مشاهدة النسخة كاملة : اتركوها للزمن


ام خديجة
09-25-2010, 10:28 AM
اتركوها للزمن

http://www.alquds.co.uk/today/24qpt98.jpg (http://www.mushahed.net/vb)
عزت القمحاوي
2010-09-24


منذ أسفر النظام المصري عن انحيازاته الحقيقية، صار باعتقاد الكثير من المصريين أن بقاء آثار الأجداد مطمورة تحت التراب أفضل من اكتشافها، لأن ذلك يعني سرقتها أو تدميرها بالإهمال، وبقاء العشوائيات في قلب القاهرة أفضل من تطويرها؛ لأن التطوير له معنى واحد هو طرد السكان الأصليين واستيلاء الغزاة من رجال الأعمال على الأرض لبناء ناطحات السحاب. ولأن مصر هي القاطرة في انطلاقها وتعطلها؛ فقد بات من المؤكد أن بقاء القضية الفلسطينية مطمورة بلا حل أفضل ألف مرة من حل يأتي على أيدي الأعداء الإسرائيليين والوسطاء الأمريكيين والوسطاء العرب والوسطاء الفلسطينيين.
لا شيء في السياسة بلا ثمن. ولا فرق بين أن يكون ساكن البيت الأبيض هو بوش أو أوباما. لأمريكا مصالح مع العرب أكثر مما لها مع إسرائيل، ومصالحها معنا لا تضار عندما تنحاز لإسرائيل، لكن العكس لا يمكن أن يحدث إذا انحازت إلينا أو حتى وقفت على الحياد، أي أنها لا تستطيع أن تحتفظ بمصالحها لدى الطرفين إلا إذا ظلمتنا؛ فهل نطالب أمريكا بأن تقف ضد مصالحها؟!
هذا الكلام بديهي في السياسة، لكنــــنا بحاجة فيما يبدو لأن نذكر أنفسنا بالحقائق البسيطة القديمة؛ لنتأكد أنه لن يكون هناك اعتدال في الوساطة من أمريكا وأوروبا وأي وسيط آخر إلا إذا كان للعرب وزن ولغضبهم وزن، عندها ينتبه الوسيط إلى الميزان في يده.
ليس بوسع أوباما ولا في نيته أن يعطي العرب شيئًا لمجرد أنه يحب الفخر، إلا إذا صدقنا أساطير إسلامه وبالتالي يمكن أن يمنحنا الحل صدقة. وهذا أيضا غير ممكن لأن أوباما ليس أميراً أو ملكا عربياً أو رئيساً ملكا لكي يتصدق على هواه من بيت مال الأمريكيين.
هناك مؤسسات تعمل، وتحكم الحاكم الذي هو في النهاية فرد يمكن إسكاته في لحظة برصاصة أو بفضيحة إذا أخذه النزق أو الفخر أو الحس الإنساني السليم بعيداً عن الحسبة السياسية كعملية مقايضة لا تعرف المشاعر.
والذين يتفاوضون ويتوسطون الآن منا لا يملكون ما يقايضون عليه. لهم عند الإدارة الأمريكية فقط أتعاب السمسرة في شكل مساندة لضمان استمرار نسلهم في كراسيهم أو استمرارهم المهدد من الشعوب لا الأعداء.
مصر الشقيقة الكبرى الراعية زلت قدمها وتكعبلت منذ جلسة افتتاح التفاوض، ليس في الحسابات السياسية للمصالح الوطنية والمصالح القومية العربية، وليس فيما يمكن لها أو للعرب مجتمعين أن يفعلوه، بل في صورة الانصراف من الجلسة!
مجرد صورة نشرتها 'الأهرام' بمونتاج فني يضع الرئيس مبارك في مقدمة الصورة (حسب الأصول حيث لا يليق بمكانة مصر ولا بصحة الرئيس أن يكون خلف أوباما). ولم يعد أحد في مصر يعرف شيئاً عن الثمار المرة للتفاوض إلا هذه الثمرة!
استنزفت الجهود السياسية والإعلامية لإزالة آثار العدوان ..على الصورة! وجدد المونتاج الهزلي الحديث عن صحة الرئيس والوضع السياسي الغائم في البلاد.
وليست العربات العربية الأخرى بأفضل حالاً من القاطرة المعطوبة، أما الرئيس عباس وفريقه فليس في أيديهم ما يتقون به صلافة ليبرمان ولا وقاحة نتنياهو، ولا يمكنهم ادعاء التعبير عن إرادة فلسطينية واحدة أو أن بوسعهم العودة إلى رام الله إذا لم يرغب الإسرائيليون في هذا.
من يتفاوض باسم من؟ هذا هو السؤال والهم الذي يحبس أنفاسنا خوفاً من التوقيع بليل على تنازل يتعارض مع حقائق التاريخ ومنطق العالم المعاصر.
لا شيء في أيدي مفاوضينا الآن، هذا إن سلمنا بإخلاصهم، بينما في أيدي الإسرائيليين ترسانة قوية مـــــن السلاح محروسين بانحياز أكبر وسيط في العالم، ومع ذلك لا يكفون عن اســــتثمار كل ما يمكن من الأوراق؛ حتى على صعيد المصطلحات مثل مصطلح 'عرب 1948' الذي يتلقفه الإعلام العربي بغفلة شديدة؛ فــــمن يسكنون أرض فلسطين فلسطينيون وليسوا مجرد عرب في المطلق، وقد صك الصهاينة المصطلح لكي يحيل العرب إلى عربان رُحّل، لنفي وجود شعب أي نفي اسم فلسطين عن المكان المسمى الآن 'إسرائيل'.
وهم لا يفوتون فرصة لفرض الأساطير التوراتية على وعي العالم، وتحويل التوراة إلى كتاب في التاريخ؛ لإثبات أحقيتهم بدولة في هذا المكان. لكن قمة الفجور والتغول السياسي هي المطالبة بالنقاء العرقي للدولة!
جنون يتعارض مع الحس الإنساني السليم ومع حقيقة الواقع الذي يعيشه عالم اليوم حيث اكتسحت الهجرات كل الدول ولا مجال للحديث عن نقاء عرقي أو ديني. وكما في أمثولة الأم الحقيقية والأم السارقة يطرح الصهاينة بقلب بارد قسمة الطفل، ويطالبون بتبادل السكان كما لو كانوا يتحدثون عن نقل أحجار.
مستوطنوهم ليسوا في مكانهم بالضفة وغزة وحتى بفلسطين 1948، ومن العدل أن يعود اليهود غير الفلسطينيين إلى بلادهم، لو تمسكنا بقيم العدل المطلق، وهي ذات القيم التي ينبغي النظر إليها عند الحديث عن اقتلاع فلسطينيي 1948 من ذكريات طفولتهم وتفاصيل أعمارهم في مدنهم والدفع بهم في معزل الكيان الفلسطيني المقترح.
وسيكون أكثر منهم جنوناً العربي والفلسطيني الذي ينتظر أي حل على أيدي ملاك مدعين ووسطاء يجب أن يتنحوا ويتركوا القضية لأجيال تتفاوض أو تحارب بالإصالة عن نفسها.

نقلا عن القدس العربي