مشاهدة النسخة كاملة : التعليم في ميدان رماية


ابو نسيبة
09-25-2010, 05:06 PM
التعليم في ميدان رماية

بقلم: د. محمد خالد الأزعر

بمناسبة بدء عام دراسي جديد قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إن التعليم في الأراضي الفلسطينية المحتلة يمر بأزمة حقيقية. يبلغ عدد الذين يعنيهم هذا التصريح المقبض نحو 1.1 مليون طالب ابتدائي وإعدادي وثانوي، أي خمس سكان الضفة وغزة والقدس.

تفاصيل هذا الوضع البائس نجدها في التقارير ذات الصلة، التي خصت الحالة في قطاع غزة بجرعة زائدة من حديث البؤس، باعتبار أن تلاميذه يعانون من انعكاس واقع اقتصادي شديد الزراية إلى مستوى ما دون مستوى الفقر.

وفي هذا الإطار عرفنا أن 80% من الأسر الغزية لم تتمكن من شراء مستلزمات أولادها المدرسية من كساء وقرطاسية واحتياجات أخرى تكميلية.

وأن 82% من المدارس الحكومية وزهاء 90% من مدارس وكالة غوث اللاجئين (أونروا) تعمل بنظام المناوبتين مع التخلي عن الأنشطة الرياضية ونحوها، بسبب الحاجة إلى أكثر من 200 مدرسة إضافية.

وأنه إذا لم يتم توفير هذه المنشآت في غضون السنوات الخمس التالية، فسوف تتفاقم أزمة التكدس في الفصول الدراسية واختصار وقت الحصص وتسرب التلاميذ إلى حد انهيار العملية التعليمية.. هذا ومثله دون الاستطراد إلى المرافق المدرسية المتداعية وأجور المعلمين المتدنية.

وإذا كانت الضغوط في قطاع غزة تتأتى من شح الموارد الاقتصادية أساساً، التي زادها الحصار اللعين ضيقاً وحرجاً، فإن تلاميذ الضفة يخضعون لضغوط استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية على 65% من المساحة.

تقول اليونيسيف إن القيود والحواجز الإسرائيلية تحول دون وصول التلاميذ إلى مدارسهم وتضطر أعداد كبيرة منهم إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام، فضلاً عن أن حجب تراخيص بناء مدارس جديدة يؤدي إلى أزمة التكدس في الفصول بكل تداعياتها على سيرورة العملية التعليمية.

الشاهد عموماً أن قطاع التعليم في فلسطين المحتلة يواجه أزمة مستعصية. أزمة تتكسر فيها نصال الاحتلال البغيض بتداعياته المنظورة وغير المنظورة، على نصال الحصار الجائر بالنسبة لغزة، على نصال الفقر والعوز والبطالة والتضييق القانوني والأمني التي تطال بشكل أو آخر أبناء الشعب الفلسطيني في هذا العالم الفسيح.

ما العمل وكيف السبيل إلى كسر هذه الدائرة المحيطة بقطاع كان على مدار عقود النكبة هو الأهم بالنسبة لدولاب الحياة الفلسطينية اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً، وقد نقول سياسياً أيضاً؟.. فلطالما مثل التعليم عند الفلسطينيين رأس المال المتنقل سهل الحمل عالي القيمة في ظل وضعية سياسية حالت بينهم وبين التحكم في أرض الوطن؛ المصدر الأول للثروة في فقه الاقتصاد.

ولعل إدراك الفلسطينيين الجمعي لهذه القناعة، جعلهم يعضون على هذا المورد بالنواجذ، حتى قيل عن حق بأنهم الشعب الأكثر تميزاً في حقل التعليم عربياً؛ بنسبة متعلمين ربما حق لهم المنافسة بها عالمياً.

تقرير اليونيسيف ومداخلات المراقبين عن كثب تستثير المخاوف حول مصير الخط البياني لهذا التميز الذي يقال انه راح ينحدر خلال العقدين الماضيين.

نعلم أن القوى الفلسطينية ربما تختلف على أشياء كثيرة غير أنها تلتقي على تعزيز قطاع التعليم وتحرص على مقاومة أية عوامل تهدده. لكننا نعلم أيضاً أن الجهد الفلسطيني الذاتي لا يملك وحده طاقة الوفاء باحتياجات هذه المقاومة..

وهذا يوجب الالتفات إلى دور المحيط العربي بشقيه السياسي والمدني. والحق أن بعض المنشغلين عربياً بهموم التعليم الفلسطيني بادروا بالفعل إلى إدراجه على رأس أجنداتهم. ومن ذلك اللجنة الوطنية البرلمانية الجزائرية التي أعلنت مؤخراً عن التكفل بتوفير مستلزمات 250 ألف تلميذ في مدارس غزة.

وهو توجه حظي على الفور بتضامن الهلال الأحمر الجزائري والكشافة الإسلامية ودعوات أئمة المساجد، كما تعهدت أجهزة الإعلام المختلفة ببث تقارير عن أوضاع التلاميذ والمدارس الفلسطينية لحث المواطنين على الانخراط في هذه الحملة.

تقديرنا أن الرحاب العربية قادرة على الاضطلاع بحملات مشابهة. ولنا أن نطمح إلى أبعد من ذلك، وهو أن يتم تبنّي قطاع التعليم الفلسطيني بقضه وقضيضه عبر آليات توأمة ورعاية مناسبة من جانب هذه الرحاب.

ليس كثيراً على أمة تنفق على زهاء مئة مليون طالب في مراحل التعليم المختلفة أن تنهض بعبء مليون تلميذ من لحمها ودمها ساقتهم أقدارهم التاريخية للاعتصار في ميدان رماية تاريخي.

لقد استقبلت آلاف الأسر الفلسطينية العام الدراسي بنفوس كسيرة. وثمة روايات تقطع نياط القلب حول شعور الآباء بالعجز عن تلبية أدنى احتياجات أبنائهم بهذه المناسبة. وإن صدقت نيات المتحمسين عربياً للنضال المدني الفلسطيني، فلا أقل من أن يعقدوا العزم على أن يكون هذا العام آخر السنوات التي تجأر فيها هذه الأسر بالشكوى في هذا المقام..

ذلك أمر ممكن إذا ما جرى إعداد برامج طويلة الأجل للتعامل مع مواسم دراسية معلومة البداية والنهاية، بعيداً عن إملاءات العجلة وفكرة الهوجات الطارئة.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

نقلا عن المركز الفلسطيني