مشاهدة النسخة كاملة : الغرب وتركيا : الى أين تتحه العلاقة


ام نسيبة
09-23-2010, 10:35 AM
الغرب وتركيا: علاقة لم تعد باتجاه واحد

http://www.alquds.co.uk/today/22qpt79.jpg
د. بشير موسى نافع
2010-09-22


في عددها الأخير، نشرت مجلة النيوزويك الامريكية مقالة بعنوان'نجم الشرق'، تناولت سياسات رئيس الحكومة التركي الطيب رجب إردوغان الخارجية. المقالة، التي سلطت الضوء على الشعبية المتزايدة لإردوغان في أوساط شعوب الشرق الأوسط، أثارت سلسلة من الأسئلة حول التوجهات الحقيقية لحكومة حزب العدالة والتنمية وما إن كانت تجر تركيا بعيداً عن تحالفاتها التقليدية مع الغرب، والولايات المتحدة على وجه الخصوص.
قبل النيوزويك، وربما في لغة غير مسبوقة في سياق الحديث حول رئيس حكومة دولة صديقة، كتب المعلق في صحيفة وول ستريت جورنال الامريكية اليمينية روبرت بولوك يقول بأن إردوغان يقود بلاده 'في انحطاط قومي نحو الجنون'. وقد شهدت الأوساط الإعلامية الغربية والتركية في الشهر الماضي ضجة صغيرة حول تقرير نشرته صحيفة بريطانية، ادعى أن الرئيس الامريكي أوباما وجه تهديداً صريحاً لإردوغان بتعطيل صفقات التسلح الامريكي لتركيا ما لم تغير حكومة العدالة والتنمية سياساتها تجاه إيران والدولة العبرية. خلال ساعات من نشره، صدر عن واشنطن وأنقره تكذيبان قاطعان للتقرير، الذي لا يستبعد أن يكون جزءاً من حملة استهدفت إضعاف حظوظ إردوغان في الحملة الدائرة آنذاك للاستفتاء على حزمة كبيرة وجريئة من التعديلات على الدستور التركي.
ولكن أحداً، على أية حال، لا يمكنه القول بأن العلاقات التركية - الامريكية على ما يرام. كما أن العلاقات التركية- الإسرائيلية لم تمر بهذا المستوى من التدهور من قبل. أما العلاقات التركية بفرنسا وإلمانيا فيمكن القول أنها تعيش مناخاً بارداً بالفعل، إن لم تكن في حالة من الصقيع. الاستثناء البارز في هذا الوضع الأقرب إلى التأزم، هي العلاقات التركية - البريطانية، التي أكدت عليها زيارة صاخبة ومثيرة قام بها رئيس الحكومة البريطانية الجديدة مؤخراً للعاصمة التركية. وليس من الصعب، بالطبع، فهم الاستثناء البريطاني، الذي يسعى منذ سنوات لانتهاز فرصة الرفض الأوروبي لتركيا لصالح تعزيز دور بريطانيا عالمياً. من جهة، يبدو الغرب (والدولة العبرية لابد أن تصنف في خانته) وكأنه يعيش حالة من الصدمة في تعامله مع إردوغان وحكومته. ومن جهة أخرى، يبدو إردوغان وكأنه لم يعد يكترث بموقف الغرب من سياسات بلاده وحكومته. فكيف نقرأ هذا التطور في علاقات تركيا مع الغرب، العلاقات التي صاغت رؤية العثمانيين للعالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، على الأقل، ورؤية خلفاء رجال التحديث العثمانيين في الجمهورية التركية منذ ولادة تركيا الحديثة قبل زهاء التسعين عاماً؟
استقرت علاقات الغرب بتركيا منذ أكثر من قرن ونصف القرن على نمط واحد، لم يتغير إلا قليلاً من مرحلة إلى أخرى ومن قضية إلى أخرى. أقرب وصف لهذا النمط أنها علاقات باتجاه واحد. فبعد قرون من التقدم في شرق ووسط أوروبا، ومن السيطرة المطلقة على حوض المتوسط الشرقي، فوجئ العثمانيون على نحو ما بالحيوية الأوروبية الجديدة على الجبهتين الروسية والنمساوية.
خلال ثلاثة أرباع القرن، من الربع الأخير للقرن الثامن عشر حتى منتصف التاسع عشر، دفعت الحدود العثمانية على الجبهتين مئات الأميال إلى الخلف، وتنازلت السلطنة للمرة الأولى للروس عن بلاد تقطنها شعوب مسلمة في القرم وشمال القوقاز. وحتى في قلب بلاد الإسلام القديمة، مثل الجزائر ومصر، لم تعد الدولة قادرة على الدفاع عن بلادها ورعيتها. في هذا المناخ، برزت حفنة من رجال الدولة والحكم في اسطنبول والقاهرة وتونس اعتقدت أن ليس ثمة سبيل للانقاذ إلا بتعهد برامج تحديث واسعة وسريعة، تحديث على النمط الأوروبي الغربي الجديد. ومنذ انطلقت حركة التحديث، في موازاة الانتشار الإمبريالي المتسع، ورجال الدولة العثمانيون والأتراك (كما أغلب رجال الدولة في العواصم العربية والإسلامية الأخرى) ينظرون إلى الغرب نظرة التوسل والاسترضاء، تحكم سياساتهم تجاهه مشاعر مستبطنة من الدونية، والرغبة في تمثل خطواته ومواقفه ونمط حياته. كانت الإصلاحات العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، حتى وهي تستهدف تعزيز قوة الدولة وتحسين معيشة رعاياها، مؤسسة على نصائح أوروبية؛ وكذلك كانت خطى حكومات الاتحاد والترقي بعد انقلابي 1908 1909. أما جمهورية مصطفى كمال، التي أسست من قلب نضال مرير ضد قوات الاحتلال الأوربية، فقد تبنت بصراحة وحدة مشروعاً شاملاً وانقلابياً للهندسة الاجتماعية والثقافية، استهدف تحويل تركيا الجديدة إلى 'قطعة من أوروبا.'
كانت حرب الاستقلال التركية القصيرة في مطلع العشرينات من القرن العشرين، التي حاول فيها مصطفى كمال ورفاقه الحفاظ باستماتة على ما تبقى من السلطنة حراً ومستقلاً، آخر منازعات الأتراك مع الغرب. وبعدها استقرت العلاقة على نحو أو آخر على أسس غير متكافئة من الحاجات الاستراتيجية والاقتصادية، ومن الإلحاق والتبعية. أصبحت تركيا ما بعد الحرب الثانية تعددية ـ ديمقراطية حتى تقبل في منتدى 'العالم الحر'، ولكن حتى بعد أن انضمت تركيا لحلف الناتو، لم تنظر لها الدول الحليفة شريكاً على قدم المساواة، بالرغم من أن جيشها كان وما يزال ثاني أكبر جيش في الحلف. ليس في أي مرحلة من تاريخ الحلف، نظرت واشنطن، زعيمة الحلف وقائدة المعسكر الغربي في الحرب الباردة، إلى تركيا كما نظرت إلى حليفاتها الأخريات في الغرب الأوروبي.
استخدمت تركيا دولة مواجهة مع الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية، بكل ما يعنيه هذا الدور من مخاطر، ولكن الأتراك فوجئوا في مطلع الستينات أن الصواريخ الامريكية المنصوبة في بلادهم لحمايتها استخدمت ورقة مساومة في أزمة الصواريخ الكوبية، وأن واشنطن لم تكن على استعداد لدعم الموقف التركي في الأزمة القبرصية، التي هددت حياة القبارصة الأتراك. وحتى عندما أجرت تركيا مراجعتها الشهيرة للسياسة الخارجية في نهاية الستينات، لم يأت التغيير جذرياً وكبيراً. اجتماعياً وثقافياً، باتت أوروبا تنظر إلى التركي، الذي عرفته طوال قرون غازياً ومحارباً، باعتباره عاملاً متواضعاً في مصانع الرخاء والنهوض الأوروبي الجديد.
بكلمة أخرى، أوروبة تركيا وتغربها كان قراراً تركيا بحتاً، لم يلزم الغرب بأي شعور بالشراكة والتكافؤ مع الأتراك.
الأتراك اليوم محل اتهام؛ أو هم على الأحرى محل سلسلة من الاتهامات المتراكمة منذ 2003. برز التوتر للمرة الأولى عندما رفض البرلمان التركي، الذي تسيطر عليه أغلبية كبيرة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، السماح لإدارة بوش الابن باستخدام الأراضي التركية لغزو العراق من الشمال، القرار الذي جعل وزير دفاع بوش رامسفيلد يوجه تهديداً صريحاً لأنقرة. ولم تلبث إدارة بوش أن فوجئت بتصريحات إردوغان الشاجبة لتصرفات قوات الاحتلال الامريكية في الفلوجة والمناطق السنية العراقية الأخرى. خلال السنوات التالية، لم يكن من الصعب فهم الدوافع خلف سياسات غض النظر الامريكية في شمال العراق عن النشاطات الإرهابية لحزب العمال الكردستاني. ولكن إدارة بوش الثانية وجدت في النهاية طريقة ما للمحافظة على علاقات طبيعية، وإن غير دافئة ولا ودودة، مع حكومة إردوغان، بعد أن لم يعد ثمة شك في أن الإدارة جرت الولايات المتحدة إلى سياسات حرب غير محسوبة العواقب. في الحرب الإسرائيلية على لبنان والحرب الأخرى على قطاع غزة، اختار رئيس الحكومة التركي أن يعبر عن مواقفه بصراحة لا لبس فيها، وأن تعكس هذه المواقف مشاعر الشعب التركي ضد الحربين. وبعد بداية صحية واستقبال حار وترحيبي لأوباما في أنقرة واسطنبول، جاء التدهور المتسارع في العلاقات التركية - الإسرائيلية والموقف التركي من الملف النووي الإيراني ليدفع بقدر ملموس من التوتر إلى العلاقات بين حكومة إردوغان وإدارة أوباما.
في الوقت نفسه، كان المحور الفرنسي الإيراني يعرب بوضوح قاطع عن رفضه ضم تركيا للاتحاد الأوروبي، بالرغم من أن الطلب التركي للانضمام للاتحاد يعود إلى عقود سابقة، عندما كان الاتحاد مجرد سوق أوروبية مشتركة. لا الإصلاحات السياسية المتعاقبة التي تبنتها حكومة العدالة والتنمية منذ 2002، ولا الزيارات المتوالية التي قام بها المسؤولون الأتراك للعواصم الأوروبية، ولا النمو الاقتصادي التركي المذهل، ولا الانفراجات المستمرة في علاقات تركيا بأرمينيا واليونان وكافة دول البلقان، نجحت في إقناع الأوروبيين الكبار في تغيير موقفهم. التفاوض في الملفات الضرورية لعملية الانضمام يسير بطيئاً، وليس ثمة من وعد بانضمام تركيا للاتحاد، ولا حتى بعد عقد أوعقدين. لم يعد أحد في أوروبا يعتقد بمصداقية المقولات بأن إردوغان يسعى إلى أسلمة الدولة التركية، ولكن الرفض الأوروبي لتركيا مؤسس على الخوف من المسلمين بحد ذاتهم وليس من سياسات اسلمة موهومة. وبالرغم من الآمال التركية بأن يساعد إقرار التعديلات الدستورية الأخيرة على دفع مفاوضات الانضمام للاتحاد قدماً، فلا يجب أن يكون هناك وهم حول أن تكسب تركيا قريباً عضوية النادي الأوروبي.
تركيا إردوغان لم تدر ظهرها للغرب. تبادلها التجاري مع دول الاتحاد الأوروبي لم يزل يشكل نصف حجم تجارتها الخارجية، وتصميمها على الانضمام للاتحاد الأوروبي لم يزل على حاله. تركيا هي عضو كامل في حلف الناتو، وليس هناك ولا أي مؤشر على نية إردوغان الخروج من الحلف. تتحمل تركيا مسؤولياتها بكفاءة وإنسانية في أفغانستان، بدون أن تشارك قواتها في الحرب الدائرة في البلاد؛ كما تشارك القوات التركية في قوات حفظ السلام الدولية في جنوب لبنان.
وكما أغلب دول العالم، تعارض تركيا أي توجه إيراني للتسلح النووي، مع توكيدها على حق إيران في استخدام الطاقة النووية لأهداف سلمية، ورغبتها في أن يحل الخلاف الغربي - الإيراني عن طريق التفاوض لا التهديد والحرب. ولكن مشكلة الغرب مع تركيا إردوغان لا تتعلق بسجل حكومته، وخياراتها الاستراتيجية الكبرى.
مشكلة الغرب أن ثمة تركيا مختلفا يبرز الآن أمامه، تركيا يريد أن يتعامل مع الغرب على قدم المساواة، وعلى أساس من التكافؤ لا الدونية والاستعلاء. وإلى أن تدرك العواصم الغربية أن العالم من حولها يتغير، وأن على سياساتها ورؤيتها للآخرين أن تتغير هي الأخرى، فالعلاقات التركية بالدول الغربية مرشحة لبعض من التوتر.

' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

نقلا عن القدس العربي