مشاهدة النسخة كاملة : حرب الرمال المتحركة: تغرق فيها موريتانيا


ام خديجة
09-23-2010, 03:23 AM
موريتانيا تغرق في "حرب الرمال المتحركة"

http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/09/22/118651.jpg
نواكشوط - المختار السالم:

مما لا شك فيه أن موريتانيا بدأت تغوص في حرب “الرمال المتحركة” في الصحراء الكبرى محققة بذلك سبق أول دولة مغاربية تجرؤ على خوض هذه الحرب ضد “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” .

وقد خاضت القوات الموريتانية أشرس مواجهات مع التنظيم أيام الجمعة والسبت والأحد الماضية في صحراء إقليم “أزواد” شمالي مالي، في معارك متنقلة استخدمت فيها أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة والطيران الحربي، وأدت إلى سقوط 17 قتيلاً، على الأقل، وعشرات الجرحى في صفوف الطرفين .

تميزت المعارك في “أخويبت رأس الماء” و”عرش هندي” (حاسي سيدي) قرب “تمبكتو” على عمق أكثر من 300 كيلومتر داخل الأراضي المالية بالشراسة البالغة بين وحدات الجيش الموريتاني والكتائب التابعة لسرية “الفرقان” التي يشكل السلفيون الموريتانيون نسبة 70% من منتسبيها، والتي يقودها الجزائري “يحيى أبو همام” وهو أحد أخطر القادة الثلاثة المسيطرين على الفرع المغاربي للقاعدة .

إن دفع موريتانيا بقواتها في حرب مفتوحة في الصحراء الكبرى وِإشراف الرئيس محمد ولد عبد العزيز شخصياً من قيادة أركان الجيش بنواكشوط على متابعة سير العمليات العسكرية، طرح هذا الأسبوع أسئلة عديدة على المستوى الداخلي والخارجي .

فعلى المستوى الداخلي يبرز السؤال الأهم وهو: هل ضمنت موريتانيا لوجستياً واستخباراتياً أقل شروط الانتصار في هذه المعركة مع الجماعات السلفية المسلحة التي تمكنت على مدى العقد الماضي من إقامة “بنية تحتية” (مخازن أسلحة وذخيرة ومؤن وشبكات مخبرين من القبائل البدوية) في صحراء وعرة تبعد آلاف الكيلومترات عن مواقع إمدادات الجيش؟

وعلى المستوى البشري هل أصبح الجيش الموريتاني مؤهلاً بالفعل لخوض حرب عصابات طويلة الأمد بعد ثلاثة عقود من إهمال الجيش (تكويناً وتجهيزاً) من طرف الأنظمة المتعاقبة التي لم تستخدم الجيش منذ حرب الصحراء في السبعينات إلا في معارك بيضاء للاستيلاء على “القصر الرئاسي”؟

والسؤال الآخر هو، إلى أي مدى يمكن للجيش الموريتاني تحمل الخسائر البشرية في حرب من هذا النوع تحوم حولها العديد من الشكوك، ولا تحظى بكل الإجماع الوطني بعد النقد الشديد الذي وجهته قوى في المعارضة لحرب “استفزازية” على القاعدة؟

على المستوى الإقليمي، التزم المغرب الصمت التام إزاء تطور الأحداث وحرب موريتانيا على “الأشباح” .

لكن الموقف الأهم في هذا الوضع ميدانياً هو موقف الجزائر التي احتضنت الأسبوع الماضي اجتماعاً لقادة مخابرات دول الساحل (الجزائر وموريتانيا، مالي والنيجر) من أجل تأسيس “خلية استخبارات مشتركة” لجمع المعلومات عن المجموعات الجهادية والتنسيق للقيام بعمليات مشتركة بين جيوش هذه الدول ضد “القاعدة” .

فلم يخفَ على المراقبين في نواكشوط أن السلطات والأوساط السياسية الموريتانية ذهلت على خلفية “تضخيم” المصادر الأمنية الجزائرية، في تصريحاتها لوسائل الإعلام، لخسائر الجيش الموريتاني في معاركه شمالي مالي ضد القاعدة .

وأدى هذا الموقف بقوى في النخبة السياسية ووسائل إعلام موريتانية إلى التساؤل “عمّا إذا كانت الجزائر غير راضية عن التدخل العسكري الموريتاني شمالي مالي” . وهو ما يطرح على عاتق النظام الموريتاني بالفعل أعباء لا يمكن تصورها .

وبرز التساؤل هل أن “القضاء على تنظيم القاعدة في الصحراء قد يكون له تأثير سلبي في أجندة واستراتيجيات خفية لدول معينة في منطقة الساحل”؟

واعتبر أحد المعلقين الموريتانيين أن “الجيران” اكتفوا ب”المشاهدة بعيون التشفي، ولا أدل على ذلك من تصريحاتهم باختلاق الانتصار للإرهابيين” وتصويرهم ل”هزيمة” لحقت بالجيش الموريتاني .

فيما قال كاتب سياسي آخر “بقي التساؤل الذي يطرحه بعض الموريتانيين: هل هي معركتنا وحدنا؟ وماذا كان يريد لنا الجيران؟ وأين ذهبت كل اتفاقيات التنسيق؟ أم أن الحرب المشتركة لا تتجاوز لقطات على صفحات الجرائد؟” .

وقد لفت الانتباه التصريح الذي نقلته وسائل إعلام في نواكشوط تتمتع بمصداقية عالية عن مسؤول موريتاني فضل عدم ذكر اسمه، قال في سياق التعليق على تسريبات دول الجوار عن خسائر الجيش الموريتاني “إنهم فشلوا حيث نجحنا في بدء المواجهة”، مضيفاً إن “الجيش الموريتاني هو الوحيد في المنطقة الساعي إلى مواجهة إرهاب الجماعات المسلحة في المجال الصحراوي” .

وقد حاول رئيس الحزب الحاكم في موريتانيا محمد محمود ولد محمد الأمين في مؤتمر صحفي عقده الأحد الماضي لاستنكار “التسريبات المغلوطة” عن الجيش الموريتاني إلقاء المسؤولية على الفضائيات الدولية في نشر أخبار كاذبة عن المعركة، وقال إن العلاقات السياسية بين موريتانيا والجزائر جيدة، مؤكداً أن ما تنشره الصحافة الجزائرية حول موريتانيا “يعبر فقط عن وجهة نظر تلك الصحف” .

وهو تصريح اعتبره المراقبون مندرجاً في “الإكراهات الدبلوماسية” التي تفرض عدم الدخول في مواجهة إعلامية وسياسية مع دولة من وزن الجزائر في هذه المرحلة الحساسة .

أما دولة مالي المجاورة التي خاض الجيش الموريتاني مواجهاته الأخيرة على أراضيها، وإن كانت رحبت بالدور الموريتاني، بل دعا الرئيس المالي آمادو توماتني توري الأحد الماضي موريتانيا إلى التدخل في أراضيه لمطاردة الإرهابيين، لكن لا يعرف إلى أي حد يمكن للرأي العام المالي السكوت عن خوض القوات الموريتانية الحرب على أراضيه، مع أن تداعيات الوضع على سكان إقليم “أزواد” (عرب وطوارق) لا تقل أهمية ميدانياً بالنسبة إلى الجيش الموريتاني .

هذا فضلاً عما هو مؤكد من أن الموقف الرسمي المالي موقف أملته الضغوط الغربية الشديدة (فرنسا وأمريكا)، مع أن ذلك الدور لم يتجاوز السكوت عن دخول القوات الموريتانية إلى أراض سائبة لا تخضع عملياً لسلطة الدولة المالية، كما لا يخفى أن السلطات المالية دخلت منذ سنوات في مهادنة مع تنظيم “القاعدة” وتجنبت خوض أي مواجهات مع التنظيم بحجة أنه لا يمكنها وحدها محاربة الإرهاب .

ويؤكد المراقبون أن السلطات المالية لا يمكن أن تظل في منأى عن معارك تدور على أراضيها وفي منطقة (أزواد) سبق لموريتانيا أن ادعت ملكيتها .

كما لوحظ أن التعاون المالي (السكوت عن التدخل) مع موريتانيا صاحبه سيل من التسريبات المالية عن وقوع الجيش الموريتاني في مأزق .

لكن ما أهم الملاحظات المستنتجة من الجولة الجديدة من المعركة بين موريتانيا والفرع المغاربي للقاعدة؟

المحلل السياسي البارز رياض ولد أحمد الهادي في تصريح ل”الخليج” يقول “انقشع غبار المعركة الدامية بين الجيش الموريتاني وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ليكشف ضعف الإرادة السياسية لدى دول الساحل في محاربة التنظيم، وغياب التنسيق بين جيوش هذه الدول خلافاً لما وقعته من اتفاقيات في هذا المجال شملت تشكيل قوة مشتركة وقيادة موحدة في تمنراست . فقد نجحت القاعدة في اختبار مدى جدية الدول في مواجهتها واستخلصت من ذلك إمكانية انفرادها بجيش كل دولة على حدة” .

ويضيف “هذه الوضعية يتوقع أن تؤدي إلى بحث موريتانيا عن فضاء للتنسيق والتعاون معه في الحرب على القاعدة، وهو ما يفتح المجال ربما أمام فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية لزيادة حضورها العسكري في منطقة الساحل، فهي لا تريد تنامي نفوذ القاعدة في المنطقة، ووحدها موريتانيا من أثبتت لحد الآن الجدية في مواجهة القاعدة عسكرياً” .

والخلاصة هنا هي أن النظام الموريتاني ربما اكتشف أنه “وحيد” في هذه المواجهة التي لن يكون الخروج منها بأي حال من الأحوال “خروجا اختيارياً” .

أما السؤال الذي يبرز من قمة جبل الأسئلة المتراكمة فهو: ما تأثير هذه الحرب داخلياً في نظام الرئيس عزيز؟

محللون موريتانيون أكدوا ل”الخليج” أن ذلك مرتبط بعدة عوامل من بينها:

* أولاً: مدى الدعم الفرنسي والأمريكي بالمجهود الحربي لمصلحة الجيش الموريتاني الذي يعاني ثغرات كثيرة خاصة في مجال الطيران وأجهزة الرصد والاستخبارات .

* ثانياً: نمط الاستراتيجية الحربية التي ستتبع على ضوء الدروس المستخلصة من المواجهات الأخيرة مع التنظيم المتطرف، والتي من ضمنها ضرورة كسب ولاء قبائل إقليم “أزواد” الحدودي مع موريتانيا .

* ثالثاً: حشد الجبهة الداخلية، الصعبة سياسياً، وراء حرب من هذا النوع يتوقع أن تتطلب جولات كثيرة وطويلة .

الدعوة لمساندة الجيش

عشية اندلاع المعارك بين الجيش الموريتاني وتنظيم “القاعدة”، دعا الحزب الحاكم في موريتانيا (الاتحاد من أجل الجمهورية)، في بيان صادر عنه أحزاب المعارضة إلى “وحدة الصف ونبذ المهاترات السياسية والمزايدات اللفظية، في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ الشعب والدولة الموريتانيين” .

وطالب المعارضة ب”الجهر علناً من دون مواربة بمساندتها السياسية والمعنوية غير المشروطة للجيش، والمشاركة يداً بيد في معركة الاستئصال والضرب بيد من حديد على الإرهابيين القتلة المجرمين” .

وقال الحزب إن الجيش الموريتاني “لم يعد لديه خيار سوى المواجهة مع عناصر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” بعد الهجمات التي تعرض لها من طرف القاعدة منذ سنة 2005 .

وأكد أن الجيش الموريتاني يدافع عن حوزة بلاده الترابية وأمن مواطنيه وليس في حرب بالوكالة عن أي كان، كما تروج لذلك بعض الجهات . حسب تعبيره .

وطالب الحزب المرجعيات الدينية والعلماء والمثقفين ووسائل الإعلام العمومية والمستقلة بالمشاركة في استئصال شأفة التطرف والغلو من المجتمع .

وأعلن ائتلاف أحزاب الأغلبية عن دعمه الكامل للجيش الموريتاني في عملياته الاستباقية ضد القاعدة .

وقال رئيس الحزب الحاكم إنه لا يملك معطيات عن دور صهيوني في العمليات الأخيرة، لكنه متأكد من أن الموساد “الإسرائيلي” لديه تصفية حسابات مع موريتانيا، وذلك بعد قرار الرئيس الموريتاني الحالي طرد السفير “الإسرائيلي” من نواكشوط وقطع العلاقات نهائيا مع “تل أبيب” .

وكانت تقارير إعلامية قد تحدثت عن دعم الموساد للفرع المغاربي للقاعدة من أجل ضرب الاستقرار في بلدان المغرب العربي .

دار الخليج