مشاهدة النسخة كاملة : الحرب بين "القمة" و"القاعدة"إلى أين؟


ابو نسيبة
09-25-2010, 01:41 PM
الحرب بين "القمة" و"القاعدة"إلى أين؟!
تواجه بلادنا بقوة تحدي الإرهاب الآن متمثلا في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي،الذي يحاول إقامة "إمارة الصحراء" أو "طالبان الجديدة" في موريتانيا،باعتبارها في تصوره الحلقة الأضعف في إقليم المنطقة،وامتداد حدودها الشاسعة مع الجارة مالي،حيث يتمركز في شمالها هذا التنظيم الإرهابي.
منذ تراجع مد الإرهاب الديني في الجزائر،ونجاح المغرب في عزل مجاله الترابي عن فلول هذه الجماعات المتطرفة،أصبح هذا التنظيم محشورا في الشمال المالي قريبا من بلادنا،وهي استيراتيجية جديدة ربما تكون عن وعي وتخطيط من قوى إقليمية ودولية،تريد للكيان الموريتاني بطبيعته وخصائصه المختلفة أن يهتز سريعا تحت إرادة مجموعات متطرفة من "إمارة الصحراء" المزعومة،تريد إقامة نظامها الشمولي في "إمارة المرابطين" القديمة من ساحل المحيط الأطلسي إلى تمبكتو ووادي النيجر.
كثيرون يعتبرون أن هذه الحرب التي نخوضها اليوم خارج حدودنا،هي كما قال أحد المحللين"حرب فرنسية بجيش موريتاني"،حرب بالوكالة للدفاع عن مصالح الفرنسيين ورعاياهم المختطفين في المنطقة،وأنها أيضا ليست سوى تحالف وتنسيق بين سلطة ولد عبد العزيز ونظيره ساركوزي،كل يحمي الآخر ويوفر له سندا أمام أشباح الصحراء الجدد.
والحقيقة أن الواقع اليوم الذي نعيشه ليس مجرد حرب بين"القمة" و"القاعدة"،أي أن الصراع الدائر الآن لا يمكن اختصاره في مواجهة مفتوحة بين نظام ولد عبد العزيز وتنظيم القاعدة،يريد الأول أن يضحي فيه بدماء الجنود الموريتانيين دفاعا عن الصديقة الكبرى فرنسا،فهذه المقاربة البسيطة لا يمكن اعتمادها بسهولة عندما نكون بالفعل أمام هذا النوع من التحديات الكبرى لأمن الوطن والمواطن.
إن علينا كنخبة سياسية وأوساط إعلامية وكتاب ومثقفين أن لا نفت في عضد الجيش، ولا أن نشكك في كفاءته القتالية ومعنوياته الوطنية،فهو يدافع عنا جميعا ،ويجب أن ندافع عنه جميعا على الأقل في غير ساحات الوغى أي في الصالونات والحروب الكلامية التي يبدو أننا أبطال حقيقيون فيها بامتياز.
لايمكن-في تصوري-لنظام معين مهما أوتي من رصيد الخيانة والولاء للأجنبي أن يغامر بخوض حرب بالوكالة عن الآخر في دياره،فقواتنا المسلحة لا تقاتل مع فرنسا ضد ألمانيا ولا تقاتل في فيتنام ضد أمريكا،إنها تتصدى ل"أمراء الصحراء الجدد" على أراضيها وعلى حدود أقرب جيرانها،وعلينا جميعا الآن أن نرتفع قليلا عن لغة النقائض والتنابز والتدابر والتولي يوم "الزحف الأحمر"،مهما كان قرار السلطات الحالية بخصوص هذه الحرب واتجاهاتها وتداعياتها، حتى نحيى جميعا أو نهلك جميعا،فنحن كلنا في مركب واحد وأمام خطر واحد،والبحر من ورائنا والعدو من أمامنا وليس لنا والله إلا النصر أو الشهادة!!
لقد قتل إخوة لنا من قبل غيلة وهم يرابطون على ثغور هذا الوطن في لمقيطي وتورين والقلاوية،فلم نثار حينها لدمائنا الزكية ولم نقم نصبا تذكاريا لشهدائنا الأبرار في ساحاتنا العامة،فماذا ننتظر غير أن نغزى في ديارنا وتسلب نساؤنا واموالنا،بسبب حب الدنيا وكراهية الموت!
ألا يموت البعض منا في حوادث السير ،وبسبب التخمة وعلى فراشه وهو سليم،صحيح أن تاريخنا مع الحروب –كما يحاول البعض الآن الاستناد إليه –ليس دائما حافلا بالبطولات والانتصارات،فقد دخلنا في حرب الصحراء الأولى بقرار سياسي وخرجنا منها بعد سنوات الجحيم ب"انقلاب عسكري "،تاركين وراءنا تضحيات كل أبناء القوات المسلحة،ليس هذا فقط بل جزء مهما من أرضنا وسيادتنا الوطنية وفوقها طبعا ضريح الجندي المجهول!
كانت هذه أولى"الحروب المقدسة" التي نخوضها في ذلك الفضاء الصحراوي الممتد،والذي أهملناه بعد ذلك سنين طويلة لتعشش فيه جماعات تهريب السلاح والمخدرات والجريمة المنظمة،وليطل علينا اليوم داخل أراضي أقرب الجيران إلينا عدو متعدد الجنسيات يتربص بنا الدوائر،والأدهى والأمر أن أغلب المنضوين تحت يافطته هم من بني جلدتنا من سكان أحياء الميناء والبصرة وكيفه واركيز والمناطق الأخرى.
كان الحزب الحاكم يومها والإعلام الرسمي كله ،يعزف لنا قيثارة"الحرب المقدسة" والمواجهة التي لابد منها دفاعا عن مصير هذا الشعب.
واليوم هاهو الحزب الحاكم أيضا وحواريوه يؤكد أنه لا خيار أمام الجيش سوى المواجهة،بعد معركة حامية الوطيس اختلفت فيها القراءات وكثرت فيها"الأراجيف والإشاعات"،وسقط فيها العديد من الشهداء والجرحى في سياق زمني وإقليمي دخلت فيه فرنسا ورهائنها الخمسة على الخط والواجهة .
ومهما يكن من أمر فإنه لابد الآن من حسم معركة"الصحراء الجديدة"،فلم يعد من المناسب أن تكثر هزائمنا في حروبنا الطويلة،فبعد ان تركنا "الداخلة"و"لكويرة"،وأجزاء من أرضنا الغالية في تلك الجولة الأولى،علينا الآن أن نبرر للرأي العام والقوى السياسية المختلفة بوضوح لماذا دخلنا في حرب"الصحراء الجديدة"خاصة وأنها خارج حدودنا وفي أراضي الغير،وهل هي فقط حرب بين"القمة و"القاعدة" لحسابات وأجندة خاصة،أم هي حربنا جميعا أي حرب"تقرير المصير"يقودها اليوم جنرالاتنا "العظام" في المقدمة بغرفة العمليات المركزية بالعاصمة!.
إن فلسفة "الضربات الاستباقية" مهمة جدا في التخطيط العسكري والذود عن حياض الوطن،خاصة بعد عملية "النعمة" الأخيرة،ويقال إن أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم،لكن يجب أن نصارح أنفسنا" لوحدنا"،ماذا نريد بالضبط من الحرب التي اشتعل أوارها خارج الحدود،وهل انتهت جولة الامس أم لا؟،هل نحن أمام حرب حقيقية يجب أن ننفر إليها جميعا خفافا وثقالا لا يتأخر منا رجل واحد أو امرأة،أم أننا أمام "سيناريو غريب "تحركه أياد مختلفة تمارس "لعبة الشطرنج" من بعيد وهي تتفرج في صحراء الموت على حقول من اليورانيوم والألغام المتفجرة أيضا؟!
هنالك "حروب صغيرة "كان على" قياداتنا الوطنية الرشيدة" أن تنتصر فيها أولا تمهيدا ل"أم المعارك" الكبرى،فقد كان عليها أن تنتصر في حربها من أجل "محو الأمية"،وكان عليها أن تنتصر في حربها من أجل "عودة الأهالي إلى الداخل"،وكان عليها ان تنتصر في حربها "لإصلاح الإدارة ومحاربة الرشوة"،وكان عليها أن تنتصر في "الحرب على السمنة "،وآخر الحروب التي مازلنا نخوضها ولم نتصر فيها بعد هي" الحرب على الفقر" مع وجود قائد بارز برتبة كبيرة هو "رئيس الفقراء"،وربما يكون هذا هو السبب في عدم حسم هذه المعركة، ذلك أن الجمع بين" محاربة الفقر" و" زعامة جمهور الفقراء" هو معادلة صعبة. أما أهم الحروب الأخرى التي ما زالت تراوح مكانها ولم ننتصر فيها بعد فهي "الحرب على الفساد "،فضحاياها في الميدان أقل بكثير من شهدائنا الأبطال في المواجهة الاخيرة مع "القاعدة"،بل إن آخر رموز حكومة الإصلاح المتهمين في هذا الملف، ما زال يرفض حتى مجرد الرد على اسئلة المحققين .
والآن وقد انتقلنا من "الجهاد الأصغر" إلى الجهاد الاكبر" بعيدا عن الغرف المكيفة والمياه المعدنية والطرق المعبدة،هل نحن مستعدون حقا لدفع فاتورة"الحرب المقدسة" الجديدة التي نحن بصددها الآن باعتبارها حرب كل القواعد الشعبية والهياكل والخلايا والأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى وكل الاحياء من عسكريين ومدنيين ضد عدو غاشم ،أم أنها بدون هذه الحسابات والمعطيات الضرورية ، ليست في النهاية سوى حرب مفتوحة بين"القمة" و"القاعدة" فقط لكن إلى أين؟!
سيدي ولد الأمجاد
نقلا عن موقع أمجاد