مناخ عام للاستقرار لن يكون ممكنا إلا بالإنصاف وبالتوصل إلى نوع من التوافق على أسس مقبولة ومنصفة.

نتوخى من هذا الحوار أيضا تعزيز وحدة البلاد وتعزيز موقعها بين الدول لدرجة لا تصبح معها ملتقى لحل مشاكل الدول الأخرى سواء كانت دول مجاورة أو دول خارج المنطقة. فما أرجوه وما أتوقعه هو أن تكون موريتانيا بلد تواصل يساهم في استقرار وأمن وحسن التعايش بين الدول الشقيقة المجاورة سواء كانت شمالا أو جنوبا. ويبدو لي أنه من المهم أن تأخذ زمام المبادرة لأن موروثها الثقافي والحضاري وتعايش مكوناتها عبر العصور يؤهلانها للعب هذا الدور أولا بالنسبة لذاتها وثانيا بالنسبة لدول المنطقة.

وقبل قليل ذكرت الجبهة الداخلية، ومهما يكن من أمر فإن هذه الجبهة شيء أساسي. ففي حالة الأمن والاستقرار تكون مهمة للاستثمار وللنهوض بالبلد على جميع الأصعدة، وفي حالة اضطراب المنطقة -لا قدر الله- تصبح حيوية لأن أي جيش لا يعتمد على جبهة داخلية قوية يكون دائما في حالة ضعف مشتت التفكير والجهود.

الرأي المستنير: إذا هو حوار شامل ينطلق من اتفاق دكار ولكنه يشمل جوانب أوسع؟

أحمد ولد داداه: تكمن أهمية اتفاق دكار في أنه حصل بإجماع -وبإشراف دولي- على قضايا أساسية مثل التداول على السلطة، الانتخابات، تفادي الانقلابات، مكانة الجيش في السلطة... وذلك من أجل أن لا ننطلق في كل مرة من الصفر. فأهمية تراكم التجارب السياسية أن تؤخذ منها العبر وتوظف لتحقيق مزيد من الاستقرار والتلاحم، وأن تصبح قاعدة متينة لانطلاق المسار التنموي. وأشير هنا إلى أن المسار التنموي متوقف وسيظل كذلك في انتظار حصول إجماع يتيح التوجه نحو البناء.

الرأي المستنير: بصفتكم زعيما للمعارضة الديمقراطية، ما هي خططكم لتفعيل مؤسسة المعارضة؟ وما هي الحدود الفاصلة بينها وبين منسقية أحزاب المعارضة؟

أحمد ولد داداه: نعكف الآن على مشروع لتفعيل هذه المؤسسة التي يعود عدم تفعيلها الآن إلى حصول نوع من الارتباك، فهي كانت لديها صبغة معينة وتم تغييرها مما ولد حالة من عدم القناعة بما يمكن أن تقوم به وبصعوبة النهوض بها. ومهما يكن من أمر فنحن عاكفون على مشروع خطة لتفعيلها فيما يخص التعبئة والتوعية والحوار فيما بين الأحزاب السياسية والسلطة.

يتعلق الأمر بمؤسسة قانونية لديها الوسائل لتلعب دورها وتحدد أهدافا انطلاقا من دراسات علمية، وبإمكانها تشكيل بديل سلطوي أي مشاريع وأهداف لحكومة ظل كما هو معروف في بعض الدول مثل بريطانيا وكندا. وفي هذه الظروف من المهم أن تأخذ المبادرة وهي في طريقها إلى طرح مشروع للحوار مع السلطة من أجل الاستقرار والتعايش السلمي.

أما بخصوص علاقاتها مع منسقية المعارضة، فالمنسقية مجموعة أحزاب تجتمع وتحدد بعض مسارات العمل السياسي، وهي أحزاب لديها مشاريع سياسية وتتنافس بطريقة إيجابية، بينما المؤسسة يجب أن تكون عنصرا جامعا وميدانا للحوار بين الأحزاب وخاصة الموجودة في المعارضة، وأن تكون أيضا مجالا للدراسات وتحديد مشاريع مشتركة يمكن أن يتشكل حولها مشروع مشترك للمعارضة يمكن أن لا يجد فيه كل حزب ذاته مائة في المائة ولكن بالتفاهم وأخذ القضايا المهمة في عين الاعتبار يمكن الحصول على مشروع مشترك بين المعارضة تتشكل حوله حكومة ظل تكون بديلا في حالة حصول انتخابات نزيهة.

الرأي المستنير: هل لديكم تصور لمكافحة الإرهاب، وما هي الحلول الوقائية والعلاجية التي تقترحونها؟

أحمد ولد داداه: قبل مكافحة الإرهاب يجب فهم ظروفه وطبيعته. فحسب معلوماتي التي قد تكون ناقصة، فإن ما يسمى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تضم عددا لا بأس به من الشباب الموريتاني. وهذا يجعلني دائما أحس بأن الشباب الذي يمثل 75 في المائة من المواطنين هو أساس هذا البلد عددا ومددا، وحسب تصوري يجب أن تكون هناك سياسة موجهة للشباب إذ من الملاحظ أنه لا وجود لسياسة اجتماعية ولا ثقافية تجاهه ولا توجد برامج اقتصادية أو ثقافية أو سياسية أو تشغيلية تتناغم مع آمال الشباب، وتطلعاتهم المشروعة وبالتالي، فإن الوضع متروك ليكون متفجرا لأنه بدون سياسة تحصينية يترك الشباب هدفا سهلا.

الرأي المستنير: ما هو الحل؟

أحمد ولد داداه: الحل يستنبط من التحليل فهو يتطلب إجراء حوار حقيقي وصادق تشرك فيه القوى السياسية والنقابات ونخب من الشباب. وانطلاقا من هذا الحوار يصادق على جملة مشاريع وتوجهات تعكف الدولة على تنفيذها ويشارك معها كل من موقعه. وهذا ما سيمكن البلد من التقاط أنفاسه ويساهم في تجفيف بعض منابع الإرهاب، على أن يتواصل التفكير في توجه مستمر لرسم سياسة نشطة وجدية ومنتجة للشباب على مستوى الحكومة وكذلك على مستوى الأحزاب السياسية التي يقع عليها عبء كبير في هذا المجال.

الرأي المستنير: ماذا عن مستوى التنسيق الأمني الإقليمي والدولي؟

أحمد ولد داداه: سأعود لأقول بأن مكافحة الإرهاب تبدأ من الجبهة الداخلية التي من دونها تصبح الإجراءات الأخرى ضعيفة الأهمية، يجب أن تكون هناك مقاربة عسكرية لكن ينبغي النظر إليها كشكل متأخر من أشكال مكافحة الإرهاب. فبدون سياسة محكمة في العدل والتعليم -الفاسد- والتشغيل ومناخ تضامني بين جميع المواطنين مهما كانت مشاربهم السياسية وتطلعاتهم الفكرية لا يمكن الانتصار على الإرهاب.

من جهة أخرى يجب النظر إلى الإرهاب كظاهرة إقليمية ودولية مما يتطلب تعاونا وتنسيقا مع دول الجوار وكذلك على المستوى الدولي، لكن الأولوية ينبغي أن تعطى للجبهة الداخلية.

الرأي المستنير: ما هي وضعية الاقتصاد الموريتاني؟ وهل تتمتع الأوقية بصحة جيدة؟

أحمد ولد داداه: يعيش الاقتصاد الموريتاني اليوم في حالة ركود، وسأحدثك هنا عن مشاريع متوقفة منذ 1978 تحدثت عنها مع رئيس الجمهورية-ولا أتحدث هنا انطلاقا من تعصب لمرحلة كنت مشاركا فيها- فمثلا هناك مشروع التكوير أي إنتاج مكورات الحديد المخصبة، الذي أعلنت الكويت سنة 1978 استعدادها لأن تستثمر فيه مليار دولار لتخصيب الحديد، غير أنه منذ ذلك الوقت لم يتقدم هذا المشروع.

هناك أيضا مشروع الصيد فبصفتي وزيرا للمالية والتجارة استقبلت في يونيو 1978 مستثمرين يابانيين عبروا عن استعدادهم للقيام باستثمار لقرن في موريتانيا يشمل أسطول سفن للصيد، ميناء كبير للصيد، مؤسسات للتعليم والتدريب وشبكة التبريد وصناعات تحويلية وفنادق... لكن هذان المشروعان متوقفان منذ ذلك التاريخ. واليوم باستثناء إنجاز بعض الطرق المهمة لا يوجد استثمار ولا مشروع له شأن لا في الصيد ولا حتى في الزراعة التي استثمرت فيها البلاد -بالشراكة مع دول منظمة استثمار نهر السنغال- استثمارات طويلة الأمد لم تؤت أكلها بعد.

وهذا لا يجوز لأن بلدا يملك ما يربو على 130 ألف هكتار قابلة للري ينبغي أن يحصل على الاكتفاء الذاتي على الأقل من الأرز والخضروات وبعض الفواكه. والحقيقة أن البلد في حالة ركود لم يستطع الخروج منها.

الرأي المستنير: ماذا عن صحة الأوقية؟

أحمد ولد داداه: تعتبر العملة مهمة في سياسة البنك المركزي ووزارتي المالية والتجارة بشرط أن يكون ذلك في إطار سياسة اقتصادية. يقول بعض الاقتصاديين بأن العملة ليست سوى انعكاس للسياسة الاقتصادية العامة، بينما يعطي بعضهم الآخر فكرة المبادرة أكثر للبنك المركزي. واليوم إذا قارنا الأوقية بالعملات المماثلة -أي بالعملات التي خرجت قبلها منطقة لفرنك- سنجد ظروف الأوقية أحسن بكثير، لكن حين نقارنها بما كانت عليه حتى سنة 1984 سنجد أنها في وضع لا تحسد عليه.

وهنا لا أهدف لإعطاء نظرة قاتمة لأن الأوقية من إنجازات الاستقلال وأتمنى أن تظل دائما قوية، لكن يجب القول بأنها تستحق سياسة أكثر جدوائية وأعمق نظرة مما هو حاصل الآن. وما دامت نموذجا لتجربة ناجحة فيجب الحرص عليها والبحث الحثيث عن أسباب ضعفها وأفضل السبل المتاحة لعلاج هذا الضعف لتبقى كما كانت قوية ورائجة.

وحسب تصوري وبحكم نجاح الأوقية واستنادا إلى وجود ثروات مهمة في البلاد، فإذا تم تنفيذ سياسة سليمة مستقبلا ستصبح قابلة للتداول ويكون بإمكاننا على الدوام توفير احتياط نقدي خارجي كبير، هذا إضافة إلى خبرة الموريتانيين في التجارة وذلك ما عزز لدي الاعتقاد دائما بأنها ستصبح يوما ما قابلة للتداول.

الرأي المستنير: كيف تقيمون مواقف فرنسا والاتحاد الأوربي من الأوضاع في موريتانيا؟ وما هي نتائج اتصالاتكم الأخيرة مع الفرنسيين؟

أحمد ولد داداه: فرنسا دولة مهمة بحكم علاقاتها مع موريتانيا أولا كدولة استعمارية ثم التعاون بينها وموريتانيا، ثم إن فرنسا مهمة في المنطقة أيضا لأن لديها تأثير حقيقي وقوي في المنطقة المحيطة بنا وكما هي مؤثرة في منطقة جنوب الصحراء فإن تأثيرها قوي في شمالها. ثم إن فرنسا مهمة كدولة أوربية فاعلة في المجموعة الأوربية التي تعتبر أكبر ممول لبلادنا.

وفي نفس الوقت فإن فرنسا -الدولة الاستعمارية القديمة- ورغم شيوع الإيمان بحقوق الشعوب والتعاون الايجابي مع البلدان الأخرى داخلها، إلا أنها تحوي بقايا ممن يحتفظون بفكرة الهيمنة واستغلال المستعمرات السابقة. ورغم ذلك فيمكن القول اليوم بأننا نحن من يحدد السياسة مع فرنسا اليوم، فإذا استطعنا تبني سياسة منفتحة للتعاون مع فرنسا -وحتى مع غير فرنسا- سياسة حريصة أيضا على الدفاع عن مصالحنا، فأعتقد بأن فرنسا تبقى دولة مهمة بالنسبة لنا ومن المهم التعاون معها، فالكثير من موظفينا يتكلمون الفرنسية والعلاقات التجارية قديمة بين دولتينا ومستمرة، كما أن مصلحة فرنسا أيضا تفرض عليها الحفاظ على علاقات جيدة داخل المنطقة.

وبالتالي أعتقد أنه ليست هناك ضرورة لتوجيه الاتهامات لفرنسا بقدر ما هناك ضرورة لاتهامنا نحن، فكل بلد وكل حكومة مسؤولة عن مصلحتها الذاتية، فإذا تعاملت مع الحكومات على هذا الأساس فسوف تتعامل معها بشكل طبيعي، أما إذا اتضح للآخرين بأنه يمكنهم الاستفادة من نقص ما أو من فرصة ما فإنهم سيغتنمونها سواء كان هذا الآخر فرنسا أو أمريكا أو غيرهما. لذلك علينا أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب الآخرين وكما يقال فأنه ليست هناك علاقات دائمة بين الدول وإنما مصالح دائمة.

الرأي المستنير: ماذا عن تفهم فرنسا لموقف المعارضة؟

أحمد ولد داداه: أظن أننا نحن كمعارضة لا نتوقع الكثير من فرنسا لأنها تتصرف وفق مصالحها، ومع ذلك فلدينا معها بعض العلاقات الشخصية والحزبية، وخاصة مع بعض الأحزاب اليسارية الموجودة خارج السلطة حاليا، كما لدينا علاقات باليمين لأننا نتعامل مع فرنسا كدولة يربطنا معها تاريخ من التعاون المشترك وبالتالي فأنا أحبذ دائما أن تكون علاقاتنا مع فرنسا علاقات سلسة ومستمرة ولكن على حكومتنا مراعاة المصالح العليا للبلاد ضمن هذا التعاون.

الرأي المستنير: هل تنوون الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة؟

أحمد ولد داداه (مبتسما): قل لا يعلم الغيب إلا الله .

الرأي المستنير: ما هي هواياتكم المفضلة وما هو آخر كتاب قرأتموه؟ وهل تفكرون في كتابة مذكراتكم؟

أحمد ولد داداه: آخر كتاب قرأته هو كتاب ألفه سفير فرنسا السابق في السينغال يتضمن الكثير من المعلومات التي ترتدي ثوب الأدب والدبلوماسية. وعنوان الكتاب هو (كاتبا katiba) لمؤلفه جان اكريستوف ريفينه.

الرأي المستنير: والهوايات؟ أحمد ولد داداه: أفضل أن أكرس أكثر وقتي للتفكير وقراءة الكتب والإطلاع بصورة عامة على مستجدات الفكر والثقافة، وهو ما لا يتاح لي في الوقت الحالي. لا أتذكر أين سمعت أن "السياسة تستنزف الوقت" ويبدو لي فعلا أنها كذلك. وبخصوص المذكرات فما أفكر فيه هو كتابة شيء ما لا أتصور أنه سيرقى إلى مذكرات وإنما إلى تسجيل تجربة أو ظروف مرت بها البلاد وكانت لي بها علاقة، وأعتقد أنه إذا لم تظهر عراقيل كبيرة فقد يرى النور خلال سنة تقريبا.

الرأي المستنير: ما هو خياركم لموريتانيا؟ وما هي الآفاق المفتوحة أمامها للخروج من أزماتها المزمنة؟ والسؤال المؤجل طبعا يتعلق بوصفة الخروج من الأزمة الحالية التي تعرفها البلاد؟

أحمد ولد داداه: ما يظهر من سوسيولوجية موريتانيا وتاريخها هو أن سكانها متعلقون بالحرية، فمن طبيعة البدوي التعلق بالدفاع عن ذات الإنسان وحريته وكرامته. والديمقراطية من حيث هي صيانة الحريات وكفالة حق المبادرة وحق التعبير وحق النقد، تتناسب بشكل كبير مع طبيعة الموريتانيين. قد يكون هناك قدر من عدم الإنصاف والتشبث بالانتماءات الأسرية والقبلية غير أن ذلك يجد تفسيره في عدم نضج مفهوم الدولة التي لا يزيد عمرها عن 50 سنة.

لكن هناك أيضا ميول للقبول -طوعا أو كرها بتوجهات الدولة وخياراتها- وبالتالي فالخيار هو الديمقراطية التي كما يقال "أسوأ الخيارات باستثناء الخيارات التي تمت تجربتها". هناك علاقات طبقية بين المواطنين لكنها ليست عميقة لدرجة تحقيق الهيمنة المطلقة للبعض على الآخر.

وما هو مطروح اليوم هو تفعيل الديمقراطية عبر إعادة ثقة المواطنين بالدولة من خلال بذل جهود حثيثة وعملية لإثبات صدقها وسلامة خياراتها. والشعب في النهاية فطن ومسالم -لأنه سبق وجرب الحروب- وليس على السلطة سوى تغيير نهجها والاعتراف للمواطنين بالحرية التي جبلوا عليها. وإذا كان الرق قد انتهى فإنه لا ينبغي التوقف عند هذا الحد بل يجب السعي لاجتثاثه عبر مشاريع اقتصادية اجتماعية ثقافية لصالح الأرقاء السابقين لأن لديهم حقوقا غير مصانة في مجالات التعليم والعيش الكريم.

إن كون المواطنين أيضا ولدوا أحرارا يعني أنه ينبغي التعامل معهم بالرفق والاحترام والتشاور معهم في المشاريع التي تخصهم. وحين يحصل ذلك لن نجد صعوبات كبيرة على مستوى التطبيق، فما ضاع هدف وراءه طالب.

الرأي المستنير: وهل ينتظر موريتانيا مستقبل وضاء؟

أحمد ولد داداه: موريتانيا يشهد اقتصادها اليوم ركودا كما أشرت وهي في منطقة مضطربة أمنيا حيث الإرهاب والمشاكل الأخرى، غير أن التعويل هو على حكمة الشعب ومسالمته وقدرته على الانسجام وعلى اختيار الأصلح. وحين تجد موريتانيا تسييرا رشيدا فإن لديها من الثروات ما يمكن أن يحل مشاكلها الأساسية بسرعة، فلديها ثروتها الحيوانية التي تم نسيانها ولديها ثروتها السمكية الهامة ولديها الزراعة ولديها المناجم المفتوحة التي يمكن أن تحقق لها الاكتفاء الذاتي، ولديها وهو الأهم هذا الشعب العبقري الصابر الصامد الطموح الذي يجب على الساسة وقادة الرأي أن يمنحوه كل مقومات التشاور والتكامل والعمل ليصنع المعجزات، وليبحر بأمان في أشرعة الزمن الجديد.

""" عن صحيفة البداية"""