مشاهدة النسخة كاملة : فلنربِّ أبناءنا لعصر تحرير القدس!


أبو فاطمة
09-24-2010, 03:52 PM
فلنربِّ أبناءنا لعصر تحرير القدس!

أ. د. سليمان صالح

قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ربوا أبناءكم لعصر غير عصركم.. ولقد ضيعنا القدس لأن الناس أصابهم الخوف في عصر الاستعمار، فربوا أبناءهم على الجبن والخضوع. والخائف لا يصنع مستقبلاً ولا يحقق نصراً، ولا تكون له في الحياة قيمة.

وحكامنا المستبدون قهروا الناس وغرسوا الخوف في نفوسهم، والخائف ربى أبناءه على الخوف، ففقد الابن الثقة في نفسه، وامتلأ قلبه بالوهن والوهم والضعف، فظن أنه لا يصلح ليكون قائداً أو عالماً أو مخترعاً أو أديباً أو خطيباً.

واللورد كرومر الذي كان الملك غير المتوج في مصر أراد أن يقصر هدف التعليم على تخريج موظفين للحكومة.. أي إنه يعلم المهارات ويطور بعض القدرات التخصصية، ليصبح موظفاً يتقاضى راتباً يكفل بالكاد معيشة لا تسر سوى العدو، وهو خانع وضائع ينتظر آخر الشهر ليسدد ديوناً تراكمت، أو يذهب لطبيب يعالج العلل التي تتزايد بفعل الهم والغم، وبسبب ثقل دم رئيسه في العمل.

إياك والسياسة

والأم تودع ابنها وهو ذاهب إلى الجامعة ببعض النصائح الذهبية أهمها: إياك والسياسة.. لا تشارك في المظاهرات واحذر الكلام في الدين.. نحن مساكين والحكومة قوية. ثم تدعو الله أن يكف عن ابنها شر الحكومة وبنات الحرام.

فيأتي الابن إلى الجامعة ليغلق نفسه على تخصصه، ويذاكر ليحصل على شهادته بتفوق.. وفي النهاية يجلس بجانب أمه حزيناً، لأنه لا يجد عملاً يوفر له قوتاً، ويحلم بأن يفر من أرض الوطن ويتركها للحكومة.. ولأمه التي علمته الجبن.

أما الاحتمال الثاني فهو أن يحصل على عمل يحصل منه على راتب يسهم في زيادة فقره وإحباطه وشعوره بالخيبة والندم.

هذا الأسلوب في التربية جعل معظم شبابنا يعانون من حالة عجز، وأصبحوا موتى وهم أحياء.

أما الذين حصل آباؤهم على بعض المال، ووفروا لهم حياة كريمة، فقد اتجهوا إلى الفساد الأخلاقي.

الصدر أو القبر

قال شاعر عربي يوماً: لنا الصدر دون العالمين أو القبر، وأعتقد أن هذا الشاعر قد امتلك حكمة نتجت عن تجربة إنسانية، لذلك جمع بين الصدر والقبر في بيت واحد، وأراد أن يقول بوضوح: إن خفت من الموت فإنك لن تكون له في الصدر، ولا يمكن أن تصلح للقيادة.

لذلك فتشت في ذاكرتي عن اسم تلك الأم الفلسطينية الحكيمة الكريمة التي ربت ابنها لعصر المجد والسيادة والاستقلال والتحرير.. ثم ودعته وهو ذاهب ليقوم بعملية استشهادية، وصورت لحظة الوداع في شريط أرادت أن يكون حجة على الأمة، ودليلاً على قوة المرأة العربية المؤمنة، وهدية لكل أم تريد لابنها أن يكون سيداً.

أرادت أن تقول بكل وضوح: ربوا أبناءكم ليكونوا سادة وقادة.. فإما أن يعيشوا أحراراً أقوياء كرماء عظماء، وإما أن يفوزوا بالشهادة.

لا يمكن أن يكونوا عبيداً خائفين من المستبدين والاحتلال والاستعمار.

أرادت أن تسجل لنا تجربة إنسانية حية.. لقد أعدت ابنها ليكون في الصدر في حياته الدنيا وفي الآخرة. فإما أن يعيش حراً في وطن حر، يبني عليه نهضة وحضارة، وإما أن يمضي إلى ربه شهيداً.

أرادت أن تقول لكل أم: كفى خوفاً وجبناً. ربي ابنك ليكون قائداً، وليشارك في السياسة، وليغير المجتمع وليحرر الأرض ليعيش عليها حراً أو ليمت شهيداً.. لكن لا تعلميه أبداً أن يكون عبداً خائفاً جباناً. لا تربيه لكي يكون موظفاً عند اللورد كرومر أو عند الحكومات العربية التي تنفذ استراتيجية كرومر الاستعمارية العنصرية.

أرادت هذه الأم أن تقول للأمة كلها: غيروا مسار التعليم ومناهجه ليتخرج جيل جديد يستطيع بناء النهضة وتوحيد الأمة وتحرير القدس.. ومن حق هذه الأم أن يسكن اسمها ذاكرة كل مؤمن، لكن يبدو أن ذاكرتي لا تستحق شرف الاحتفاظ باسمها، وإن حفظت لها جمال تجربتها، ومشهد الوداع الذي تمنيت يوماً لو أن كل أم مسلمة تقلده.. ليصبح هناك ملايين الأمهات يودعن أبناءهن بكلام جديد: كن قائداً أو شهيداً لكن لا تكن عبداً.. أبداً. والأرزاق بيد الله، وليس بيد الحكومة.. ويجب أن تتعلم لتكون قادراً على تحرير الوطن، وكن سيداً ليعود للوطن استقلاله وحضارته ونهضته.. ولا تعد لي إلا قائداً أو شهيداً.

أنصاف الجهلاء

وحكوماتنا لا تريد تطوير التعليم.. ولا تريد تعليماً يحول الناس إلى سادة وقادة وعلماء وخطباء.

الحكومات تريد موظفين يتلقون الرواتب وتنحصر أحلامهم في قضاء بعض الاحتياجات المادية مثل المسكن والزواج والستر.. حكوماتنا تفرض التبعية للغرب في التعليم، فهي لا تريد تحقيق الاستقلال الحضاري الذي يقوم على تعليم يعزز الانتماء للأمة، ويجعل الطلاب فخورين بشخصيتهم الحضارية الإسلامية، ولذلك فإن الحكومات العربية حولت جامعاتنا إلى ساحة للتعرف على النظريات الغربية دون نقدها، خاصة في العلوم الإنسانية، وهي نظريات تتناقض في كثير من الأحيان مع الثوابت الإسلامية والإنجازات الحضارية للأمة.

وأصبح هناك الكثير من الأساتذة الذين يحملون درجات الدكتوراه من الجامعات الأميركية يعرفون الطريق إلى الاستقرار في الجامعات بالخلط بين اللغة العربية والإنجليزية في المحاضرات، ليشكل هذا الخلط وسيلة لزيادة جهل الطلاب بدلاً من تعليمهم.. ولضرب اعتزازهم باللغة العربية، وتصوير الأمر على أن اللغة العربية غير قادرة على التعبير عن النظريات والعلوم الحديثة.. بينما الحقيقة أنهم هم الذين عجَزوا عن التعبير باللغة العربية، وافتقدوا الثقة في ذاتهم وتفاخروا بالتغريب رغم أن "المتغرب" - دائماً - لا يستطيع أن يبدع حلولاً لمشكلات وطن يكافح من أجل الاستقلال والحرية.

وبين خوف الأمهات وتبعية الجامعات وجهل الحكومات واضطهاد الأساتذة المخلصين لأمتهم، ضاعت شخصية الطلاب وزاد إحباطهم ويأسهم وزادت رغبتهم في الهجرة من وطن لا يوفر لهم تعليماً حقيقياً يساعدهم أن يكونوا قادة وعلماء ومخترعين.

ولكننا نقترب من عصر جديد.. عصر الحرية: استقلالاً ونهضة حضارية.. ولابد أن نربي أبناءنا لهذا العصر.. ولكي يكونوا سادة وأحراراً، فالذي يستحق أن يكون سيداً في العصر الجميل القادم هو الذي يتعلم اليوم كيف يعتز بشخصيته الإسلامية، ويكافح ليبني النهضة والحضارة، ويتقدم لتحرير الوطن ليعيش عليه حراً.. فهناك ارتباط دائم بين حرية الوطن والإنسان، أما الذي يخاف على الحياة، ويخاف من العمل في السياسة، ويخاف من الحكومة، فلا يمكن أن يكون يوماً قائداً وعالماً وصانعاً للنهضة.. الذي يخاف من الموت سيظل موظفاً، وربما يهون على نفسه حتى يصبح موظفاً عند إسرائيل، كما حدث للكثير من رجال السلطة الفلسطينية في رام الله بعد أن تخلوا عن ذكريات الكفاح والنضال، وخافوا أن تضيع المرتبات والامتيازات!! والذين سيحررون القدس هن الأمهات المؤمنات عندما يقتدين بالأم الفلسطينية الحكيمة، ويعلمن أبناءهن فن الموت بكرامة أو الحياة بعزة وسيادة.

والذين سيحررون القدس هم أساتذة يعلمون الطلاب في الجامعات الاعتزاز بشخصيتهم الحضارية، وفن عشق الحرية، والكفاح لبناء النهضة.. ويعلمونهم كيف يكونون قادة وعلماء وخطباء وأساتذة للعالم كله.

نقلا عن المركز الفلسطيني