مشاهدة النسخة كاملة : استحالة الحل الدائم... وفرصة الحل المرحلي


أبوسمية
09-23-2010, 06:46 PM
استحالة الحل الدائم... وفرصة الحل المرحلي

د. وحيد عبد المجيد

ربما لا يكون مستحيلاً أن تفضي المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المباشرة إلى اتفاق ما، رغم التشاؤم السائد، إذا أمكن حل مأزق الاستيطان الذي ينتهي الأحد القادم مفعول قرار تجميده.

غير أنه لن يكون دائماً، ولا يمكن أن يكون، الاتفاق الذي يُحتمل التوصل إليه بخلاف ما يردده بعض مساعدي رئيس الوزراء الإسرائيلي. فهم يتحدثون عما يسمونه "اتفاق إطار دائم" يُنفذ على مدى فترة طويلة تصل ثلاثين عاماً. لكن اتفاق الإطار هو بطابعه، وبحكم التعريف، ليس اتفاقاً دائما بل إطار يتضمن خطوطاً عامة يُهتدى بها في المفاوضات التفصيلية الهادفة إلى إبرام اتفاق دائم.

وهذا ما حدث، مثلاً، في المفاوضات المصرية الإسرائيلية بكامب ديفيد في سبتمبر 1978، فقد أفضت إلى اتفاق إطار من شقين، أحدهما إطار للسلام في الشرق الأوسط، والثاني إطار لمعاهدة سلام بين مصر و"إسرائيل". وقد نجحت المفاوضات التي أُجريت على أساس إطار معاهدة السلام في إبرام المعاهدة بعد ستة أشهر. أما المفاوضات التي استندت إلى إطار السلام في الشرق الأوسط ففشل المفاوضون المصريون والإسرائيليون الذين خاضوها على مدى ثلاث سنوات في التوصل إلى مشروع اتفاق دائم لحل قضية فلسطين.

وهذا دليل واضح على أن اتفاق الإطار لا يمكن أن يكون دائماً لأنه ينتهي حُكماً بعد فترة تظل قصيرة، حتى إذا طالت لبضع سنوات. فإذا نجح الطرفان اللذان يتفاوضان انطلاقاً منه في إحراز التقدم المبتغى، ينتهي اتفاق الإطار في اليوم الذي يوقعان الاتفاق الدائم المستند. كما ينتهي اتفاق الإطار إذا فشلا في التفاهم على التفاصيل اللازمة للوصول إلى اتفاق دائم. وعندئذ يصبح كأنه لم يكن. لذلك فهي ليست أكثر من حيلة لغوية سياسية تلك التي يحاول بعض مساعدي نتنياهو من خلالها التحايل على الواقع. فهم يعرفون، كغيرهم، أن احتمال الوصول إلى اتفاق دائم، خلال المفاوضات المباشرة الفلسطينية الإسرائيلية التي أُطلقت في واشنطن في مطلع الشهر الجاري، يكاد يكون معدوماً. فالحل النهائي، الذي لا يمكن أن يكون هناك اتفاق دائم قبل تحقيقه، صار مستحيلاً اليوم أكثر من أي وقت مضى منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. فقد أصبحت الفجوة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني أوسع مما كانت عليه في مفاوضات كامب ديفيد التي أجريت في يوليو 2000 في ظل تفاؤل شديد بإمكان نجاحها في بلوغ الحل النهائي وفق صيغة أوسلو 1993.

في تلك المفاوضات، وملاحقها التي تواصلت حتى مطلع عام 2001 في طابا وإيلات وواشنطن، كانت الفجوة الرئيسة متركزة في قضيتي القدس واللاجئين اللتين نسفتاها أخيراً. وتعثرت المحاولات التي بُذلت للوصول إلى تفاهم بشأنهما قبل خروج كلينتون من البيت الأبيض مطلع 2001.

غير أن الفجوة توسعت في المفاوضات الراهنة التي يخوضها الفلسطينيون مع حكومة إسرائيلية أكثر تشدداً من كل حكومة قبلها. لذلك، فبعد أن أصبحت قضية الحدود قابلة للحل منذ مفاوضات 2000 على أساس إقامة الدولة الفلسطينية في حدود 1967، مع احتفاظ "إسرائيل" بالكتل الاستيطانية الكبرى، ومبادلتها بمساحة مساوية وراء الخط الأخضر، عادت حكومة نتنياهو لتصر على التمييز بين ما تسميه حدوداً سياسية وأخرى أمنية.

والمقصود أن نهر الأردن سيكون هو الحد الأمني بالنسبة ل"إسرائيل"، بما يقتضيه ذلك من وجود قوات تابعة لها في منطقة غور الأردن، أي في داخل الدولة الفلسطينية. وتتذرع حكومة نتنياهو بأن الانسحاب الكامل من قطاع غزة هدّد أمن "إسرائيل" بسبب سهولة تهريب السلاح إلى داخل القطاع. فإذا كان هذا التهديد حدث عبر ثلاثة عشر كيلومتراً فقط هي طول الحدود عند محور صلاح الدين، هكذا يقول مساعدو نتنياهو، فكيف تكون الحال بالنسبة لثمانين كيلومتراً هي طول الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية على نهر الأردن. والحل، عندهم، هو أن تلتزم الدولة الفلسطينية بقبول وضع قوات إسرائيلية على هذه الحدود لضمان أمنها.

لذلك، أصبح مستحيلاً تجسير الفجوة التي توسعت. وليس ممكناً الوصول إلى حل نهائي يقوم عليه اتفاق سلام دائم بدون تجسير هذه الفجوة، في الوقت الذي يصعب على المفاوض الفلسطيني قبول حل مرحلي جديد بعد خبرة اتفاق أوسلو المريرة.

هذا هو الواقع الصعب الذي يحاول مساعدو نتنياهو التحايل عليه عبر التلاعب بالكلمات والمفاهيم. فهم يتحدثون عن إمكان الوصول إلى ما يسمونه مرة "اتفاق إطار للتسوية الدائمة" ومرة أخرى "اتفاق إطار دائم" يُنفذ على مدى فترة طويلة قد تصل ثلاثين عاماً، لكي تتمكن "إسرائيل" من اختبار قدرة الفلسطينيين على الوفاء بالتزاماتهم وتنفيذ ما يتوجب عليهم.

ورغم أن هذا الطرح ما يزال شديد العمومية ويخلو من التفاصيل إلا أقلها، ربما يجوز استنتاج أن المقصود هو اتفاق على أسس الحل الدائم وركائزه والمبادئ العامة التي تستند عليها، وفي مقدمتها إقامة دولة فلسطينية تُعلن رسمياً عقب توقيع هذا الاتفاق، على أن يتم سحب القوات الإسرائيلية منها على مراحل زمنية طويلة، مع النص على وجود حدود سياسية وأخرى أمنية لكل من الدولتين بما يجيز إبقاء هذه القوات عند نهر الأردن لفترة طويلة. وبالنسبة للمستوطنات التي لا تدخل ضمن الكتل الاستيطانية الكبرى، تصبح تحت ولاية الدولة الفلسطينية مع إبقاء المستوطنين فيها إلى أن تقرر "إسرائيل" نقلهم عندما تتأكد من "حسن سلوك" الفلسطينيين.

وهذا الذي يُقال إنه "اتفاق إطار دائم" ليس إلا اتفاقاً مرحلياً جديداً، لكنه طويل المدى هذه المرة. والفرق بينه وبين اتفاق الإطار التقليدي هو أن هذا الاتفاق يكون دليلاً للتفاوض من أجل اتفاق دائم. أما الاتفاق الذي يقصده معاونو نتنياهو فلن يقود، إذا قبل المفاوض الفلسطيني، إلى اتفاق واحد دائم بل إلى اتفاقات جزئية عدة يتعلق كل منها بإحدى القضايا، وقد يُعاد النظر في بعضها، خلال الفترة الطويلة التي ستختبر فيها "إسرائيل" قدرة الفلسطينيين على تنفيذ التزاماتهم!

ويعني ذلك أن الخيار الوحيد الذي سيكون مطروحاً على الفلسطينيين، إذا أمكن حل مأزق الاستيطان ومواصلة المفاوضات المباشرة، هو حل مرحلي "بطعم" الحل الدائم يُطلق عليه "اتفاق إطار دائم" لتزيينه وربما أيضاً لمساعدة المفاوض الفلسطيني في تسويقه لدى جمهوره.

نقلا عن المركز الفلسطيني