مشاهدة النسخة كاملة : تركيا تحصن نفسها من الداخل


أبو فاطمة
09-24-2010, 03:45 PM
تركيا تحصن نفسها من الداخل

انتهى الاستفتاء في تركيا على التعديلات الدستورية التي طالت 26 مادة في الدستور . الدستور هو دستور ،1982 الذي جاء به الانقلاب العسكري الذي كان قد حدث في العام 1980 .

أكثر من 16 مرة تعرضّ هذا الدستور للتعديل منذ 28 عاماً . لكن أياً من هذه التعديلات لم تحقق اختراقاً في بنية النظام السياسي . معظمها إن لم يكن كلها، توقف عند عتبة الجوهر واكتفى بملامسة القشور . أصبح معلوماً للجميع ماهية التعديلات التي تحققت في استفتاء الأحد الماضي . ليس من داع للدخول في تفصيلاتها، وهي كثيرة، تطال مختلف الجوانب السياسية والعسكرية والقضائية والاجتماعية والنقابية .

جوهر التعديلات هو التزام كل مؤسسة بصلاحياتها وعدم طغيان إحداها على الأخرى . أبرز انتهاكات الدستور السابقة كانت من جانب المحكمة الدستورية، التي نصّبت نفسها سلطة تشريعية، ووصية على النواب في ما يجب أن يعدّلوه من الدستور، وما لا يجب أن يعدّلوه . اليوم تم تقييد المحكمة الدستورية لا في اتجاه إلغاء دورها بل البقاء ضمن حدود صلاحياتها .

الجوهر الثاني هو أن “دويلة” العسكر المتبقية قد تم أيضاً تقييدها، ولم تعد تتحكم بعناصرها، ولا بالسياسيين، ولم تعد خارج المساءلة والمحاسبة . أيضاً جاءت التعديلات لتصفي الحساب الشعبي والقانوني مع طغمة الانقلابيين .

اختصر رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان نتائج الاستفتاء بالقول إنها أنهت حقبة الوصاية العسكرية والذهنية الانقلابية .

نعم لم يعد المواطن ولا السياسي يعيش هاجس الخوف من جنرال يطلق العنان لدبابته . التعديلات أعلنت أن الغلبة هي لخيار الناخب في الانتخابات التشريعية والبلدية . وأن القرار السياسي هو ابن الإرادة الشعبية . وهذا هو جوهر نجاح الأنظمة الديمقراطية .

وهنا لا خوف أبداً مما يطلقه البعض في تركيا من أن تركيا تذهب إلى نظام الحزب الواحد، ما دامت اللعبة الديمقراطية هي الأساس، ولا أحد يشكو من أي تزوير أو ضغوط أمنية .

وما دامت إرادة الشعب تذهب إلى حزب العدالة والتنمية في هذه المرحلة فهذا يعني أن وجود الحزب في السلطة شرعي وديمقراطي .

وإذا كان حزب العدالة والتنمية هو المحرك للإصلاح منذ ثماني سنوات، وحتى الآن فإن تحديث بنية النظام هي مصلحة لكل الأتراك، ولكل الأحزاب . وبقدر ما يصبح النظام أكثر ديمقراطية، وبقدر ما تتعزز الحريات، فهذا ضمانة من أن البلاد لا تسير نحو أسلمة النظام ولا تسلط الحزب الواحد .

المعارضة العلمانية المتشددة المتمثلة في حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية اليميني المتشدد، كانت جزءاً من حكومات سابقة متعددة، لكنها لم تقدم شيئاً لتطوير النظام، بل كانت تقتات من تسلط المؤسسة العسكرية، ومزاجية المؤسسات القضائية، وكانت الوجه الآخر للدكتاتورية العسكرية القضائية .

أحزاب أخرى سادت مثل “حزب الطريق المستقيم” و”حزب الوطن الأم” لكنها بادت، وأصبحت طي التاريخ فقط، لأنها لم تستطع أن تطور نفسها ولا أن تحدّث النظام .

المعارضة نفسها تسهم في خلق أسطورة رجب طيب أردوغان، لم يسع أي حزب أو زعيم في المعارضة إلى مناقشة التعديلات أمام الشعب في الأسابيع التي سبقت الاستفتاء . كانوا يرفعون شعارات الأوربة والتغريب، فقط لتبرير قمع واضطهاد الاسلاميين أو اليساريين أو الأكراد .

هل يتجرأ زعيم معارضة واحد ويقول إنه يعارض هذا البند أو ذاك من التعديلات المطروحة؟ بالطبع لا . لسبب بسيط وهو أن هذه التعديلات تنسجم مع شروط الاتحاد الأوروبي، ولا يمكن لزعماء المعارضة أن يفضحوا أنفسهم ويكشفوا عن خداعهم .

أمام فشل خطاب المعارضة لجأت هذه إلى تحويل الاستفتاء من معركة لتحديث النظام إلى معركة سياسية لإسقاط أو لإضعاف سلطة رجب طيب أردوغان، تمهيداً للإطاحة به في الانتخابات النيابية في صيف العام المقبل .

كان يفترض بزعماء المعارضة أن يسحبوا سيف التعديلات من تحت بساط أردوغان، ويتبنوها، بل أن يضيفوا عليها أيضاً، ويحرجوا حزب العدالة والتنمية، وبذلك يذهب الجميع إلى الاستفتاء رابحين فتربح تركيا .

لا أحد يمكن أن يعدم تأثير نتائج الاستفتاء في نجاح الإصلاحات على صورة تركيا ودورها، وصلابة الأسس التي ينطلق منها التوجه التركي في السياسة الخارجية، لكن الأهم هو أن الإصلاحات تقوّي عود النظام الديمقراطي في الداخل . وبمقدار ما يكون الداخل محصناً بالديمقراطية والحريات، تكون البلاد قوية في الخارج بنموذجها، فكيف أيضاً إذا كانت تمتلك كل ميزات أن تكون قوة إقليمية وحتى عظمى؟

نقلا عن دار الخليج